عبد الوهّاب الأفندي.. في المِحنة العربية المعاصرة

“عن المثقّف الإسلامي والأمراض العربية: تأمّلات في المِحنة المُعاصِرة”، هو عنوان الكتاب الذي صدر للمفكّر السوداني عبد الوهّاب أحمد الأفندي مؤخّراً عن “مُنتدى العلاقات العربية والدولية” 2022. وهو كتاب راهِنيٌّ بامتياز، وذلك بالنظر للقضايا المُلحّة التي يطرحُها، وأيضاً من جهة الأدبيّات والآراء والمواقف التي يدخل في حوارٍ معها. لكن، وقبل أن نُعرّج على بعض أسئلة الكتاب، لا بدّ أن نتوقّف لبُرهة أمام عنوانه. 


إنّه يضع المثقّف الإسلامي في مواجهة الأمراض العربية، لكن قد يعترِض أحدُهم على ذلك ويقول: إنّ هذا المثقفَ نفسه متورّط في هذه الأمراض وقد يكون أحد أعراضها. ألم يربطِ الكثيرون بين ظهور وانتشار الإسلام السياسي وفشل المشروع التحديثي؟ أليس هذا المثقف جُزءاً من خطاب الهويّة والذي هو خطاب هزيمة في آن؟  ثمّ، هل من السهل علينا الجَمعُ بين المثقّف والإسلامي؟ أليس المثقّف ظاهرة حديثة؟ ظاهرة علمانية كما أوضحَ إدوارد سعيد؟ وهل يصحّ استعمال صِفة الإسلامي لنميّز مثقّفاً عن آخر، ذلك أنّ هذه الصفة أيديولوجية، أصحابها لا يعرفون بالضرورة الكثير عن الإسلام أو لا يعرفونه إلّا من خلال اجتهاد السلف، وهم يدّعون شيئاً لأنفسهم، نشترك فيه جميعاً، وهو الإسلام. 


علاوة على أنّ توصيف الأمراض باعتبارها عربية، يربطها بهويّة وليس بواقع، فالأمر يتعلّق بأمراض التخلّف، والمفكّر السوداني يعترض على المُقاربات الثقافوية عن حقّ، والتي تربط إخفاق الديمقراطية في العالم العربي بالإسلام أو بالثقافة الإسلامية، ولكنّه لم يتخلّص من اللغة السِّحرية للثقافويين وهو يتحدَّث عن الهوية أو عن “الهوية الحقيقية” وعن “الأمّة” إلخ. أو، وهو يبحث عن تفسير للطائفية في النصوص الدينية. 


يحبّذ المؤلف ابتداء من عنوان كتابه استعمال لُغة طبِّية، تتحدّث عن المرض وعن التشخيص، ولن يكون الأفندي المفكّر الأول ولا الأخير الذي سيقوم بذلك، فمنذ روسو، مروراً بماركس ونيتشه ودوركهايم، صُعوداً إلى الفلسفة الاجتماعية المعاصرة، والفِكر النقدي يتحدّث عن باثولوجِيات المجتمع المعاصر أو الباثولوجِيات الاجتماعية، وأحياناً عن الأمراض الثقافية أو صناعة الثقافة، بل إن الفيلسوف الألماني آكسيل هونيث سيتحدّث عن افلاطون باعتباره أوّل من اعتمد هذه الأنالوجيا بين جسد المجتمع وجسد الفرد في “الجمهورية”.


يدّعي الإسلاميون شيئاً نشترك فيه جميعاً وهو الإسلام


يقدّم لنا المؤلّف في هذا الكتاب ما يسميه “تشخيصاً” لهذا “المرض العربي”، وهو، لا غرو، مرضٌ عضال، يضرب كلّ “الأعضاء”، السياسية منها والاجتماعية والثقافية، وهو في هذا مُحقّ، فأمراض الفِكر من أمراض المجتمع، أو كما تعلّمنا النظَرية النقدية، فالفِكر الخاطئ انعكاسٌ واستمرارٌ للمُجتمع الخاطئ. ويُعلن المؤلّف منذ البداية حربه على الأطبّاء الآخرين، أصدقائه في المهنة، مؤكّداً، في تسرُّع، بأنّ “بعضهم أحوج للعلاج من مرضاهم المزعومين”، ويبدأ بمناقشة دور المثقّف والمنافحة عمَّا يُسمّيه المثقّفَ الإسلامي، ضدّ من يُريدون أن يحتكروا لأنفسهم صفة المثقّف، والذي يَجب أن يكون برأيهم علمانياً، ولكنّ الأفندي يُنافح عن المثقّف الإسلامي أيضاً ضدّ من يَرون أنّه يعتدي على دَور رجال الدِّين، ولا يسعنا إلّا أن نتّفق معه، ومع الحقيقة التي تقول بأنّ “الفِقه في أمر الدِّين أصبح لا يَنفصل عن الفِقه في أمور الدُّنيا”، ولكنّا نشكُّ بأن مثقَّفه الإسلامي، والذي يتبنَّى رؤية لا تاريخية، هو فقيه بأمور الدنيا فعلاً. 


لقد ظلَّ هذا المثقف يتبنّى تصوراً توفيقياً، يقدّم رِجلاً ويؤخّر أُخرى، وما يمثّله ذلك من تصالحٍ ضِمني مع البُنى الاجتماعية والثقافية ومِن ورائِهما مع الاستبداد، حتّى وهو يُنافح، في حالة الأفندي – حاشا لله أن نشُكّ في نيّته الخيّرة – عن النظام الديمقراطي، مُغفلاً أنّ الديمقراطية تربية على الديمقراطية، كما يؤكّد جون ديوي، وأنّ الانتقال الديمقراطي الذي يُغفل أهمّية الانتقال الثقافي ونشر ثقافة ديمقراطية، انتقالٌ مَصيرُه الفشل، ويكفي أن نلقي هنا نظرة على التطورات في دول شرق أُوروبّا، والتي رُغم تبنّيها للنظام الديمقراطي والتحاقها بالاتّحاد الأوروبّي، نجدها تتبنّى سياسات شعبوِية، وتُدافع عن مسيحية قومية، وتنتشر فيها مُعاداة السامية ومُعاداة الإسلام بشكلٍ مَرضي.


إن كان هناك من ولاءٍ للمثقّف، فوَجب أن يكونَ للنّقد فقط، وليس للعِلمانية، والتي قد تتّخذ أشكالاً سُلطوية مُشوَّهة كما كان الحال عليه مع البُورقيبيّة، وتعبّر عن نفسها في لغة فاشِية. علاوةً على أنّ الولاء للنقد يَجعل المثقّف واعياً بضرورة تحصين الدِّين من عبث السياسة. ويؤكّد “طبيب الحضارة”، وهو الاسم الذي كان يُطلقه نيتشه على الفيلسوف، منذ البداية، وبشكلٍ قاطع، بأنّ سبب “المرض العربي”، “لا يُمكن أن يكون نفسياً أو اجتماعياً، بل لا بُدّ أن يكون سياسياً”، ويتّضح من خلال لغته الوُثوقية التي تربط كلّ مشاكل العالم العربي بالسياسة، بأنّه واقع هنا تحت تأثير السياق العربي، الذي يعرف حُضوراً طاغياً للسياسة في كلِّ مجالات الحياة، كما أوضح ذلك عبد الله العروي في “استبانة”، ذلك أنّنا نعيش في أنظمة تصنع المجتمع، أو بلغة كلود لوفور، إنّنا نعيش في ظلّ أنظمة لا تسمح بـ”التقسيم الاجتماعي”. 


انتقال ديمقراطي لا يشفَعُه انتقال ثقافي مَصيرُه الفشل


وطبيبُنا، في رَبطه لكلّ أَدواء المُجتمعات العربية بالسياسة، يَسقط في السحر، هو الذي أراد لتشخيصه أن يكون عِلمياً، ذلك أنّ تضخُّم السياسي، والذي قد يصل إلى تَسيِيس كلِّ المشاكل التي نُعاني منها، هو من أعراض المرض. أجل، إنّ علينا ألّا نخلطَ بين المُقاربات الثقافوية من جهة، والتي تَنطلق من نوعٍ من الرينانية السياسية، والنقد الاجتماعي والثقافي من جهة ثانية، وسيكون من الخطأ أن نضع كلّ هذه الأسماء: طرابيشي، وشرابي، والجابري، وأدونيس، والعروي إلخ. في سلّة واحدة، ولكن تلك جَريرة كلّ فكر يَنصرف عن التفكيرِ من خلال المُجتمع وفي العلاقات والمؤسّسات القائمة بداخله.  




يرفض الأفندي، وحتّى نعودَ لموضوع المثقّف ثانية، ربط المثقّف بالعِلماني فقط، لأنّ مثل هذه الاختزالية ستحرم الآخرين من غير العِلمانيّين من حقّهم في التعبير عن أنفسهم، وقد يتحوّل هذا التفكير إلى نوع من المكارثية، وقد قامَت الأنظمة القومية في السياق العربي على قمع الآراء المُعارِضة للشيوعيين والإسلاميين. ولكن، إذا كانت العِلمانية لا تعني بالضرورة العداء للدّين، وإذا كانت تعترف بحقّ المتديّنين في المشاركة في الفضاء العام، وأعني بذلك ليس فقط أولئك القادرين على ترجمة حدوسهم الدِّينية إلى لغة دُنيوية، كما عبر عن ذلك هابرماس، بل أيضاً من يريدون الاحتفاظ بلغتهم التقليدية، وإذا تعلّق الأمر بعِلمانية لا تتحالف مع الاستبداد، ولا تبني مجدها الزائف على احتقار الشعب وثقافته الشعبية، فإنّها لا ريب ستكون قمينةً بتقديم الشروط الصحية لإنتاج الثقافة والنقد، وداخلها سيجد “المثقّف الإسلامي” مكانَه، ولن يحرمَه أحد من حقّه في الكلام، كما لن يحرم هو الآخرين من حقوقهم في نقد كلامه. 


أجل، يُمكن لرؤيته أن تكون كما يريدها “متجذّرة” في التراث الإسلامي، ولكن شرط أن يدرك بأنّ هذا التراث هو ملك للعِلمانيين أيضاً، ومن حقّهم أن يقرأوه انطلاقاً من الفتوحات الفكرية والمنهجية للحداثة، كما يقرأه هو انطلاقاً من فتوحات الأجداد، ومن حقّهم أيضاً أن ينتقدوا هذا التراث، في تضامن نقدي، وينتقدوا أشكال التلاعب السياسي التي ما برح يتعرّض لها منذ البدايات الأولى للإسلام، وأن يُدافعوا، في لغة كارل بوبر، عن حقّ كلّ جيل في قراءته بما يتناسب مع واقعه.


وإن اختلفتُ مع الأفندي في تصوّره عن المثقّف والمثقّف الإسلامي، فإنّي لا أختلف معه البتّة في نقده للمركزية الغربية ودعاويها بأنّ قيم الحرية والثورة وسؤال المعنى والإنسان والعلم إلخ… ارتبطت كلّها بالحضارة الغربية، كما لو أنّ الإسلام لم يكُن ثورةً وكما لو أنّه لم يؤسّس لمعنى جديد ولإنسان جديد، ولم يتحقّق كحرّية وتحرّر من عبودية الإنسان للإنسان. وقد وقف الأفندي في قراءته لمفهوم الحُرّية، وبألمعيّته المعهودة، على المساهمات الغربية المختلِفة في هذا الباب، والتي تعوّدنا أن نردّها مع إشعيا برلين دوماً إلى ما يُسمّى بالحُرّية السلبية والحُرّية الإيجابية، ولكنّي أفتقد في مناقشته انفتاحَه على الحُرّية الاجتماعية، والتي قد نجد أصداء لها في الفكر العربي المعاصر مع كلّ من محمد عزيز لحبابي وناصيف نصّار وعزمي بشارة، بل وقد نلتقي بعض عناصرها عند سيّد قطب ومحمد باقر الصدر، ذلك أنّه من شأن التفكير في حرّية اجتماعية تجاوز تناقُضات الحُرّية الليبرالية ومَركزية الفرد في تلك الحُرّية، وحتى نقول ذلك في لُغة شَخصانية: “نحن لا نتحرّر إلّا ونحن نُحرّر”، كما أنّ التفكير في مثل هذه الحُرّية، وهو تفكير مادّي وليس أيديولوجياً، من شأنه أن يُحرّرنا من ذلك النقاش الميتافيزيقي العقيم، الذي انخرط فيه بعض المفكّرين العرب، عبر ربط غياب الحرية في السياق العربي بالدِّين، شأن ذلك الذي لا يفرق، في عمائه الأيديولوجي، بين “العبادة” و”العبودية”.


ولاء المثقّف للنقد، لا لعِلمانية بشكلها السلطوي المشوّه


يقف الأفندي، في شجاعة قلّ نظيرها، ضدّ الشعبية التي يتمتّع بها نظام المُمانعة في السياق العربي لدى قِطاعات واسعة من الشعوب العربية، وثلّة كبيرة من المثقّفين الطائفيين، الذين يزعمون انتماءهم إلى العِلمانية. لكنّ تفاقم هذا “المرض العربي”، لا ينحصر في المسألة السياسية، بل قد تكون له علاقات أكبر بالاقتصاد الريعي والبُنى الاجتماعية التقليدية والتربية التي نتلقّاها بداخلها. إنّ الأمر يتعلّق بتربية أو بتربية هي تَرويض، إذا تذكّرنا التفريق الكانطي بين التربية والترويض، ولهذا يخطِئ برأيي مَن لا يأخذ بجدّية التحليلات التي قدمها الفكر الاجتماعي العربي حول استحكام البُنى السُّلطوية داخل المجتمعات العربية، ومنها خُصوصاً نظرية “الأبَوية المُستحدَثة”، والتي على الرغم من جنينيّتها، إلّا أنّها كانت واعيةً بالاستمرار الواعي واللّاواعي للتقليد في المؤسّسات الحديثة. 


فأن تخرج الشعوب غاضبة ضدّ الديكتاتور، وأن تُسقطه، ولكن، لتعودَ مرّة أُخرى إلى بيت الأب، لعمري ذلك مرضٌ عضال، ومن ربط هذا المرض باستمرار التقليد لا يُبالغ، فهيلموت بليسنر لمّا أراد أن يُنظّر للراديكالية الاجتماعية والتي تمثّلت في عصرِه في النازية والشيوعية، انطلق من التفريق بين قِيم الجماعة والقيم الجديدة للمجتمع، ومُشكلتنا أنّنا لم نُحرّر لحمَنا من لحم الجماعة، ولم نكتشف الفرد ومعه المجتمع. 


إنّ أنظمتنا السياسية انعكاسٌ لمجتمع غير مكتمل، غير أنّ الفرق الذي يَقوم بين ما يقرّره آخرُ البورقيبيين، علي المزغني، في “الدَّولة غير المُكتمِلة”، وما أقوله هنا، هو أنّي أفهمُ التقليدانية باعتبارها انعكاساً للتخلُّف وليست سبباً فيه، وانعكاساً للعلاقات غير المتوازنة بين الغرب الرأسمالي والمنطقة العربية. إنّ مُشكلة المثقّف الإسلامي والمثقف العلماني تكمنُ في أنّهما يفكّران معاً من خارج المجتمع، في حين يبدأ التفكير في اللحظة التي أفكّر أو أتجذّر فيها داخل المجتمع وداخل المجتمع فقط.



* أستاذ فلسفة وكاتب من المغرب






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً