صحراء كريمي: جرأة مواضيع مقابل ضُعف اشتغال

بجرأة تُحسَب لها، طرحت المخرجة الأفغانية صحراء كريمي (1983)، في فيلمها الروائي الأول “حواء، مريم، عائشة”، قضايا شائكة تعانيها المرأة في المجتمع الأفغاني. صحيحٌ أنّ القضايا مطروقة إلى حدّ كبير في السينما العالمية، وفي غيرها من سينمات المنطقة، حيث تسود الهيمنة الذكورية، لكن طرح المختصّ بها في المجتمع الأفغاني، من مخرجة شابة، فيه جرأة وتحدّ كبيران، وإنْ من دون توغّل كثير في نقد ثقافة المجتمع، وتعامله الخاطئ مع المرأة.

نشأت صحراء كريمي في طهران، حيث كانت تعيش مع والديها كلاجئة. درست السينما في سلوفاكيا، وحصلت على درجة الدكتوراه، فإذا بها تُصبح أول مُخرجة أفغانية شابّة تحملها. تنتمي إلى جيل جديد في أفغانستان، يسعى إلى التحرّر من قبضة الهيمنة الأبوية، والانعتاق من البنية الذكورية والانغلاق التي عاش فيها المجتمع الأفغاني عقوداً طويلة. لها أفلامٌ قصيرة عديدة، بالإضافة إلى فيلمين وثائقيين. إلى الإخراج، هي الآن رئيسة مؤسسة السينما، التي تشرف الدولة الأفغانية عليها وتموّلها، وسفيرة للـ”يونيسيف”.

يُحسَب لكريمي اهتمامها الصادق بقضايا المرأة في بلدها، وتصدّيها الجريء، في فيلمها هذا، لقضايا شائكة عن مصائر النساء وأقدارهنّ وأدوارهنّ، في مجتمع منغلق ومتشدّد ومتطرّف. كما أنّه من الجيّد مواجهة المجتمع الأفغاني وجمهور السينما هناك، لا سيما الذكور، بمثالب كتلك المطروحة في “حواء، مريم، عائشة”، كمحاولة لتغيير عادات وسلوكيات جائرة بأبسط حقوق للمرأة. في الفيلم، لا تناقش كريمي قضايا ضخمة، كحرية المرأة مثلاً. لكن، في الوقت نفسه، هناك توجّه إلى إدانة مباشرة وصريحة، بتحدّ، لسلوكيات الرجل الأفغاني.

رغم نُبل الهدف وسهولة الخطاب، ابتعد الفيلم كثيراً عن فنّيات سينمائية. فيه ضعف وارتباك وتعثّر، وفقر في الخيال تسهل ملاحظته. صحيحٌ أنّه العمل الأول، بكل ما يحمله العمل الأول من مشاكل، لكن كان يُمكن تلافي عيوبٍ كثيرة. أما ضعف التمويل، وكون العمل “فيلماً مستقلاً” في السينما الأفغانية، وتصويره حاصلٌ في كابول في فترات قليلة، وفي ظلّ مخاطر جمّة، فهذا لا يشفع لعيوب التمثيل وإدارة الممثلين، وخصوصاً كتابة السيناريو وحواراتٍ كثيرة.

يتجنّب السيناريو (كريمي مع سامي حسيب نبيزادا) المباشرة والخطابية والوعظ. لكن، هناك تقليدية ونمطية، وانتفاء للتشويق، وتعقيدٌ للحبكة، وتصاعدٌ في الأحداث، وتطوّرٌ للشخصيات. إلى أخطاء لافتة للانتباه، يبدو أنّه لم يُفكَّر بها جيداً، أو يصعب تداركها، خصوصاً مع اكتمال الفيلم. فالسيناريو يعتمد بنيةً باتت تقليدية الآن في السينما، تتعلّق بتقنية القصص المتصلة ـ المنفصلة. من العنوان، يظهر أنّ هناك 3 قصص لـ3 نساء (حواء ومريم وعائشة)، تُسرد قصّة كل واحدة منهنّ في 25 دقيقة تقريباً. الفتيات الثلاث يعشن في كابول، وتنتمي كلّ واحدة منهنّ إلى بيئة مختلفة، اجتماعياً وثقافياً ومادياً، وإلى مراحل عمرية متباينة. وفقاً لسياق القصص، يتبيّن أنّهن لا يعرفن بعضهن البعض، رغم اشتراكهن في المصاعب والآلام ومعاناة الوحدة، والاعتماد على الذات في كلّ شيء تقريباً.

حواء (أريزو أريابور)، ربّة منزل بسيطة، في أواخر العشرينيات من عمرها. حُبلى، وموعد الولادة قريب. تخدم زوجها ووالديه بإخلاص. الأكثر إزعاجاً هو العجوز المُتطلب (حنيف نظمي)، والد زوجها. طول الوقت، تتفانى في أداء واجباتها المنزلية الشاقّة، رغم صعوبة هذا بسبب حملها، لكن لا أحد يكترث. تعتمد على نفسها في كلّ شيء. أحياناً، تطلب مساعدة الصبي أكبر (مُدثر أميري)، أحد الأبناء الذكور للجارة الأرملة بلقيس (صابرة سادات). ذات يوم، يُخبرها زوجها نصير (حليم أزمان)، هاتفياً، بأنّه دعا أصدقاء له إلى وليمة مسائية، ما أضاف أعباءً جديدة عليها، لكنها تمتثل لأوامره بصدق وحب. والداه وهو يتعاملون معها كخادمة لا كإنسانة. لا ينتبه نصير لشكوى حواء من متاعب الحمل، وإلحاحها عليه للذهاب إلى الطبيبة. عندما تسقط لاحقاً عن السلم الخشبي المتهالك، وتقع على أرضية الفناء الخرساني، تخشى على الجنين، فتذهب بمفردها إلى الطبيبة.

على شاشة التلفاز، تظهر حواء، المذيعة المشهورة والجميلة مريم (فيريشتا أفشار). هنا يكون الربط مع مريم: في منتصف الثلاثينيات، يبدو على حواء الثراء والانتماء الاجتماعي ـ الثقافي المختلف. سريعاً، تظهر متاعب مريم كمذيعة، بسبب ثقافتها وجمالها وتحدّثها لغات عديدة، إذْ يُلحّ مديرها عليها، بتهديد موارب، لتكون “موديل” في حملة ترويجية لماركة سيارات.
يتمحور الجزء الأكبر من هذا القسم حول الحياة الخاصة لمريم. في حوار هاتفي فردي طويل، يظهر أنّها متزوّجة منذ 7 أعوام، مليئة بأكاذيب وخداع وخيانة. لا تستطيع مواصلة حياتها مع زوجها، الذي يُلح عليها بشدّة، مستعيناً بكافة الوسائل، للحصول على فرصة جديدة. تحاول التملّص من ضغوطه، ووضع حدّ لمطالبه، ولحياتها معه. للقسم هذا نهاية ميلودرامية: تكتشف مريم أنّها حامل، فتزور الطبيبة نفسها.

ميلودرامية نهاية قصّة مريم تُشكّل نواة قسم عائشة (حسيبة إبراهيمي)، ما يؤكّد أنّ الخيط الدرامي الرابط بين القصص الثلاث كامنٌ في الحمل. عائشة (18 عاماً)، ابنة الأرملة بلقيس، والأخت الكبرى لأكبر، جيران حواء. هذا نوع آخر من الربط شبه السردي ـ البصري مع القسم الأول. عائشة المُراهقة مرتبكة بعلاقة مع شاب أفقدها عذريّتها، ثم تنصّل منها ومما حدث. والدتها تريد تزويجها من ابن عمها سليمان (فيصل نوري). المشكلة أنها بحاجة إلى 90 ألف أفغاني (عملة أفغانستان) لإجراء عملية ترقيع غشاء البكارة. بفضل مساعدات عديدة، تجمع جزءاً كبيراً من المبلغ، ثم تزور الطبيبة، التي تلتقي النساء الثلاث في عيادتها.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً