عام بايدن عربياً

أمّا وأن التحدّي الصيني، والطموحات الروسية، والعودة إلى اتفاق نووي مع إيران، هي أولى مشاغل السياسة الخارجية الأميركية في ولاية الرئيس جو بايدن الراهنة، فإن أمرا كهذا يُفترض أن لا يعني انعدام فاعليةٍ أميركيةٍ في غير هذه القضايا، أو غياب أي “دالّة” للإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض في غير ملفٍّ في غير منطقة، فالحديث إنما يتعلّق بالدولة العظمى، الإمبريالية في توصيفٍ ما زال صالحا، وترى أمنها القومي ومصالحها موصوليْن، بكيفيةٍ أو بأخرى، بكل مجريات العالم ومستجدّاته، وإنْ نسبيا هنا وهناك. ولمّا اختار بايدن مسألة الديمقراطية ومواجهة الدكتاتوريات والنظر في أوضاع حقوق الإنسان من ركائز السياسة الخارجية لإدارته، فإن من راقب أداء هذه الإدارة بشأن أحوال المنطقة العربية لا يقع على ما يمكن الاعتداد به مبنيّا على هذه الركائز المدّعاة، فضلا عن أنه سيرى أن آمالا متواضعةً خابت، بعد أن مرّت على خواطر عرب كثيرين أن تعمل طواقم بايدن على إنجازٍ منظورٍ يُنهي، ما أمكن، أوضاعا شاذّةً من انتهاكات لحقوق الإنسان، في الحياة أولا، وفي الأمن والأمان تاليا. ولأن بايدن صهيوني غير يهودي، على ما قال مرّةً، ولأن الانحياز إلى إسرائيل والدفاع عنها هما من أوتادٍ راسخةٍ في السياسة الأميركية الخارجية (والداخلية أيضا)، فإن الذي تابع أداء الإدارة سيُشيح بصرَه عن إسناد الأخيرة، في مايو/ أيار الماضي، عدوان جيش الاحتلال على قطاع غزّة، واعتداء حكومة نفتالي بينت ويائير لبيد على فلسطينيي القدس. وسيرى، في الوقت نفسه، أنها (الإدارة) أعادت الالتزام الأميركي المالي الذي كان ترامب قد ألغاه عن تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).


لعل الحرب المستمرّة منذ سبع سنوات في اليمن كانت الشأن الذي استأثر بقسطٍ أوفر في آمالٍ جرى انتظار أن تجتهد إدارة بايدن في سبيل تحقيقها، بتحرير هذا البلد من نكبة الاقتتال الأهلي المربوط بما هو إقليمي، وإنقاذ ناسه من البؤس الذي يتضاعف يوما بعد يوم، غير أن خيبة تلك الآمال لم تكن وحدَها ما عوين في العام الذي اكتمل أول من أمس، وإنما زادت الحرب حدّةً، وشهدت اتّساعا، وظلت العربية السعودية والإمارات في مرمى الحوثيين بالمسيّرات وغيرها. وهذا استهدافهم منشأةً قرب مطار أبوظبي، الاثنين الماضي، معطىً بالغُ الحساسية. ولم تصنع إدارة بايدن شيئا ذا بال، سوى تخصيصها مبعوثا منها إلى اليمن، اسمُه ليندر كينغ، أمكن له زيارة صنعاء في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ثم لم يجد ما يقوله في جولةٍ أدّاها أخيرا سوى أن “نهجا إقليميا موحّدا هو اللبنة الأساسية لتحقيق السلام في اليمن”، وبدا أن على اليمنيين في بلدهم أن يعدّوا قتلاهم في كل قصفٍ شبه يومي إلى أن يُعثر على هذا النهج.


.. ساعة كاملة أمضاها مستشار الأمن القومي، جاك سوليفان، يتحدّث هاتفيا مع الرئيس التونسي، قيس سعيّد، غداة إعلان الأخير إجراءاته التي تطاول فيها على الدستور، في يوليو/ تموز الماضي، طرح فيها دعم الولايات المتحدة العودة إلى المسار الديمقراطي، من دون أن يطلب من سعيّد العدول عن حل البرلمان (أو يتمنّى عليه). وقد دلّت هذه المكالمة، كما اثنتين مثيلتين أجراهما وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، مع سعيّد، في نهاية يوليو وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، على أنه كلامٌ في كلام ما يجهر به المسؤولون الأميركيون بشأن تونس، أي بشأن إجهاز سعيّد على بديهيات الديمقراطية، فقد كان من عجيب القول أن يُخطرنا بلينكن إن هذا أبلغه أنه يتصرّف “وفق الدستور”!


لنرَ أن تعليق الإدارة الأميركية، في سبتمبر/ أيلول الماضي، 130 مليون دولار، من المعونة العسكرية الأميركية لمصر، إلى حين اتخاذ السلطة في مصر خطواتٍ لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، إجراءً يتّسق مع قول بايدن، في حملة ترشّحه لانتخابات الرئاسة، إنه لن يعطي دكتاتور ترامب المفضل (عبد الفتاح السيسي) شيكا على بياض. ولنرَ ما شاع عن ضغوط أميركية على النظام في مصر نجحت في الإفراج عن بضعة معتقلي رأي أخيرا. غير أن قضية حقوق الإنسان في مصر، بمختلف حوافّها وتفاصيلها، لا يُتعامل معها بهذه الكيفية، ولا يمكن أن تبيع إدارة بايدن معتنقي الديمقراطية هذا ضغوطا جدّية منها على السلطة في مصر.


هي مقاطع أميركية في ثلاثة بلدان عربية، في الوسع ضمّ سورية المتروكة أميركيا للروس والإيرانيين، تفيد بأن إدارة بايدن لم تتحلّ أبدا بالشجاعة الأخلاقية، ولم تتّصف بالحيوية والفاعلية السياسية، في المنطقة العربية، وهذا موجز قولٍ شرحُه يطول.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً