"طالبان" من التأسيس حتى العودة للحكم

منذ ديسمبر/كانون الأول 2001، تاريخ سقوط حكم “طالبان” في أفغانستان وفرار قادتها إلى المناطق القبلية الجبلية وباكستان، إلى 7 سبتمبر/أيلول 2021، تاريخ إعلان الحركة عن حكومة تصريف أعمال لإدارة البلاد بعد سيطرتها على كابول في 15 أغسطس/آب الماضي ثم حسم المعركة ضد المقاومة في بانشير، إثر انسحاب القوات الأجنبية من البلاد، 20 عاماً من التحوّلات التي سمحت لـ”طالبان” بالعودة إلى سدّة الحكم، مترافقة مع الكثير من المخاوف على الحريات والحقوق في البلاد. أسئلة كثيرة تُطرح عن كيفية صمود الحركة خلال السنوات العشرين الماضية، ضد الاستهداف من قوات حلف شمال الأطلسي، وخصوصاً الأميركية، وهجمات القوات الحكومية، إضافة إلى نجاحها في الحفاظ على وحدتها، والحصول على دعم من بعض القبائل، مقابل انهيار الكثير من خصومها. فمن هي هذه الحركة التي صعدت إلى الحكم منذ 1996، ثم عادت إلى السلطة اليوم؟ هذه قراءة في تاريخ الحركة وصعودها اليوم.

التأسيس

في خضم الحرب الأهلية بين الأحزاب الجهادية ضد الروس والويلات الناجمة عنها، ظهرت حركة “طالبان” في ولاية قندهار المحاذية لباكستان عام 1994 على يد عالم الدين غير المشهور في الأوساط الأفغانية، الملا عمر مجاهد. كان الهدف في البداية كما حكى عنه الملا عمر نفسه في أول كلمة له في قندهار، هو القضاء على الفساد الأخلاقي والاجتماعي وإقرار الأمن والسلام في قندهار، ومن أجل ذلك كان من الضروي القضاء على القادة الميدانيين المنتمين للأحزاب الجهادية.


كان لدخول القوات الأميركية والدولية أفغانستان تأثير كبير على “طالبان”


بعد السيطرة على قندهار، توسعت رقعة نفوذ الحركة شيئاً فشيئاً إلى أن سيطرت على العاصمة كابول في سبتمبر/أيلول 1996، وعلى جميع مناطق أفغانستان باستثناء بعض الأقاليم في شمال البلاد. ومع دخولها العاصمة، أزاحت “طالبان” الرئيس برهان الدين رباني وأعدمت الرئيس الشيوعي السابق نجيب الله. كانت الحركة تسيطر على 95 في المائة من أراضي أفغانستان، وتخوض معارك مع جبهة الشمال التي كان يقودها القائد الجهادي السابق أحمد شاه مسعود.

لكن نقطة التحوّل كانت بعد اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، إذ بدأ الجدال بين “طالبان” وواشنطن بشأن زعيم تنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن، الذي كان يعيش في أفغانستان آنذاك، ورفضت “طالبان” تسليمه إلى واشنطن، ما أدى إلى شنّ الأخيرة حرباً ضد الحركة وانتهى ذلك بسقوط حكومة “طالبان”. كان لدخول القوات الأميركية والدولية أفغانستان تأثير كبير على “طالبان”، طبيعتها ومكوناتها ومنهجها وأيديولوجيتها. من هنا يمكن الحديث عن مرحلتين مرت بهما الحركة: حقبة ما قبل مجيء القوات الأميركية، وما بعد الدخول الأميركي إلى أفغانستان.

“طالبان” قبل الوجود الأميركي

أنشئت “طالبان” في مدينة قندهار على يد أحد أساتذة مدرسة دينية غير مشهورة كانت في إحدى المساجد، ويدعى الملا عمر مجاهد. في البداية كان المنضمون إليها من طلاب المدارس الدينية في مدينة قندهار والمدن المجاورة لها، وعندما تعاظمت قوة الحركة في وقت لاحق بدأ طلاب المدارس الدينية في باكستان الانضمام إليها، ومعظم عناصرها كانوا ينتمون إلى العرقية البشتونية التي تقطن في جنوب وشرق البلاد، ما جعل قبائل البشتون تساند الحركة، وتشكّل حاضنة أساسية لها.




استطاعت الحركة أن تسيطر على 95 في المائة من أراضي أفغانستان حتى العام 1996، لكنها بدأت تواجه مقاومة شرسة في الشمال، أدت إلى مقتل الآلاف من عناصر الحركة. وكان من أبرز الأحداث ما تسمى بمذبحة دشته ليلى في شمال البلاد، التي وقعت في العام 2002، حين قُتل بحسب التقديرات نحو 3 آلاف من عناصر “طالبان” كانوا أسرى لدى خصومها. سعت الحركة بكل ما أوتيت من قوة من أجل القضاء على مقاومة الشمال ولكنها لم تنجح في ذلك، وكانت شخصية القائد الجهادي أحمد شاه مسعود ونفوذه في الشمال العقبة الأساسية في وجهها. قبل أحداث 11 سبتمبر بيومين، قُتل مسعود في عملية انتحارية بإقليم تخار، نفذها تنظيم “القاعدة”، كما أعلنت جبهة المقاومة آنذاك. بعد قتل مسعود كان من المتوقع أن تسيطر “طالبان” على باقي مناطق أفغانستان، ولكن أحداث 11 سبتمبر أربكت جميع الخطط والتوقعات، وفي نتيجتها سقطت حكومة الحركة.

حاضنة الحركة

كانت الحركة تعتمد في حقبة ما قبل دخول القوات الأميركية إلى أفغانستان على طلاب المدارس الدينية في جنوب وشرق أفغانستان وعلى طلاب المدارس الدينية في باكستان، التي أغلقت أبوابها بشكل كامل في بعض المراحل الحساسة نصرة لـ”طالبان” ومشاركة طلابها في المعارك إلى جانب الحركة. كما أن الفقر كان يسود معظم ربوع أفغانستان بسبب الحرب الأهلية، وساهم ذلك إلى جانب الولاء القبلي في تعزيز حضور “طالبان” كثيراً، وبموجبهما خرج معها معظم شباب القبائل في شرق وجنوب البلاد. لكن في الشمال اختلفت الصورة، ولم ينضم للحركة إلا أعداد قليلة جداً، وهم ممن درسوا في المدارس الدينية في باكستان.


كان تنظيم “القاعدة” يوفر دعماً مالياً ولوجستياً لـ”طالبان”، ويشارك في حروب الحركة


أما الأحزاب الجهادية التي كانت تسيطر على ربوع أفغانستان في حقبة ما بعد سقوط حكومة نجيب الله (عام 1992) حتى سيطرة “طالبان” على كابول، فقد انقسمت إلى قسمين: أحزاب وقفت في وجه “طالبان” وقاتلتها، مثل الجمعية الإسلامية التي كان يقودها الرئيس الأفغاني الأسبق برهان الدين رباني، والتي كان ينتمي إليها أحمد شاه مسعود، والحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار، والاتحاد الإسلامي الذي ينشط حالياً باسم حزب الدعوة بقيادة عبد الرب رسول سياف. بالإضافة إلى الأحزاب الجهادية التي كانت تابعة للأقلية الشيعية. مقابل ذلك، التزمت أحزاب جهادية أخرى الحياد ولم تقف في وجه “طالبان” ولا معها، مثل الحزب الإسلامي بقيادة الشيخ يونس خالص، والحركة الإسلامية بقيادة المولوي محمد نبي محمدي، والجبهة المشتركة بقيادة الزعيم الصوفي سيد أحمد جيلاني، وجبهة النجاة الوطنية بزعامة الرئيس الأفغاني الأسبق صبغة الله مجددي. تلك الأحزاب لم تنضم إلى أي جهة، وإن كان بعض القيادات في حزب يونس خالص ومحمد نبي محمدي قد انضمت في تلك الفترة إلى “طالبان”.

المقاتلون العرب

في فترة سيطرة “طالبان” (1996-2001) أصبحت أفغانستان مرتعاً خصباً لجميع الحركات والتنظيمات المسلحة في العالم، وزادت قوة تنظيم “القاعدة” الذي أسسه أسامة بن لادن وآخرون جاؤوا إلى أفغانستان إبان الغزو السوفييتي وبعده نهاية عام 1989 وبداية 1990، لتقوى شوكة “القاعدة” في زمن “طالبان”. كان التنظيم يوفر دعماً مالياً ولوجستياً لـ”طالبان”، بالإضافة إلى مشاركة عناصره في حروب الحركة ضد المناوئين لها، وكانت عملية قتل أحمد شاه مسعود من أكبر العمليات التي نفذها “القاعدة” لصالح “طالبان”. بالإضافة إلى “القاعدة”، كانت حركات باكستانية تقاتل إلى جانب “طالبان”، كـ”جيش طيبة”، و”جيش الصحابة” أو المعروف في باكستان بـ”جيش جهنكوي”، وحركة “المجاهدين”، و”البدر مجاهدين” وغيرها.

البداية الجديدة

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، بدأت “طالبان” تتغير. ومع سقوط أفغانستان بيد القوات الأميركية وتشكيل حكومة برئاسة حامد كرزاي (أواخر العام 2001) غابت أنشطة “طالبان” لفترة وجيزة، ولكن بعد أشهر بدأت قصة الحركة بنسخة جديدة. بزعامة مؤسسها الملا عمر، نظّمت “طالبان” صفوفها من جديدة وبآلية جديدة وبخطط تتناسب نسبياً مع ما يدور في المنطقة وما يتماشى مع الأعراف الأفغانية. بدأ الاعتماد تدريجياً على العنصر الأفغاني بدلاً من الأجانب في الحرب ضد الولايات المتحدة والحكومة الموالية لها في كابول. وبدأ التنسيق مع الأحزاب الجهادية وتحديداً تلك التي التزمت الصمت في المرحلة الأولى من حكم “طالبان”، كما بدأ الاهتمام الواسع بشمال أفغانستان. قطعت “طالبان” علاقاتها تدريجياً مع المقاتلين الأجانب، على الرغم من استمرار وجود هؤلاء في صفوفها ولكن فقط كمقاتلين لا تأثير لهم على استراتيجية الحركة.


تحركت “طالبان” في المناطق الشمالية والغربية لتعزيز الدعم المحلي والفوز بتأييد الطاجيك والأوزبك وغيرهما من الأعراق


وبعد دخول القوات الأميركية إلى أفغانستان عام 2001، انضمت إلى “طالبان” بعض الأحزاب والأطياف الجهادية الأفغانية، منها الحزب الإسلامي بزعامة يونس خالص والذي كان له نفوذ في شرق وجنوب البلاد، والحركة الإسلامية بزعامة المولوي محمد نبي محمدي، وجماعة الدعوة، الحزب الوحيد للتيار السلفي الوحيد. علاوة على انضمام بعض القادة المشهورين مثل جلال الدين حقاني الذي كان ينتمي خلال الحرب ضد الروس إلى حزب يونس خالص، ليؤسس إثر ذلك شبكة حقاني، أكبر شبكة عسكرية داخل “طالبان” حتى اليوم. كذلك من قادة الجهاد الذين انضموا إلى “طالبان”، المولوي نصر الله منصور، الذي كان يمثل التيار الصوفي في جنوب أفغانستان، وله نفوذ كبير في الحركة حتى الآن، ونجله الأكبر عبد الرحمن منصور الذي عيّنته “طالبان” حاكم كابول بعد دخولها العاصمة في 15 أغسطس/آب الماضي.

كما أعادت “طالبان” بناء نفسها تدريجياً بتمويل من الأفيون والتعدين غير القانوني، ومن خلال تجنّب المواجهات واسعة النطاق بشكل عام، إذ كان سلاح الجو الأميركي موجوداً لدعم الجيش الأفغاني. وفضّل مقاتلو الحركة، عوضاً عن ذلك، مهاجمة المراكز النائية ونقاط التفتيش المعزولة وتنفيذ تفجيرات انتحارية. وفي الوقت نفسه، سيطروا على العديد من المناطق داخل الأقاليم بشكل من أشكال حكومة الظل بعد أن وضعوا نظاماً للمحاكم والضرائب.

وفي الفترة الأخيرة خصوصاً، تحركت “طالبان” في المناطق الشمالية والغربية لتعزيز الدعم المحلي والفوز بتأييد الطاجيك والأوزبك وغيرهما من الأعراق المختلفة في أفغانستان، إذ كانت الحركة ذات الغالبية العرقية البشتونية، أضعف تاريخياً في تلك المناطق. وعكف مقاتلو “طالبان” على مدى شهور على إعلان إقامتهم علاقات مع مسؤولين سياسيين وعسكريين من المستوى الأدنى، وصولاً إلى شيوخ القبائل. وعن ذلك، قال المحلل الأمني الذي يعمل مع جامعة ستانفورد، أسفانديار مير، لوكالة “رويترز”: “لم ترغب طالبان في خوض المعارك… أرادت بدلاً من ذلك التسبّب في انهيار سياسي”.

شبكة حقاني خط موازٍ

تبقى أكبر الشبكات العاملة داخل “طالبان” هي شبكة حقاني. تتألف الشبكة من مجموعة من المسلحين من الأقاليم الجنوبية في أفغانستان، تحديداً بكتيا وبكتيكا وخوست. الشبكة تنسب إلى القائد الجهادي السابق جلال الدين حقاني الذي كان أحد قادة الحزب الإسلامي، ولم ينحز إلى أي طرف في الحروب الأهلية. لكن بعد سقوط حكومة “طالبان” على يد القوات الأميركية، تم تأسيس شبكة حقاني رسمياً من أجل قتال القوات الأميركية وهي إلى الآن نشطة كخط موازٍ داخل الحركة، يقودها نجل جلال الدين، سراج الدين حقاني الذي يشغل أيضاً منصب نائب زعيم “طالبان” الملا هيبة الله أخوند زاده. تعتبر الشبكة جسراً بين “طالبان” و”القاعدة”، كما أنها متهمة بإقامة علاقات قوية مع المؤسسة العسكرية في باكستان. أما الأحزاب الجهادية الأخرى التي انضمت إلى “طالبان”، فهي اضمحلت بمرور الوقت ولا وجود ملحوظاً لها داخل الحركة الآن.

تحديات عسكرية وسياسية

إضافة إلى المخاوف الغربية على مستقبل البلاد، وأن تعيد “طالبان” تجربة حكمها السابقة، حين خنقت الحريات ومنعت أي وجود للمرأة في المؤسسات، والتخوّف من استبعاد باقي المكونات، تبرز تحديات عسكرية أمام الحركة، يبقى أبرزها الفرع الأفغاني لتنظيم “داعش”، الذي تبنّى منذ ظهوره في 2015 سلسلة من الاعتداءات الدامية والهجمات التي لم تستثن “طالبان”.


تشكيك في تنفيذ “طالبان” لتعهدها بعدم حماية مقاتلي “القاعدة”


كما تُعتبر التنظيمات الخارجية، وعلى رأسها “طالبان باكستان”، و”القاعدة”، والحركة الإسلامية في تركستان الشرقية، من أكبر التحديات في وجه “طالبان” في الفترة الراهنة، إذ إن مسلحي تلك التنظيمات ما زالوا موجودين في صفوف “طالبان” بوتيرة أقل، والعالم والدول المجاورة تدعو الحركة إلى قطع علاقاتها مع تلك التنظيمات، كما أن الخطوة تعتبر أحد بنود توافق الدوحة بين “طالبان” وواشنطن.

ويشكك مراقبون بأن تنفذ الحركة تعهدها بعدم حماية مقاتلي “القاعدة”. وفي فبراير/شباط الماضي، قال إدموند فيتون براون، منسق فريق الأمم المتحدة المكلف مراقبة “داعش” و”القاعدة” و”طالبان”، لشبكة “إن بي سي” الأميركية: “نعتقد أن القيادة العليا للقاعدة لا تزال تحت حماية طالبان”.

من جهته، قال المسؤول السابق في البنتاغون، الباحث في معهد “أميركان إنتربرايز” مايكل روبن، لوكالة “فرانس برس”: “لم تكن طالبان قط صادقة بشأن قطع العلاقات مع القاعدة وما كان يجب أن نصدقها أبداً”. وأضاف “نحن لا نتحدث عن مجموعتين عسكريتين تقطعان العلاقات، إنما عن شقيقين، أو نسيبين”.

لكن آخرين يستبعدون أن تسمح “طالبان” بحصول الخطأ نفسه الذي حصل قبل 20 عاماً وتجازف بالتعرض لرد غربي عنيف أو حتى عزل نفسها. وتوقّع الباحث في جامعة جورج واشنطن، أيمن جواد التميمي، “ألا تسمح طالبان للقاعدة بفتح معسكرات تدريب يمكن رصدها من الخارج وتعرضها للقصف”. وأوضح لوكالة “فرانس برس” أن قادة كابول الجدد قد يرغبون في انتهاج سياسة مماثلة لتلك التي تتهم طهران بها “عبر إبقاء قادة القاعدة قيد إقامة جبرية مع ترك هامش مناورة لهم للتواصل مع الفروع في الخارج”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً