ضرورة العودة إلى "النقاء"

يحتاج المرء، من حين إلى آخر، إلى العودة إلى البدايات، من أجل فهم كيفية وصوله إلى المرحلة الحالية، في حال لم تكن كما كان يشتهي. “النقاء” أساس كل شيء، فحين يتصادم العشاق أو الأصدقاء، يستعيدون لحظة لقائهم الأول الذي أفسح المجال أمام علاقةٍ زمنية طويلة. في العودة بالذكريات إلى الأسس، يسترجع هؤلاء، في إطار “النقاء”، الروحية الإيجابية لمعالجة الترسّبات السلبية ولتصحيح المسار، ولتحفيز ما مات في الدواخل، وإعادة إحياء الحماس الذاتيّ. هذا على مستوى الأفراد. أما على مستوى المجتمعات، فإن الفردانية المطلقة، خارج السياقات المجتمعية الناظمة، تُشكّل انتصاراً لأنانية فردية على حساب أنانية مجتمعية. الأنانية الفردية، وإن عُلّلت بغريزة “البقاء على قيد الحياة”، مدمّرة لديمومة الحياة، عكس ما يظنّ الفرد الأناني. هكذا علّمنا التاريخ، في إطار رسمه حتمياتٍ نابعةً من السلوك البشريّ. أما الأنانية المجتمعية، المكلّلة بجملة قوانين تتطوّر تباعاً، خارج إطار الجماد، فتبقى الأفضل لحماية المجتمعات، وتالياً البشرية، حتى إشعار آخر. لكن جماد القوانين، وانعزاليتها، يسمحان بالفناء الذاتي للمجتمعات، بصورة أقرب إلى انقراضٍ تكرّر مراراً عبر التاريخ. هنا، يُصبح الزمن وحده العنصر الأبقى في صياغة هذه التحولات، مشاركاً فيها، لا شاهداً عليها. وبالتالي، يصبح الفرد والمجتمع أسيرَي الفوضى التي ستفرض عليهما شروطها.


غير أن البحث عن النقاء ليس سهلاً، ويزداد صعوبة يوماً بعد يوم، خصوصاً إذا تأخرنا في البحث عنه، بحجج عدة، بدءاً من “ضيق الوقت”، مروراً بتوجيه الحديث إلى أنفسنا عبر القول: “حتى لو عدنا، فلا يمكننا فعل شيء”، وصولاً إلى “لقد انتهى الأمر، والعودة مستحيلة”. في هذا النوع من التبريرات، يتكرّس الإحباط الذاتيّ، منتجاً سلسلةً لامتناهية من التحوّلات السلبية التي تصل، في نهاية المطاف، إلى نهايةٍ قبيحة، تنفجر بعشوائية غير محسوبة، لكنها ستُفرز بدورها بداية جديدة غير مُخطط لها.


في المجتمعات العربية نحتاج إلى فهم “النقاء” بحدّ ذاته، ثم البناء عليه. لا يُمكن لنا البقاء في حالة فوضوية إلى الأبد، لأنها ستُنجب بدايات غير واضحة المعالم، ستُفضي بدورها إلى فوضى، وهكذا دواليك. الأمر شبيه بتتالي الديكتاتوريين في الأنظمة القمعية أو في ترسيخ نظام حديديّ لا يقبل شريكاً له. “النقاء” ضرورة، وأولوية تبدأ من فهم حاجاتنا الأساسية والسعي من أجلها. الهدف بسيط على الرغم من كثافته وإفرازاته وتداعياته.


أهم ما في حالة “النقاء” ضرورة تركه على حريّته من دون حدود، فكلما اتّسع نطاق حرية التفكير بات المجتمع أكثر تصالحاً مع جميع مكوّناته. في المقابل، لن يؤدي قمع التفكير سوى إلى تأجيج القدر قبل انفجاره. صحيحٌ أن بعضهم ينظر إلى نظام قمعي أو فرد قمعي بمقياس زمني محدّد، ويعتبر أن التغيير لن يحصل في حياته، مهما ساهم في استيلاد “النقاء”. ويمكن لهذا البعض الاستعانة بأنظمة قمعية دامت وتدوم طويلاً، وحتى أكثر من دورة الحياة لإنسان ما، لتأييد حججه، غير أنه، في المقابل، على الفرد والمجتمع إدراك حقيقة أساسية: إن التغيير الصعب في الماضي، بسبب غياب الإعلام والتعليم والتوعية، هو ما أدّى نسبياً إلى استمرار الأنظمة القمعية فترة طويلة. بالتالي، يسمح التحول إلى “قرية كونية” باستعجال التغيير، وإن كانت مساحته الزمنية واسعة نسبياً، ويسمح أيضاً بسهولة استنباط أدوات المواجهة في كل ساحات المعارك الفكرية والافتراضية. هنا يمكن الحديث عن “نقاء” موجود حتى، بدلاً من الحاجة إلى استيلاده. الجميع يتعلّم من تجارب الجميع، بل يطوّرها. الأمر أشبه بخوارزميةٍ انطلقت ببطء ككرة ثلج، ثم باتت أكبر من أن يسعها العالم أو حتى أنماط التفكير التقليدي. ومتى عرفنا “النقاء” لن يعود بإمكان أي أحد إيقاف أي أنانية مجتمع حامية للفرد. وعليه، سيحتاج التقليديون إلى توسيع مداركهم لفهم كيفية تطور الحياة لا جمادها.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً