صوت جديد: مع مصعب أبو توهة

تقف هذه الزاوية من خلال أسئلة سريعة مع صوت جديد في الكتابة العربية، في محاولة لتبيّن ملامح وانشغالات الجيل العربي الجديد من الكتّاب. “أتأمّل التفاصيل اليومية دون تهميش ما تكتنفه من معاناة”، يقول الشاعر الفلسطيني لـ”العربي الجديد”.

 


■ كيف تفهم الكتابة الجديدة؟

يعتمد فهمنا للكتابة الجديدة على الزاوية التي ننظر من خلالها إليها. من حيث الزمان، تطوّرت الكتابة بشكل هائل، يتمثّل ذلك في مرونة الأنواع الأدبية، خاصّةً حقل الشعر، ليس من حيث عمود الشعر فحسب، بل لناحية تداخل الأجناس الأدبية. فيمكننا أن نجد نصاً شعرياً يتضمّن اقتباساً من وثيقة سياسية أو سطراً من رواية، قبل أن تستكمل القصيدة انسيابها نحو النهاية.

زاوية أُخرى هي الثيمات المتناولة في الكتابة الحديثة، ففي هذا العصر بالذات، طرأت العديد من التغيّرات في العالم، سواء سياسية، أو ثقافية، أو اجتماعية. كفلسطيني يعيش في غزّة ولا يشعر بالأمان سواء خلال الحرب واللاحرب، أشعر دوماً بنوع طافح من statelessness، وهو الشعور المتولّد عن عدم وجود وطن محدَّد المعالم. لا أتكلّم عن الهوية، فهي مفهوم فضفاض يمكن أن ينكمش ويتمدّد حسب حياة الشخص وعلاقته بموروثه الوطني والاجتماعي، وإنما عن شعور أنه لا يوجد مكان تشعر فيه بالاطمئنان، بوجود مكان يمكن أن تعود إليه أو تغادره عندما ترغب.

هذان المحدّدان لهما دور كبير في فهمنا للكتابة الجديدة. نحن من يحدّد شكل هذه الكتابة، طبعاً بما يتناسب مع حاجاتنا الإبداعية.


■ هل تشعر نفسك جزءاً من جيل أدبي له ملامحه وما هي هذه الملامح؟

أعتقد أنه، بسبب غياب المجلّات الأدبية في غزّة وانقطاع الأخيرة عن الضفّة جغرافياً وإلى حدٍ كبير سياسياً (طبعاً لن أتكلّم عن مدن 48 أو الوطن العربي)، على الأقل منذ بداية هذه الألفية، يصعب الحديث عن جيل أدبي بالمعنى المتداوَل. يمكن الحديث عن جيل أدبي مؤثّر سابقاً عليّ كشاعر شاب… شعراء غالباً تعرّضنا لهم ولنصوصهم خلال الدراسة الأساسية والثانوية. على هذه المستوى، تتّسع الدائرة الجغرافية لتصل إلى الغرب. محلّياً، لا أعتقد أن بإمكاننا الانسلاخ عن الجيل الأدبي السابق لنا، خاصة شعراء الداخل المحتلّ، رغم اختلاف سياق صراعهم مع الاحتلال إلى حدّ ما مقارنة بغزّة والضفّة. ملامح هذا الجيل، كما جيلنا، هي الالتحام مع الواقع اليومي من حصار وتشريد وقتل وسجن. لكن ما أركّز عليه كشاعر هو التأمّل في الطبيعة والتفاصيل اليومية دون تهميش ما يكتنف جميع ذلك من معاناة. ليس بالضرورة عن قصد، وإنما هذا هو الواقع الذي أعيش فيه أو ما أرغب في أن أكون جزءاً منه.


■ كيف هي علاقتك مع الأجيال السابقة؟

من الصعب عدم التأثّر بالجيل السابق، بنفس الدرجة التي يصعب فيها الهروب من تأثير الأبوين على شخصيتنا. أضف إلى ذلك الموروث الثقافي، سواء كان دينياً أو خيالياً. لكن من المهم أن نصل إلى مرحلة نختار فيها أسلوبنا الخاص ومفرداتنا وصورنا الفريدة. إحدى العبارات التي أتّخذها شعاراً: “كن استثنائياً لتخلقَ سائدك”.


أتناول الكتاب كما أتناول كأس الشاي وأقرأ مثل مارك توين


■ كيف تصف علاقتك مع البيئة الثقافية في بلدك؟

إلى نوعٍ ما سطحية، ربما لأنه ليس هناك شيء يجذبني نحوها بقوّة. أحتفظ بعلاقة جيّدة مع عدد قليل من الكتّاب في غزّة، نتبادل من خلالها قراءتنا لبعض المواضيع أو نصوصنا الخاصّة، لكن للأسف قد ينقطع الاتصال لشهور، بالتأكيد لظروف خارجة عن سيطرتنا، لكن المشكلة هي عدم وجود جسم ثقافي يجسر الهوة المتأصلة منذ زمن طويل على الساحة الثقافية في غزّة. ربما تجربتي الأدبية في أمريكا أظهرت لي الكثير الكثير من الفجوات في البيئة الثقافية في بلدي، خاصة في غزّة.


■ كيف صدر كتابك الأول وكم كان عمرك؟

صدر كتابي الأوّل في السابع والعشرين من الشهر الماضي، وهو ديوان باللغة الإنكليزية صادر عن “دار سيتي لايتس” الأميركية. أبلغ من العمر تسعة وعشرين عاماً.


■ أين تنشر؟

أكتب باللغتين العربية والإنكليزية ويمكنني القول إنّ انتاجي في لغةٍ منهما لا يقل عنه في الأُخرى. نشرتُ قصائدي باللغة العربية في صفحات “العربي الجديد” الثقافية، والملحق الثقافي لصحيفة “الأيام”، ومجلّة “الجديد”. وفي “العربي الجديد” أيضاً نشرتُ باكورة أعمالي القصصية القصيرة.

أمّا باللغة الإنكليزية فقد نشرت قصائدي في مجلات عديدة منها المجلة الرائدة عالميا في مجال الشعر “مجلّة شعر” ومجلّات أخرى من بينها: The Nation, Banipal, Peripheries, Solstice, Critical Muslim.

مؤخّراً نشرت لي “أكاديمية الشعراء الأميركيّين” قصيدة ضمن سلسلة Poem-a-Day التي تنشر قصيدةً كل يوم لشعراء على مستوى العالم.


■ كيف تقرأ وكيف تصف علاقتك مع القراءة: منهجية، مخططة، عفوية، عشوائية؟

القراءة مكوّن أساسي من حياتي اليومية. أتناول الكتاب كما أتناول كأس الشاي، والذي إذا انقطعتُ عنه ليومين أشعر بالصداع. أضع لنفسي وقتاً كلّ يوم للقراءة، وربما أقتطع منه جزءاً للكتابة. أُفضّل القراءة وأنا مستلقٍ على الفراش. ربما مثل مارك توين.


تجربتي في أميركا أظهرت لي فجوات كثيرة في بيئتنا الثقافية


■ هل تقرأ بلغة أخرى إلى جانب العربية؟

اللغة الإنكليزية بالطبع.


■ كيف تنظر إلى الترجمة وهل لديك رغبة في أن تُتَرَجم أعمالُك؟

الترجمة هي شاشة العرض التي يتعرّف فيها الإنسان على الآخر ويرتقي بإنسانيته. بالترجمة يتعرّف القارئ كم هو مختلف عن – ولكن يشبه – الكاتب الذي يعيش في نصف العالم الآخر.

أمّا الترجمة كمهمّة يقوم بها الكاتب، أقصد أن يكون المترجم شاعراً أو روائياً، فهي تمرين يؤتي ثماراً متلألئة، علاوة على استكشاف مفردات وتعابير جديدة.

وبما أنني أكتب باللغتين الإنكليزية والعربية، بالطبع أحب أن أرى أعمالي بلغات أُخرى وتصل إلى قرّاء جدد.


■ ماذا تكتب الآن وما هو إصدارك القادم؟

أتطلع إلى إصدار ديواني الأول باللغة العربية، وكذلك أعمل على إنجاز عمل آخر باللغة الإنكليزية يختلف عن المنشور حديثاً.



بطاقة

شاعر وكاتب فلسطيني من مواليد غزّة عام 1992، يكتب باللّغتين العربية والإنكليزية. أسّس عام 2017 “مكتبة إدوارد سعيد العامّة” في غزّة. نشر قصائده في مجلّات شعرية متخصّصة، وكان شاعراً زائراً في قسم الأدب المقارن بـ”جامعة هارفارد” الأميركية بين عامَيْ 2019 و2020. صدرت مجموعته الشعرية الأولى بالإنكليزية مؤخّراً عن دار نشر City Lights في سان فرنسيسكو بعنوان “أشياء قد تجدها مخبّأةً في أُذني”، وتتناول قصائدها الحياة في غزة تحت الاحتلال والحصار، وطفولة الشاعر في المخيّم وعلاقته بجدّه ومدينة يافا التي هُجّرت منها عائلته. بحسب “نيويورك تايمز”، فالشاعر “يقارن خلال ديوانه الأول البارع بين مشاهد من العنف السياسي وجمال الطبيعة من حوله”، بينما تكتب نعومي شهاب ناي على غلاف المجموعة الخلفي: “قصائد مصعب تحطّم قلبي وتوقظه في الوقت نفسه. أشعر أنني كنت أنتظر عمله طوال حياتي”. 






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً