"صفر كوفيد" في الإعلام الصيني: أرواحكم فداء الأيديولوجيا

على الرغم من مرور أكثر من عامين على انتهاء الصين من استراتيجيا “صفر كوفيد” للتصدي لفيروس كورونا، فإن البلاد لا تزال تعاني من ظهور بؤر جديدة للوباء في مدن ومناطق مختلفة، لعل أبرزها شنغهاي التي تعتبر المركز التجاري والمالي في البر الرئيسي الصيني، وشينزن حاضنة أكبر الشركات التكنولوجية الصينية، وأخيراً العاصمة بكين التي لا تزال تخضع للإغلاق منذ أواخر إبريل/نيسان الماضي، الأمر الذي طرح تساؤلات حول نجاعة هذه الاستراتيجيا وسبب تمسك السلطات بها.


كانت السلطات الصينية قد بدأت بتطبيق استراتيجيا “صفر كوفيد” بعد ظهور فيروس كورونا لأول مرة في مدينة ووهان أواخر عام 2019، وانتشاره في أرجاء البلاد. يعتمد هذا النهج على مجموعة إجراءات صارمة، تشمل عمليات إغلاق جزئية وكلية للمناطق الموبوءة، بالإضافة إلى فرض حجر صحي في منشآت عزل خاصة، وإخضاع المواطنين لاختبارات الحمض النووي المتكررة يومياً، ومراقبة تحركاتهم باستخدام تطبيقات إلكترونية إلزامية عبر هواتفهم المحمولة.


خلال الأسابيع الماضية، انتشرت مقاطع فيديو قصيرة في مواقع التواصل الصينية، تظهر مدى محنة السكان الذين يخضعون للحجر، وبرزت شكاوى من نقص المواد الغذائية وعمليات النقل القسري من المنازل إلى منشآت العزل، ومن قيام السلطات بحرق الحيوانات الأليفة خوفاً من انتشار العدوى، ومن فصل العائلات عن بعضها من دون اعتبار إلى وجود حالات إنسانية تستدعي الرعاية. وهو ما ولد شعوراً متزايداً لدى السكان بالإحباط والخوف من المجهول والثمن الذي يتوجب عليهم دفعه من أجل إنجاح استراتيجيا الحكومة.


في غضون ذلك، حذفت سلطات الرقابة على الإنترنت التعليقات التي تنتقد سياسة “صفر كوفيد”، بينما صدرت تعليمات لوسائل الإعلام الحكومية بالإبلاغ عن جوانبها الإيجابية فقط.


حملة إعلامية تعتمد على تشويه سمعة الغرب باعتباره مصدّر فيروس كورونا إلى البلاد لغاية سياسية


مع ارتفاع صوت المعارضة الشعبية بسبب استمرار عمليات الإغلاق المكثفة والاختبارات الجماعية وضوابط المراقبة القمعية، لجأت الحكومة الصينية أخيراً إلى الإعلام في إعادة تعريف الأزمة التي يمثلها فيروس كورونا، عبر حملة تثقيفية ودعائية منظمة، تهدف إلى تشكيل رأي عام يتوافق مع توجهات وتطلعات الحزب الشيوعي الصيني.


واعتمدت هذه الحملة على تشويه سمعة الغرب باعتباره مصدّر فيروس كورونا إلى البلاد لغاية سياسية، وبدا ذلك واضحاً من خلال تركيز وسائل الإعلام مراراً على أن سبب ظهور بؤر جديدة في شنغهاي وبكين هو طرود البريد الدولية والأغذية المجمدة المستوردة. وفي ما يتعلق بنهج “صفر كوفيد”، لم تتوان الصحف الرسمية عن نشر تقارير تطرح الاستراتيجيا الصينية باعتبارها أفضل نهج لمحاربة الفيروس وحماية الأطفال وكبار السن، وتقول إن خيار التعايش مع الوباء على الطريقة الغربية قد يؤدي إلى كارثة، بل أكثر من ذلك، تشير إلى أن المفاضلة بين “صفر كوفيد” وخيار التعايش تمثل صراعاً بين الشيوعية والإمبريالية، وبالتالي ينظر إلى أي تراجع صيني على أنه رضوخ للضغوط الغربية.


في 11 إبريل، نشرت صحيفة غلوبال تايمز الحكومية، في افتتاحيتها، مقالاً عنوانه “استراتيجيا صفر كوفيد، السبيل الوحيد للخروج من الوضع المعقد الراهن”، قالت فيه إن “التجربة والممارسة تثبتان مراراً وتكراراً أن مفتاح الفوز في المعركة ضد الوباء هو الالتزام بسياسة صفر كوفيد من دون تردد، وتنفيذ الإرشادات الحكومية بثبات تام”، ولفتت إلى أنّ محاولات تصوير متحور أوميكرون كأنّه إنفلونزا شديدة، وتسويق نجاحات دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا في التعايش بنجاح مع الفيروس واعتبار ذلك انتصاراً لـ”مناعة القطيع” في الغرب، هي “مجرد حجج لا أساس لها من الصحة أخلاقياً وعلمياً”.


لجأ الإعلام الرسمي إلى إثارة المشاعر القومية لدى الصينيين من أجل صرف الانتباه عن الانتقادات المحلية


كما نشرت صحيفة الشعب اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، في 17 مايو/أيار الحالي، مقالاً عنوانه “التقدم الذي تحقق بشق الأنفس بفضل استراتيجيا صفر كوفيد يجب ألا يضيع هباءً”، دعت فيه الشعب إلى التمسك بنهج الدولة ورفض أي ميل للتخلي عن الحذر، وعدم الاستسلام للإرهاق في معركة مكافحة الوباء الطويلة، وقالت إنه ما دامت القرارات والخطط التي اتخذتها السلطات المركزية تُنفذ بحزم، إلى جانب إعطاء دور كامل للقوى المؤسسية الملتزمة بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية، فإنّ الصين ستفوز بالتأكيد في معركتها ضد الوباء.


ما تقدم يعكس لجوء الإعلام الرسمي إلى إثارة المشاعر القومية لدى الصينيين من أجل صرف الانتباه الانتقادات المحلية ومحاولة تعزيز شرعية السياسة التي تنتهجها الدولة في مواجهة الوباء، ويسلط الضوء على توجيه الأذرع الإعلامية من أجل هذا الغرض، وكأن الغاية من استراتيجيا صفر كوفيد هي إثبات مزايا الأيديولوجية الحزبية لا إنقاذ أرواح المواطنين.


في تعليقه على هذا الأمر، قال أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تايبيه الوطنية غوان مينغ، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “وسائل الإعلام الصينية تستند في دفاعها عن استراتيجيا صفر كوفيد إلى حقيقة أن هدفها المعلن هو إنقاذ أرواح السكان، وتحديداً أولئك الذين لم يتلقوا اللقاح من فئتي كبار السن والأطفال، وعادة ما تظهر الفرق الكبير بين أعداد الوفيات في الولايات المتحدة والصين، ولكن في المقابل، هناك مزيد من الأشخاص غير المصابين بالفيروس، لاسيما المسنين، ماتوا بطرق أخرى عدة، لأن القيود التي فرضتها الحكومة حالت دون قدرتهم على الوصول إلى المستشفيات ومراكز الأدوية”. وأضاف أن الإشادة المستمرة بمحافظة الصين على معدلات إصابة ووفيات منخفضة خلال الجائحة، مقارنة بدول أخرى، “ليست منطقية، لأنه ببساطة لا يمكن الوثوق بالبيانات الصادرة عن الدوائر الصحية التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي”، معتبراً أن بكين لم تتمتع بالشفافية خلال الفترة الماضية بشأن الأرقام الحقيقية لأعداد الوفيات والمصابين في البلاد.




وقال غوان مينغ إن “الاحتجاجات الشعبية التي تغيب عن شاشات الإعلام الرسمي، لم تطالب الحكومة برفع القيود بشكل كامل، لكنها ترغب في أن ترى تعديلاً في استراتيجيا الدولة يأخذ في عين الاعتبار ظروف الناس المعيشية والإنسانية”، وأضاف أن “ذلك يبدو مستحيلاً، على اعتبار أن تمسك القيادة باستراتيجيا صفر كوفيد يُظهر القوة المؤسساتية للحزب الشيوعي الصيني، وهو أمر بالغ الأهمية في سلم الأولويات مقارنة بامتعاض السكان وتعريض حياتهم للخطر”.


يذكر أنّ تفشي المرض في بكين وشنغهاي أثار شكوكاً بشأن ما إذا كان بإمكان الصين الحفاظ على نهجها الصارم “صفر كوفيد”، خاصة مع ظهور المتحور أوميكرون سريع الانتشار. وأعلنت لجنة الصحة الوطنية، الثلاثاء، أن الصين سجلت 1100 حالة إصابة جديدة الإثنين، من بينها نحو 800 في شنغهاي و52 في بكين. وانخفض عدد الاصابات اليومية الجديدة في شنغهاي بشكل مستمر لأكثر من أسبوعين، لكن السلطات تحركت ببطء لتخفيف القيود، ما أصاب السكان بالإحباط. وفي بكين ظل عدد حالات الإصابة ثابتاً، مع ظهور إصابات جديدة في مناطق مختلفة من المدينة. 




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً