عقدان على 11 سبتمبر: أميركا تكتوي بـ"الحرب على الإرهاب"

“لماذا هاجمونا؟ لماذا يهاجموننا؟”. سؤال تردّد، أكثر من مرة، على ألسنة شعوب دول غربية عدة، بدءاً من الأميركيين، منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، حين نسّق ونفّذ 19 عضواً في تنظيم “القاعدة”، ثلاث هجمات انتحارية متزامنة، بطائرات مدنية، خلّفت حوالي ثلاثة آلاف قتيل، إثر انفجارها في مركز التجارة العالمي في نيويورك، وحين ضربت الجناح الغربي لمقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن، وأرضاً قاحلة في بنسلفانيا. منذ ذلك الحين، استهدفت هجمات إرهابية عدة، دولاً أوروبية، أبرزها هجوم مسرح باتاكلان الباريسي في 2015، الذي خلّف أكثر من مائة قتيل، وتبناه تنظيم “داعش”. وعلى الرغم من مرور 20 عاماً على “الحرب على الإرهاب”، التي أطلقتها الولايات المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2001، للرد على هجمات 9/11 كما باتت تعرف، إلا أن خطر الإرهاب العالمي والمحلي، لا يزال يخيّم على بلاد العم سام، ومعها الغرب الذي سارع للوقوف صفّاً واحداً والانخراط في أطول الحروب العالمية. ومن أفغانستان إلى العراق، إلى سورية، إلى محاربة التنظيمات “الجهادية” في أفريقيا، استنفدت هذه الحرب المكلفة، والتي لم يتجل بعد إرثها نهائياً، طاقة أميركا، لترفع أخيراً الراية البيضاء، أمام حركة “طالبان” الأفغانية.


اختبرت أميركا نشوة تفوقها العسكري في أفغانستان والعراق، ثم تراجعها


نشوة انتصار قصيرة

ولم تعلن الولايات المتحدة، بعد، رسمياً، في الذكرى الـ20 للهجمات الإرهابية الأكثر دموية في تاريخها، على أرضها، انتهاء فصل الحرب على الإرهاب، الذي دشنّه الرئيس جورج دبليو بوش، وانغمس فيه ثلاثة رؤساء أميركيين لاحقين، وأطلق قوانين وحالات طوارئ لا تحصى لمحاربة الإرهاب في الغرب، تركت أثرها على الحياة المدنية. ويزور الرئيس جو بايدن، في الذكرى، المواقع الثلاثة التي استُهدفت بغضون 102 دقيقة في ذلك اليوم قبل عقدين، والتي باتت تتضمن نصباً تذكارية ومتحفاً تحول إلى معلم سياحي، يجتذب سبعة ملايين زائر سنوياً. وإذا كان 75 في المائة من الأميركيين، اليوم، لا يزالون يتذكرون 11 أيلول، بتفاصيله الأليمة، وتساورهم الأسئلة ذاتها حول “لماذا هاجمونا”، فيما دعمت غالبيتهم دولتهم في شنّ حروبها الطويلة ردّاً عليه، فإن عقارب الساعة التي تدور إلى الأمام، لا تحول دون فتح الكثير من الأسئلة، حول جدوى الحرب، وما إذا كانت قد جعلت أميركا أكثر أماناً. لكن أكثر ما يثيره ذلك التاريخ، في اللحظة الراهنة، هو البحث في حقيقة “قوة أميركا”، علماً أنها قوةٌ خبرت نشوة اختبار تفوقها العسكري الذي كان في أوجّه ما قبل غزو أفغانستان، و”الانتصار” الكبير في السنوات الأولى من الحرب على الإرهاب، حين شكّل “الفتح” الأميركي لكابول وبغداد، ذروة التربع الأميركي على عرش العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ولكنه “انتصار” لم يدم طويلاً. وتبقى أميركا اليوم قادرة على اجتراح عمليات عسكرية موضعية، مثال عليها تدخلها في ليبيا مع حلف “الناتو” لإسقاط نظام معمر القذافي في 2011، لكن دور أميركا كشرطي للعالم، وهيمنتها، وسمعتها الدولية، قد تعرضت للكثير من الخضّات منذ 2001، لعبت عوامل خارجية وداخلية دورها الأساسي في وقوعها. وفيما تستعد الولايات المتحدة لمراجعة استراتيجيتها للحرب الإرهاب، ما بعد الانسحاب من أفغانستان، وصياغة سياسة خارجية تلائم العقد الحالي والتحديات المقبلة، وبلورة أشكال تدخلها العسكري في الأعوام المقبلة، تفتح الذكرى باباً أمام منافسيها الدوليين، لمقارعتها بشكل أوسع، وأكثر اتساقاً، بينما تحول خطر الإرهاب عليها إلى خطر متشعب، ومتنوع، وأشدّ تعقيداً.




من إعادة الحرية إلى إعادة “طالبان”

وأطلقت الولايات المتحدة، التي تمكنت من حشد أكثر من 80 دولة إلى جانبها، طوال الـ20 عاماً الماضية، حربين منذ أحداث سبتمبر 2001، حملتا عنوان إعادة “الحرّية” إلى أفغانستان والعراق، كرّستا عقيدة بوش، حول حقّ بلاده في تنفيذ ضربات استباقية ضد دول ومنظمات وأفراد، من شأنهم تهديد الولايات المتحدة ومواطنيها، وضد دول قد تستخدم يوماً سلاح دمار شامل، ضد أميركا ومواطنيها وحلفائها. وفي أفغانستان، اختبر البنتاغون فائض قوته وتفوق السلاح الأميركي، ضد “طالبان”، التي تمكن من الإطاحة بنظامها في غضون أشهر، كما أطاح بنظام “البعث” ورئيسه صدّام حسين في العراق، في عام 2003. ومع ذلك، تحولت الحرب سريعاً من حرب عسكرية، حملت هدفاً “سامياً” هو القضاء على الإرهاب و”تحرير” شعوب من حكمين “استبداديين”، إلى حربٍ أمنية ثم مسّيسة، بين المحور الغربي، ومحور آخر مناهض له. وتغذّى التطرف الذي يتخذ من الإسلام شعاراً له في العالم، من الغزو الأميركي، وتحول العراق إلى ساحة صراع بين إيران والولايات المتحدة، غارقاً في فسادٍ مستشر وسرقة داخلية موصوفة لخيراته. ومع صعود “داعش” في العراق وسورية، أعلنت الولايات المتحدة كذلك، عن تشكيل “تحالف دولي” لمحاربته، ثم هزيمته في المناطق التي سيطر عليها، لتقترب أكثر من أي وقت مضى، اليوم، من الانسحاب من العراق، على غرار أفغاستان، وترك الساحتين خاليتين أمام دول أخرى، تشتهي كلّ منها ملء الفراغ الأميركي، الذي استبقته عودة العالم إلى تعدد الأقطاب، وبروز الشرق كمحور منافس للتفوق الأميركي.


أسّس دونالد ترامب لنوع جديد من العقاب الأميركي بعيداً عن التدخل العسكري


وتقول الولايات المتحدة، إن انسحابها من أفغانستان الذي اكتمل أخيراً، ومن العراق، وهو ما يرجح مراقبون الإعلان عنه مع نهاية العام الحالي، هو للتفرغ للاستدارة شرقاً، والانكفاء عن الشرق الأوسط، للتوجه نحو الصين، منافسها الاقتصادي الأول في العالم. ويأتي ذلك، من دون أن تجيب عن سؤال مواطنيها حول سبب استهدافها في سبتمبر 2001، وعن جدوى الحرب التي أطلقت العنان ليدها حول العالم، وحولّتها في الداخل إلى دولة بوليسية تراقب مواطنيها، بعدما أجرت تعديلات كثيرة على مفاهيمها الأمنية ونظامها للهجرة، ووقعت قانون إجازة التعذيب الذي ظهرت أهم تجلياته في معتقل غوانتنامو. واعتبر الكاتب الصحافي، ستيف كول، في كتابه الصادر في 2004 “الحروب الشبح”، حين شرح انخراط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه”، في أفغانستان، ما قبل هجمات سبتمبر 2001، أن “من الأسهل حتى الآن لباحث أن يشرح كيف ولماذا حصلت تلك الاعتداءات على الأرض الأميركية، من أن يشرح تداعياتها”. وصدر الكتاب، حينها، بالتزامن مع كشف صور فضيحة الانتهاكات الأميركية في سجن أبو غريب العراقي. ورأت “واشنطن بوست”، في تقرير لها صدر أخيراً حول إرث 11 سبتمبر، أنه “منذ ذلك الحين، ظلّت واشنطن تهلوس بإعادة صنع العالم على شاكلتها، فقط لتكشف عن أبشع صورها أمام هذا العالم”.


ولا يقتصر الإخفاق الأميركي في الحرب، على البعد الأخلاقي. وإذا كانت دول عدة، مناهضة للولايات المتحدة، حريصة على إفشال مهماتها العسكرية لـ”محاربة الإرهاب”، إلا أن غزويها للعراق وأفغانستان، قد ولّدا أيضاً نقمة لدى شعبي هذين البلدين، حيث لم تنفع مليارات الدولارات التي أغدقت في أفغانستان، في محو أن “طالبان” هي جزء من المكون الشعبي، الذي لم يطاول أياً من مظاهر الرفاهية الموعودة، فيما أدّى سوء إدارة “الحاكمية” الأميركية في العراق ما بعد سقوط صدّام حسين، إلى تغذية النفور منها على أساس طائفي، والتطرف الديني الذي قابله تغول سياسي لطرف آخر. أما الهدف المعلن من الحرب، وبخلاف قتل زعيم “القاعدة” أسامة بن لادن (2011)، وتصفية وجوه قيادية في “القاعدة” على مرّ الأعوام القليلة الماضية، إلا أن التنظيم، لم يخب، باعتراف الأمم المتحدة، التي أكدت في أحدث تقاريرها، تعزيزه لنفوذه في أفريقيا، وذلك مع احتمال عودة أفغانستان لتصدير الإرهاب إلى العالم، بناء على عودتها لحضن “طالبان”.




واعتبر الخبير في “مجلس العلاقات الخارجية” البحثي الأميركي، بروس هوفمان، في تقرير نشر في الثالث من سبتمبر الحالي، أن “أيديولوجية تنظيم القاعدة” التي ألهمت جماعات “جهادية” عدة حول العالم، بعضها أصبح أكثر تشدداً منها، “لا تزال قوية” جدّاً، مذكراً أنه اليوم، ازداد عدد الجماعات السلفية الجهادية المصنفة إرهابية على لائحة الإرهاب الأميركية، بمعدل أربعة أضعاف، عما كان عليه في 2001. واعتبر أنه لا ينبغي على الأميركيين أن يغرقوا في وهم أن “القاعدة” ليست معنية بمهاجمتهم بعد اليوم، مذكراً أيضاً بالهجوم الذي نفّده سعودي في قاعدة بنساكولا الجوية في فلوريدا في 2019. وأعرب هوفمان عن اعتقاده بأن غزو العراق كان “أكبر الإخفاقات التي تلت 11 سبتمبر، حين وجهنا بنقل إمكاناتنا إلى مكان آخر، بينما كان بإمكاننا القضاء نهائياً على القاعدة في جنوبي آسيا، خلال أهم الفرص التي أتيحت أمامنا لفعل ذلك”. ووصف الخبير “بيروقراطية محاربة الإرهاب التي خلقتها الولايات المتحدة في الداخل وحول العالم بعد أحداث 11 سبتمبر”، بـ”الهائلة”، ولكنها مهددة اليوم بانقسام المجتمع الأميركي والخلافات السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين، ما يصعب مهمة وضع استراتيجية جديدة لمحاربة الإرهاب، لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان. ورأى أن “الوحدة الأميركية التي تجلت بعد أحداث 11 سبتمبر، لم يبق شيء منها اليوم”.


لا يزال خطر الإرهاب محدقاً بأميركا، وهو يأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً


وفي الواقع، لم يعد هناك شيء موجود من ذلك الإجماع العالمي أيضاً حول أميركا، حين حذّر بوش كل دولة في العالم من أنها “إما تكون معنا أو مع الإرهابيين”. فمن دروس الحرب على الإرهاب، أن الانكفاء الأميركي، الذي بدأ في عهد باراك أوباما، حين تراجع عن التدخل العسكري في سورية ضد نظام بشار الأسد، بالتزامن مع التدخل الروسي في هذا البلد، دقّ ناقوس الخطر لدول غربية عدة، بدأت تشتم رائحة التراجع الأميركي، الذي تمخّض عن تقدم التيارات الليبرالية ونظيرتها من اليمين المتطرف في الداخل الأميركي، ما أثّر على أجندة واشنطن السياسية الخارجية. وجاء تتويج ذلك بوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، الذي أسّس لنوع جديد من العقاب الأميركي، يقوم على العقوبات المالية والحصار الاقتصادي للدول الأعداء، مكملاً على مضض حربي أفغانستان والعراق، والحرب على “داعش”، ومعلناً عن تقليص عديد القوات الأميركية حول العالم.


وتنهار شهية الولايات المتحدة، للحروب الأبدية، مع اقتراب نهاية العام الأول على وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، والذي يختتم بهزيمة “سياسية”، وليست عسكرية، أمام “طالبان”. ويترافق ذلك، مع ابتعاد 11 سبتمبر 2001، عن ذاكرة الأميركيين، المرهقين بأعداد أكبر بكثير من موتاهم بفيروس كورونا، وبتداعيات التغير المناخي، وبالانكماش الاقتصادي، والقلقين من تأخر البنية التحتية اللازمة في الولايات المتحدة، بشرياً وتكنولوجياً، للبقاء في المرتبة الأولى بوجه الصين. كما تتكاثر التحديات لأميركا، من حروب التكنولوجيا إلى الإرهاب الإلكتروني. ورأى ويليام غاستون، من معهد “بروكينغز”، أن “تركيزنا المفرط على الشرق الأوسط، ألهانا عن القوى الجيوسياسية التي كانت تعمل على إعادة تشكيل العالم على حساب مصلحتنا”. وأضاف: “اليوم علينا أن نواجه تداعيات 11 سبتمبر، ولكن بيد ضعيفة”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً