شغب جنوب أفريقيا يدق جرس الإنذار حول مخاطر كورونا

ترسل الاضطرابات العنيفة التي تعيشها دولة جنوب أفريقيا خلال الشهر الجاري وراح ضحيتها حتى يوم الأحد نحو 215 شخصاً وأدت إلى تخريب العديد من الممتلكات بسبب عمليات النهب والشغب، إشارة قوية إلى التداعيات الخطرة التي من الممكن أن تسببها الموجة الثالثة من جائحة كورونا على اقتصادات الدول النامية والفقيرة وانعكاساتها المدمرة على الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي.


وعلى الرغم من أن الغبن السياسي والاجتماعي والفوارق الطبقية المتراكمة منذ سنوات التمييز العنصري قد تكون من العوامل التي صبت المزيد من الزيت على تداعيات الجائحة التي رفعت من الفقر والبطالة والتدهور الصحي للأفراد والعائلات. ولكن الاضطرابات التي تزامنت مع الموجة الثالثة من جائحة كورونا أججت الوضع في جنوب أفريقيا أكثر.


وحسب تقديرات لمصرف “جي بي مورغان” الأميركي في تقرير يوم الجمعة الماضي، فإن هذه الفوضى العنيفة التي ضربت جنوب أفريقيا ربما تجبر الاقتصاد على الانكماش بنسبة 3% في الربع الثالث من العام الجاري. وفي ذات الشأن، وصفت نشرة “ستاندرد آند بورز ـ غلوبال” الأميركية في تقرير يوم الثلاثاء الاضطرابات وأحداث الشغب التي تشهدها جنوب أفريقيا في الوقت الراهن بأنها “الأسوأ منذ نهاية حكم التمييز العنصري في العام 1994”.


وكانت الحكومة الجنوب أفريقية تأمل في خروج الاقتصاد من الركود خلال الربع الثالث الجاري والنمو بنسبة 4.2%، ولكن وحسب تقديرات النشرة، فإن هذه الاضطرابات التي تتزامن مع الموجة الثالثة من جائحة كورونا، قد تقود إلى تراجع النمو الاقتصادي إلى أقل من 3%. وهو ما يعني أن الوضع الاقتصادي والمعيشي سيتدهور أكثر لمواطني البلاد ويفاقم من أزمة التعايش السلمي بين الطبقات الفقيرة والغنية في جنوب أفريقيا.


من جانبها، قدرت نشرة “إيكونومست إنتيليجنس يونت” البريطانية خسائر البلاد حتى نهاية الأسبوع الماضي بنحو 10 مليارات راند، أي نحو 680 مليون دولار. وكان مصرف “دويتشه بنك” الألماني قد ذكر في تقرير حديث، أن هذه الاضطرابات وما تبعها من عمليات شغب وتخريب ستخفض معدل النمو الاقتصادي لجنوب أفريقيا بنحو 0.8% خلال العام الجاري.


وهذه التقديرات تبدو متواضعة حينما يُزال اللثام عن الخسائر الفعلية للمنشآت العامة والأسواق بعد توقف الشغب تماماً والسيطرة على الشارع من قبل السلطات الحكومية.




من جانبها، خفضت وكالة موديز العالمية للخدمات المالية التصنيف الائتماني لسندات الدين الصادرة عن كل من بلديات جوهانسبرغ وكيب تاون والعديد من بلديات المدن الصغرى التي شهدت أحداث احتجاجات عنيفة.


وتقتل الاضطرابات التي تتفاعل مع متحور دلتا، السياحة التي كانت من المصادر المهمة للعملات الصعبة إلى جانب المعادن والتي درت على البلاد نحو 24.6 مليار دولار في العام 2019 الذي سبق تفشي فيروس كورونا.


وعلى الرغم من أن شرارة الاضطرابات أطلقها الصراع حول النفوذ السياسي داخل حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” بعد اعتقال الحكومة الحالية رئيس البلاد السابق جاكوب زوما، إلا أن تداعيات جائحة كورونا الاقتصادية وما سببته من زيادة معدل الفقر وخسارة في الوظائف فاقمت الاضطرابات في جنوب أفريقيا التي تعاني من هشاشة النسيج الاجتماعي منذ خروجها من حكم التمييز العنصري في العام 1994.


وتعاني جنوب أفريقيا البالغ عدد سكانها نحو 60 مليون نسمة من نقص مريع في جرعات التطعيم من فيروس كوفيد 19، إذ إن نسبة التطعيم لم تتجاوز 2.8% فقط.


وحسب تقرير البنك الدولي الصادر في يونيو/ حزيران الماضي، فإن تداعيات جائحة كورونا أدت إلى انكماش الاقتصاد الجنوب أفريقي بنسبة 7% في العام 2020. ويقدر البنك أن تقود الجائحة إلى زيادة الفقراء في جنوب أفريقيا بنحو مليوني شخص خلال العام الجاري، حيث ارتفعت نسبة البطالة وسط الشباب بين سن 15 و24 سنة إلى 63%، وهي من أعلى المعدلات في العالم.


ومن المتوقع أن يتواصل الانكماش الاقتصادي وخسارة الوظائف بمعدلات كبيرة خلال العام الجاري. ومن بين عدد القوى العاملة في جنوب أفريقيا التي يقدرها معهد بروكنغز للدراسات في واشنطن بنحو 40 مليونا هنالك نحو 15 مليونا فقط منهم يشغلون وظائف تدر عليهم دخلاً ثابتاً، ويعمل من بين هؤلاء ثلاثة ملايين في القطاعات الحكومية حسب تقرير المعهد الأميركي.


ويلاحظ خبراء أن جنوب أفريقيا استفادت في النصف الأول من العام من ارتفاع أسعار السلع الأولية حينما ارتفعت أسعار المعادن التي تعد البلاد من كبار مصدريها في العالم، إلا أن فاتورة النفط ومشتقاته المرتفعة امتصت معظم هذه العوائد، إذ إن جنوب أفريقيا مستورد صافٍ للنفط والوقود.


ولدى البلاد قطاع تقنية يعد الأكبر في أفريقيا، إذ توجد في جنوب أفريقيا نحو 450 شركة تقنية توظف نحو 40 ألف شخص بلغ حجم الاستثمارات في شركات التقنية والبرمجيات نحو 88 مليون دولار في العام 2020 وفق تقديرات معهد بروكنغز.




وتأمل جنوب أفريقيا أن تصبح مركزاً للتقنية والمعلومات في أفريقيا، وبالتالي تتمكن من جذب الاستثمارات الغربية وتنشئ تحالفات مع عمالقة التكنولوجيا في العالم. ولكن في أعقاب هذه الأحداث، ربما لن يكون مثل هذا الحلم سهل التحقق خلال السنوات القريبة.


وعلى الرغم من الوضع الاستثنائي لجنوب أفريقيا من حيث التركيبة السكانية والتباين الطبقي الشديد والعنصرية، إلا أن الموجة الثالثة من كورونا، ربما تطلق موجات فقر وطبقية وتثير النعرات في العديد من دول العالم النامي خلال السنوات المقبلة وفق توقعات محللين.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً