سيدني بواتييه… أدوار ثورية تُحدث انقلاباً في السينما

يصعب التغاضي عن بعض الراهن الأميركي، في تأمّلٍ منبثقٍ من رحيل الممثل سيدني بواتييه (1927 ـ 2022). بعضٌ متمثّل بانتخاب أول أفروأميركي رئيساً للولايات المتحدّة الأميركية، باراك أوباما (4 نوفمبر/تشرين الثاني 2008)، وبمكانة أفروأميركيين كثيرين في الحياة الأميركية.


بواتييه سيبقى أحد أبرز صانعي الراهن الأميركي، باختراقه جدران نظامٍ عنصري أبيض في “قلعة الديمقراطية”، وبفرضِ حضورٍ فاعل له في عاصمة الفن السابع (هوليوود)، وفي مواكبة مسارٍ حافلٍ بالصدامات والنزاعات، المؤدّية إلى انقلاب أقدار مُكافحين يوميين، لسنين مديدة، من أجل حقّ طبيعي لهم بأنْ يكونوا بشراً في بلدٍ يأتونه قسراً، فيُعذَّبون ويُقتَلون ويُذَلّون، قبل أنْ يتمكّنوا، جيلاً تلو آخر، من تحطيم أصنامٍ عدّة، ما يُتيح لرجلٍ يُدعى أوباما بلوغ البيت الأبيض. الأسماء كثيرة.


قدرة بواتييه على أن يكون نجماً في زمن التحكّم الأبيض بكلّ شيءٍ، وبراعته في تأدية أدوارٍ تُساهم، بشكلٍ أو بآخر، في تغيير واقعٍ، وتمكّنه من إيجاد معادلاتٍ تبغي انتصاراً للسود في تلك القلعة المخادعة، مسائل تجعل المهنة انعكاساً لنضالٍ ميدانيّ، يترافق ونضالات أناسٍ يصنعون تاريخاً بعد صُنعهم تغييراً: مارتن لوثر كينغ، محمد علي، الفهود السود، أمّة الإسلام، بصرف النظر عن فضائح ومعارك داخلية.


سيدني بواتييه سيكون وجهاً مطلوباً في لاوعي جماعي، لتحقيق اختراقاتٍ جمّة، تساهم في تحوّل عددٍ كبيرٍ من الأفروأميركيين إلى نجوم مؤثّرين في مجالاتٍ أميركية مختلفة. “كَشَف لنا كيف نبلغ النجوم”، تقول ووبي غولدبيرغ في وداع بواتييه. هذا تعبيرٌ يُذكِّر بتعابير أخرى ينطق بها أناسٌ مشاهير، يرون في أفعالِ أسلافٍ لهم تأسيساً لتغيير جذري، تشوبه مصائب إلى الآن، لكنّه عصيٌّ على التوقّف. “بفضل أدواره الثورية، وموهبته المتفرّدة، يُجسِّد (بواتييه)، بفصاحةٍ، الكرامة والنعمة، ويكشف قوّة أفلامه في أن تجمعنا معاً”، يقول باراك أوباما.




مع هذا، يُمكن استعارة قولٍ لإدي مورفي في محمد علي لوصف بواتييه به، لشدّة ما فيه من تطابقٍ، وإن يكن خفياً إلى حدّ ما: “جميع السود الذين يُنجزون أفعالاً رائعة ولافتة للانتباه في الرياضة والأعمال والموسيقى والسياسة، أمثال مايكل جوردان وأوبرا وينفري وباراك أوباما، مدينون لمحمد علي بإنجازاتهم”. يقول أيضاً: “علي مسؤول عن كلّ الحاصل لاحقاً: “أنا الأعظم”. لم نسمع رجلاً أسود يتلفّظ بقولٍ كهذا. أشعل الفتيل. فكرة “الأسود جميل” عائدة إليه. قبله، كلمة “أسود” تعني شتيمة (…). بالنسبة إليّ، إنّه أعظم الكائنات (التي عاشت) على الأرض” (المجلة السينمائية الفرنسية “بروميير”، مارس/آذار 2021).


لبواتييه شيءٌ من هذا. في فيلم “في لهيب الليل” In The Heat Of The Night، لنورمان جايزون (1967)، يؤدّي بواتييه شخصية شرطيّ أسود في فيلادلفيا، يُحقِّق في جريمة قتل في المسيسيبي بعد اتّهامه بها بسبب لون بشرته. في “خمِّن من سيأتي إلى العشاء” Guess Who’s Coming To Dinner لستانلي كرايمر (1967)، يظهر طبيباً لامعاً وأستاذاً في الطبّ إلى جانب شابّة بيضاء (23 عاماً)، تدعوه إلى عشاء منزلي لتُعرّفه إلى والديها، منتصف ستينيات القرن الـ20. قبلهما، يُشارك بواتييه في “زبيبٌ في الشمس” A Raisin In The Sun لدانيال بِتْري (1961)، غارقاً في عالم شيكاغو، منتصف خمسينيات القرن الماضي، بكلّ ما في هذا العالم من أحوالٍ قاسية وصدامات تبدو كأنّها غير منتهية. هذه نماذج قليلة للغاية، إزاء عشرات الأفلام والأعمال التلفزيونية والوثائقيات التي له فيها مهنةٌ أو أكثر.




“في لهيب الليل”، المُنجز بعد عامٍ واحد فقط على تأسيس “حزب الفهود السود”، سيكون “فيلماً سياسياً بامتياز”، بحسب تعليقات نقدية متفرّقة. التورّط في المسيسيبي، زمن التوحّش العنصري الأبيض، جزءٌ من معركةٍ أساسية لبواتييه في مسار انتزاع الحقوق المدنية (الطبيعية أصلاً) للسود، سلمياً. “خمِّن من سيأتي إلى العشاء” يُنجز بعد عامٍ واحدٍ على اغتيال مارتن لوثر كينغ (4 إبريل/نيسان 1968). هذه لن تكون عابرة، بل إشارات إلى كيفية إلغاء الحدّ الفاصل بين نضالٍ، يُراد له أن يكون انتصاراً لحقٍّ مهدور، واشتغالٍ سينمائي يُساهم، إلى جانب النضال، في إحداثِ ثقبٍ كبير في جدار عنصرية نظامٍ أميركي متكامل، له في هوليوود حيّز واسع.


أصدق وصفٍ لانشغال سيدني بواتييه، “الممثل الأسطوري” (إتيانّ سوران، الصحيفة اليومية الفرنسية “لو فيغارو”، 7 يناير/كانون الثاني 2022)، في صُنع تغيير جذري وعميق في أميركا، يكمن في قولٍ للممثل مارك روفالو: “فوراً، يتمكّن بواتييه من تبديد المفهوم المنحرف والفاحش للتفوّق الأبيض، بطريقةٍ إنسانية وفنية وكريمة رائعة”. فهو، باختصار شديد، يُشارك في أفلامٍ مختلفة، “في زمنٍ شاهدٍ على أنّ الأسود الآخر الذي يعمل في الاستديوهات هو ماسح الأحذية”، يقول بواتييه (1988). هذا يُشعره بأنّه وحيدٌ، لكنّه يُدرك تماماً أنّ الطريق تُفتَح للاحقين به، أمثال إدي مورفي وريتشارد برايور وعشرات الآخرين، الذين يُكملون تلك الطريق من بعده: “إنّي نوعٌ من أبٍ لهم، إذ إنّي فتحتُ أمامهم الباب”.


هذا لن يكون عادياً. صنيعُه السينمائي، وتدرّجه الهادئ والثابت والعميق من ممثل عادي إلى مؤثّر في المشهد السينمائي العام، في زمن الانغلاق والتقوقع والنبذ والكراهية، يؤدّيان (الصنيع والتدرّج) إلى إشاعةِ حالةٍ من التحرّر، تُشبه كثيراً تلك الحالة نفسها من التحرّر في الاجتماع والسياسة والحقوق المدنيّة.


لائحة أعماله طويلة. أفلامٌ عدّة له تتفوّق على أخرى في جمالياتها وانشغالاتها الدرامية والفنية، وأيضاً في مسائلها الاجتماعية والثقافية والفكرية. لذا، يُفترض برحيله أن يدفع إلى استعادة حقبة وقراءتها مجدّداً، وإلى التأكّد، مرة أخرى، أنّه يُمكن تحقيق ما يُظنّ أنّه مستحيل، أحياناً.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً