"سيرا" ماريا دوينياس.. لقاء ثانٍ بعد عقد

بعد قرابة اثنَي عشر عاماً على صدورها، تستعيد الكاتبة الإسبانية ماريا دوينياس (1964)، في عملها الروائي الجديد، بطلةَ روايتها الأُولى “الزمن بين مُخيّطات” (2009) التي كانت قد صدرَت مترجمةً إلى اللغة العربية عام 2017 بتوقيع المغربيَّين شريفة الدحروش وعبد اللطيف البازي، واللذين اختارا “سيّدة الفساتين” عنواناً لها.


تحمل الروايةُ الجديدةُ المكمّلةُ للرواية الأُولى اسمَ بطلتهما سيرا، وفيها اشتغلت المؤلّفة بوضوح على بناء صورة إيجابية للمرأة تبتعد عن النموذج التقليدي الذي يُكرّس صورةً سلبية عنها، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بزمن الأحداث المحكية، وهو أربعينيات القرن العشرين، والذي كانت فيه المرأة غائبةً بشكل متعسِّف عن مسرح الأحداث الكُبرى.


سُحبت من الرواية (2021)، إلى اليوم، قرابة نصف مليون نسخة، ما يجعل منها مقترحاً ذكيّاً مِن قِبل دار النشر “بلانيتا” لبدء “موسم القراءة” في إسبانيا. ولا ننسى، هنا، أنَّ الجزء الأول منها حقّق رقماً قياسياً؛ إذ بيعت منه خمسة ملايين.

وعلى العكس مِن “الزمن بين مُخيّطات”، فإن أحداث “سيرا” تتوزّع عبر عددٍ مِن مسارح الأحداث الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تتنقّل بطلةُ الرواية بينها؛ مثل فلسطين وإنكلترا وإسبانيا وطنجة.


تطوّرت شخصيةُ سيرا وباتت أكثر نضجاً ممّا كانت عليه


في مقابلةٍ مع “وكالة الأنباء الإسبانية” (إفي)، اعتبرَت ماريا دوينياس أنَّ حضورها الدائم ضمن قوائم “الأكثر مبيعاً” يُشعرها بمتعة وفرح كبيرَين، لكنّها أبدت حسّاً نقدياً حيال الأمر، حين أشارت إلى أنّها تُريد أخْذ مسافة مع ما تتضمّنه هذه الأرقام مِن أحكام جاهزة لدى البعض.


تقول دوينياس في مقابلتها تلك: “ثمّة مشكلةٌ معَ الأحكام الجاهزة التي تُوحي بها أرقام المبيعات؛ فلمجرّد حصولك على رقمٍ عال مِنها، يجري استهلاك هذه المعطيات تلقائيّاً ومن دون التوقُّف قصد القراءة، وفي الأخير يُجرّدك ذلك مِن الاستحقاق. هذه أحكام جاهزة، لكنّها لا تؤثّر عليّ كثيراً”، وتضيف بأنَّ “هذه الأحكام الجاهزة في تراجُع، وقد باتت سلطتُها أقلّ عند فئات الشباب. علينا أن نكون أكثر تسامُحاً وكرماً، ولا نُلصِق بالآخرين حُكمنا التصنيفي الجاهز بسهولة على شكل بطاقة”.


تكشف دوينياس أنّه، ومع نجاحات روايتها الأولى، كثيراً ما كان القرّاء يطالبونها بمواصلة الاشتغال على عوالمها، لكنّها اعتبرَت أنّ الوقت لم يكن مناسباً لذلك، وأنّها – هي وبطلتها سيرا – كانتا بحاجةٍ إلى الابتعاد قليلاً عن أجواء التوتُّر التي أحدثها نشرُ العمل، وعن “كرة الثلج” التي تولّدت مع أرقام المبيعات وتحويل الرواية إلى سلسلة تلفزيونية.




هكذا واصلت دوينياس الكتابةَ الروائية في اتّجاهات أخرى؛ حيث أصدرت روايةَ “المهمّة نسيان” في العام 2012، ثم “التعفُّف” في 2015، و”بنات القائد” في 2018. ومن الجلي أنها احتفظت بإيقاع نشر رواية كلّ ثلاث سنوات، ربّما لاعتقادها بأنّه الزمن الكافي لإنتاج رواية ترضى عنها.


ثمّ، بعد ذلك، قرّرت الروائية الإسبانية أن تنطلق في استعادة بطلتها الأُولى، وقد يكون منطلق ذلك نابعاً من حياتها الشخصية؛ حيث إنّها قامت برحلة إلى طنجة التي حضرت في بعض حكايا الرواية الأولى، ولعلّها حدست بأنّ عودتها إلى الحديث عن المدينة المغربية – التي لطالما قالت إنّ لديها ألف رواية يمكن أن تكتبها عن سنواتها الذهبية – يقتضي عودة شخصية سيرا.


ويكتشف قارئ الرواية الجديدة أنّ شخصية سيرا تطوّرت وباتت أكثر نضجاً ممّا كانت عليه صانعةُ الفساتين والجاسوسة. إنها، بعبارات المؤلّفة نفسها، “امرأةٌ أكثر نضجاً وتبصُّراً وجلاءً، تعرف كيف تتحكّم في مسارات حياتها”، وقد أصبحَت أمّاً لطفل يتعيّن عليها تربيته وحدها.


ومن عالَم الخياطة والموضة في “الزمن بين مخيّطات”، تنتقل سيرا، وهي في الأربعينيات من عمرها، إلى الإذاعة والصحافة، دائمًا كذريعة للقيام بعملياتها ومهامها السرية. هكذا، تستعيد دوينياس أجواء “صوت لندن” وخدمات إذاعة “بي بي سي” البريطانية باللغة الإسبانية، والتي كانت تصل إلى إسبانيا وأميركا اللاتينية بأصوات العديد من المنفيّين الإسبان من قبل نظام فرانكو.


تُضيء الرواية على منفى الإسبان في إنكلترا زمنَ فرانكو


ومن خلال ذلك، تُضيء الرواية على المنفى المؤلم الذي عاشه الكثير من الإسبان في زمن الديكتاتورية، مشيرةً إلى أنّ المنفى الإسباني في المملكة المتّحدة كان على مستوى فكري عالٍ جدّاً؛ حيث أثّثته أسماء مثل بلويس ثيرنودا، وبابلو دي أثكاراتي، وسلفادور دي مادارياغا، وأرتورو باريا، ولويس بورتيو، والذين دفعتهم إكراهات الحياة إلى التعاوُن مع صُحف ومحطّات إذاعية.


كما تهتم الرواية بمجموعة من الأحداث التاريخية المعروفة مثل الهجوم على “فندق الملك داوود” في القدس، والصراع الذي حدث في السنوات الأخيرة من الإدارة البريطانية لفلسطين، قبل أن تنسحب وتترك للحركة الصهيونية العالمية الطريق مفتوحاً لتحقيق وعد بلفور المشؤوم، وأيضاً زيارة إيفا بيرون إلى إسبانيا، ومحاولة نظام فرانكو ربط علاقات مع العالَم، في وقت كانت بلادُه تئن تحت سياط مخلّفات الحرب والجوع والقمع.


وعلى غرار أعمالها الأُخرى، لم يكُن ممكناً أن تبقى نجاحات “سيرا” بعيدةً عن أعين المنتجين؛ فإضافةً إلى “الزمن بين مخيّطات”، جرى تحويل “التعفُّف” إلى مسلسل تلفزيوني منذ فترة قصيرة، ودخلت رواية “بنات القائد” في مرحلة كتابة السيناريو. ويبدو أنّ هناك من يطرق أبواب الرواية الجديدة أيضاً لتحويلها إلى عمل تلفزيوني.


لكن ماريا دوينياس، وخلال لقاءٍ لها مؤخّراً في “معهد ثيربانتس” بطنجة، أشارت إلى أنّه لا يزال من المبكر حسم هذا الأمر، مضيفةً أنّها ترغب في أن يستنفد الكتاب رحلته الطبيعية أوّلاً.


بقي أن نشير إلى أنَّ رواية “سيرا” تنتهي بنهاية مفتوحة. وحول ذلك قالت دوينياس في اللقاء نفسه: “إلى الآن، لا ندري، أنا وهي، أهُو مسك ختام أو محطّة نحو أفق آخر”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً