عماد عبد الحليم: جرعة زائدة من الأحلام الفنية

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر، ذكرى ميلاد الفنان المصري عماد عبد الحليم (1960 – 1995).



عماد عبد الحليم… وتعود بي الذاكرة إلى شريط كاسيت، من ستة أغان، كلما انتهت ثلاث منها، قلبتُ الوجه الآخر لاستكمال بقيّته. لا تزال تلك الأغاني تؤثّث في ذاكرتي نهاية التسعينيات. لا يتعلّق ذلك التكرار بحالة حبّ كانت تشغفني زمن المراهقة، فالأغاني تتحدّث عن الغربة وانكسارات الحياة والحيرة و… الحب. وكان يحدث أنني أضع شريط الكاسيت كخلفية موسيقية لتهيّئ جواً مريحاً لحلّ تمارين الرياضيات. 


يظلّ ذلك المطلع الموسيقي لأغنية “مهما خدتني المدن” أفضل الممرات إلى عماد عبد الحليم. ولنقل إلى يوتوبيا عماد عبد الحليم، بأحلامها المتلألئة من بعيد، وبمسحة الحزن التي لا تفارقها. ثمّ يأخذ الصوت والكلمة المشعل من الموسيقى: “أنا مهما خدتني المدن، وخدتني ناس المدن، تفضل صورتك في قلبي دليلي في المدن”.



يقال إن الروائع الفنية لحظات التقاء أشبه بحلٍّ حدسيّ لمعادلة معقّدة. في تلك الأغنية، لقاء عجيب – أشبه بالذوبان – بين لحن جمال سلامة وكلمات عبد الرحمن الأبنودي وأداء عماد عبد الحليم. تحيل الأغنية إلى مرحلة كان من الممكن فيها لهذه اللقاءات الإبداعية أن تثمر. مرحلة  نعرف اليوم أنها كانت تحتضر بصمت، وتجد في عماد عبد الحليم تعبيرات مكثّفة ولكن هبّة ريح ستُطفئ الشمعة. 


في بداية التسعينيات، وحين كانت أشكال هجينة من الموسيقى قد أعلنت انتصارها الفاجر في الفضاء العام عربياً، كان عماد عبد الحليم قد دخل طوراً من الانسحاب من المشهد، وبدأ اسمه يُنسى بالتدريج. لم يعد صاحب أغنية “الوداع” إلّا مع خبر رحيله المفاجئ عام 1995، وقد أفادت الرواية الرسمية بأن السبب هو تناول جرعة مخدّرات زائدة، فيما ظلّت أطروحات أخرى – منها الاغتيال – واردة. ولكن الأصوات الهامسة لا يمكن أن تأتي بحقائق. 


وحتى لو كانت فرضية الجرعة الزائدة من الهيرويين حقيقة، فإن ذلك الموت الذي اختتمت به رحلة صاحب أغنية “الوداع” يمثّل شهادة قاتمة ضدّ وطن وعصر. لقد فُتحت للفتى منذ بداياته كل أبواب النجاح الفنّي، ومنها تبنّي عبد الحليم حافظ لموهبته ومنحه اسمه له (اسم ولادته: عماد الدين علي سليمان)، بما مكّنه من رأسمال فنّي جاهز وضعه بسرعة في موقع متقدّم في الساحة الفنية، وبعد ذلك رحّبت به السينما فأتاحت لأغانيه أفق انتشار جديد.


وتتالت السنوات والأغاني، حقق خلالها عماد عبد الحليم سويّة فنية نادرة. لا توجد أغنية لا تشبه ملامحه الطفولية الحزينة وظمأه للطمأنينة والحب: “مانيش خاين”، “ما تفوتنيش أنا وحدي”، “غربة الأحباب”، “سفينة رسيت في المينا”، “الضباب”، “الغياب” (…) كان الفنان المصري وهو يجتهد كي يظلّ مشروعه قريباً من ميولاته ومعاييره الإبداعية، يعبّر عن حاجة عربية متواصلة لفن يقدّم إشباعات جمالية ونفسية عميقة، وللأسف بدأت التربة التي تغذّي هذا النوع من المشاريع الإبداعية تتسمّم بالتدريج. وبات ما يقدّمه أشبه بواحة يوتوبية في واقع ديستوبي يتضخّم. وإلى اليوم نسمع أغاني الفنان المصري من هذا المنطلق.


ولذلك حين نتساءل: كيف انغلق قوس حياة فنان ناجح مثل عماد عبد الحليم بتلك القسوة؟ فإننا حيال سؤال لا يحتاج النبش في الحياة الشخصية للفنان، بل يحتاج قراءة عميقة لمكوّنات الفضاء الجماعي الذي نتحرّك ضمنه. ربما رحل عماد عبد الحليم بسبب جرعة زائدة من الأحلام الفنية، وليس بسبب جرعة زائدة من المخدرات…






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً