عدي مانع: مشكلة الفيلم العراقي في صانعيه

انتهى المخرج عدي مانع من تصوير فيلمه “وراء الباب”، الذي تدور أحداثه في سامسون، وهي إحدى المدن التركية الواقعة على البحر الأسود، والتي تستضيف عدداً كبيراً من اللاجئين من دول عدّة. ويروي الفيلم حكاية شخصٍ هاربٍ من العراق بسبب ماضيه الأسود، وما اقترفه من جرائم حرب، إذْ يحاول الاختباء منها بالعيش بعيداً عن ماضيه، من دون أنْ يتمكّن من الخلاص من مشاكل كثيرة تحاصره.

تخرّج مانع من “معهد الفنون الجميلة” عام 2009، ومن “معهد غوته” الألماني ـ قسم صناعة الفيلم الوثائقي عام 2011. عمل مديراً فنّياً لـ”ابن بابل” (2009)، لمحمد الدراجي، ومساعداً لمحمد شكري جميل في “المسرّات والأوجاع” (2013)، ومونتيراً لـ”قصص العابرين” (2017)، لقتيبة الجنابي.

في لقاءٍ مع “العربي الجديد”، قال عدي مانع إنّ فكرة فيلمه هذا “فلسفية”، ترتكز على “الصراع والمشاكل التي يعانيها الإنسان في رحلة الحياة والبحث عن الذات والحقيقة، خاصة عندما تتّخذ هذه الأخيرة (الحقيقة) وجوهاً عدّة لا يُمكن تفريقها عن الكوابيس والخيال”. وأشار الى أنّ “وراء الباب” لا يزال في مرحلة عمليات الإنتاج النهائية، فالتأخّر في إنهائه متأتٍ من “انتشار كورونا، وصعوبة التنقل”، مُضيفاً: “الآن، الفيلم في مرحلة ميكساج الصوت، بإشراف الموسيقيّ تراث نمير، في شركة FORCAST”، متمنّياً الانتهاء من العمل خلال الأيامٍ القليلة المقبلة.

عن تمويل الإنتاج، قال مانع: “لم يكن هناك تمويل فعلي، فاعتمدتُ على التمويل الذاتي”. لكنّه حصل على مساهمة للإنتاج من Qaf Media Lab، ورعاية من “شركة ألماسة” في تركيا، ودعم من “بريمالاك العراق”. بالإضافة إلى مساهمات ودعم معنوي من جهات أخرى.


هكذا، أصبح الفيلم إنتاجاً مشتركاً بين تركيا والعراق. أضاف: “هذا يدفعني إلى التساؤل عن سبب عدم وجود مؤسّسة عراقية، على غرار المؤسّسات السينمائية العربية، التي تقدّم فرصاً لتطوير الأعمال ودعمها، ولتسهيل الدعم من شركات أجنبية، كما هو الحال في قطر والأردن. دول كهذه تدعم أبناءها في صناعة السينما. صراحةً، لا أزال أفاجأ عندما يتحدّث البعض عن عودة الصالات السينمائية القديمة، وإحياء المُتهالِك منها، ويربط صناعة السينما بأماكن عرضها، بنظرية أسطورية، كعودة (سينما روكسي) و(الرافدين) و(البيضاء) و(السندباد). هذا خطأ فادح. السينما ترتبط بصناعة الترفيه، وتحتاج دائماً إلى مواقع جديدة لجذب الجمهور وترفيهه”.


أشار عدي مانع إلى أنّ مشكلة الفيلم العراقي تكمن في صانعيه أنفسهم، فهم “يبحثون دائماً عن دعمٍ لإنتاج أفلامهم، ويعتقدون أنّ الإنتاج يصنع أفلاماً ناجحة. في مشروع (بغداد عاصمة الثقافة العربية)، أنتجت عشرات الأفلام بميزانيات كبيرة، نسبةً إلى مستوى سوق الإنتاج العراقي، باستثناء أفلام لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة، تمكّنت من المُشاركة في مهرجانات خارج العراق، لأنّ للمؤسّسة همّاً واحداً: صناعة أفلامٍ فقط، لا صناعة أفلامٍ ناجحة. الفيلم الناجح يصنعه صنّاع فنّانون مُغامرون، لا من يقف أمام أبواب المؤسّسات لاستجداء الدعم”.


واجه “وراء الباب” صعوباتٍ ومشاكل، يكاد لا يخلو منها أيّ فيلمٍ سينمائيّ روائي طويل ومستقلّ في العراق


واجه “وراء الباب” صعوباتٍ ومشاكل، يكاد لا يخلو منها أيّ فيلمٍ سينمائيّ روائي طويل ومستقلّ في العراق، أهمّها، كما يقول مانع: “خلق بيئة فيلمٍ تُناسب المساحة الإنتاجية والفنية، إذْ كتبتُ السيناريو بعقلية المخرج المنتج، بحيث يتناسب الفيلم مع الميزانية المقترحة له، من ناحية المعدّات وعدد مواقع التصوير والفنيّين والممثلين. كلّ كلمة في السيناريو كنتُ أحاسِبُ نفسي عليها. كلّ قطعة إكسسوار، وكلّ ممثّل وحركة وحوار، كنت أتعامل معه بعين الإنتاج. حاولتُ قدر الإمكان أنْ أجعل فريق العمل (الرأسمال الحقيقي للمشروع) لا الميزانية. أفلام السينما المستقلّة يصنعها الفريق المؤمِن بها. هذا تعلّمته من خلال تجاربي في العمل السينمائيّ، في العراق وتركيا”.

وأشار إلى الدور الجيّد لفريقه، الحريص على المشروع، قائلاً: “هذا لا يُقدَّر بثمن. الفريق رائع، مؤلَّفٌ من شبابٍ عراقيين وأتراك. تمكّنتُ من التخطيط الجيد، وبدأتُ العمل بعد التحاق مدير التصوير عمار جمال (العراق)، ووصول جمال أمين من لندن لتأدية دور الشخصية الرئيسية”. أما صعوبات التصوير، فتُثير قلقاً في ذات كلّ مخرج، “لكنّ عمار جمال يحلّ المشاكل بطريقة سحرية، خاصة مشكلة الإضاءة والتصوير في مكان ضيق تقريباً. استطاع تحويل العوائق إلى حالة فنية سينماتوغرافية رائعة، تعكس حالة عدم اتساع المكان للشخصيات المتصارعة في ما بينها”.




وعن سبب اختياره تركيا كمكان للتصوير، قال عدي مانع: “في سامسون جاليةٌ عراقية، يتشكّل معظمها من لاجئين في تركيا. كما توجد شركات إنتاج وأخرى مُساهمة. طبيعتها الجغرافية تُناسب الإنتاج السينمائي”.

واعتبر مانع أنّ فريق العمل “تعزّز بوجود جمال أمين، ومدير التصوير عمار جمال إضافة مهمّة للفيلم والكادر، الذي أعطى، بخبرته الكبيرة وتواضعه في العمل مع الشباب، دافعاً لكلّ فنيٍّ وممثلّ أنّ يُقدّم أفضل ما عنده. لذلك، الجميع يفكّرون بجودة العمل، وبما سيظهر على الشاشة. عمار جمال يفهم اللغة السينمائية ويحترفها عملياً، وله القدرة على ترجمتها للفنيّين الشباب. أصبح موقع الفيلم أشبه بورشة تدريب على خواص الصورة السينمائية، كاللون والتكوين والكتلة والحركة… إلخ. الفيلم منتمٍ إلى أفلام المكان الواحد، وأحداثه تدور في شقّة واحدة، وهذه مجازفة. لكنْ، مع عمار جمال، تحوّلت المجازفة إلى تحدٍّ جميل وممتع”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً