عمالقة التكنولوجيا يستنفرون: حان وقت حماية الأطفال

مع التطوّر السريع الذي تشهده التطبيقات، لا سيما تلك المتعلّقة بالألعاب والتواصل بين الأطفال، تلوح في الأفق تساؤلات حول أمنها ومدى سلامة محتواها وفقاً لأعمار مستخدميها. الحديث هنا ليس فقط عن تطبيقات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، بل يشمل الألعاب والرسوم الغرافيكية الموجودة في معظم ألعاب “بلاي ستيشن” و”إكس بوكس” وغيرها التي تتيح معظمها الانغماس في تجارب تحاكي الواقع، مع صفحات دردشة صوتية، وكمّ هائل من العنف اللفظي والمرئي.


كيف تحاول مواقع التواصل الاجتماعي حماية الأطفال؟


خلال الفترة الماضية، بدأت شركات تكنولوجية ضخمة باتخاذ إجراءات لضبط ما يُنشر ويبث على تطبيقاتها، عبر إضافة أدوات تتيح للأهل مراقبة وتتبّع ما يشاهده أطفالهم. تطبيق تبادل المقاطع المصوّرة “تيك توك” أوقف الإشعارات للأطفال بعد وقت النوم، وأوقفت “يوتيوب” التشغيل التلقائي للمستخدمين المراهقين، وعطّل تطبيق “إنستغرام” الإعلانات المستهدفة والهادفة للربح لمن هم دون 18 عاماً.


وتحت الضغط، أعلنت “فيسبوك” أنها علقت تطوير نسخة من “إنستغرام” للأطفال دون الثالثة عشرة، لكنها لم تتخلّ عن المشروع تماماً.


كانت الموظفة السابقة في “فيسبوك” فرانسيس هاوغين قد سربت وثائق داخلية سمحت لصحيفة “وول ستريت جورنال”، منتصف سبتمبر/ أيلول، بنشر سلسلة من المقالات حول التأثير المضر لـ”فيسبوك” و”إنستغرام” على المجتمع. ومن أبرز هذه الوثائق واحدة تفصل المشاكل النفسية لكثير من المراهقات. وأظهرت البحوث أن 32 في المائة من المراهقات شعرن بأن استخدام “إنستغرام” منحهن صورة أكثر سلبية عن أجسادهن فيما لم يكنّ راضيات أصلاً عنها. وأكدت المهندسة العاملة سابقاً في “فيسبوك” أن شبكة التواصل مدركة جيداً لهذا الانحراف.


ومثلت هاوغين أمام لجنة برلمانية أميركية، يوم الثلاثاء، في جلسة تمحورت حول هذه المسألة تحديداً. وحثت هاوغين البرلمانيين على وضع ضوابط لـ”فيسبوك”، وهو أمر يعد الكثيرون منهم به بانتظام.




هذه الخطوات تُمهّد لفكر تغييري في موضوع ما يُبث ويُنشر للأطفال وكيف يمكن تحسين المحتوى وتقليل ضرره. لكن لم تلق كلّ الإجراءات ترحيباً واسعاً؛ إذ أعلنت شركة “آبل” أن أجهزتها “آيفون” و”آيباد” ستبدأ بكشف الصور التي تتضمن إساءة جنسية للأطفال وستبلغ عنها فور تحميلها على شبكة الإنترنت، في الولايات المتحدة، في خطوة أثارت قلق المدافعين عن حق الخصوصية، وأثارت الجدل خصوصاً لمخاوف استغلالها لقرصنة حسابات، ما دفع الشركة إلى تأجيل إطلاقها.


لكن لماذا سارعت الشركات كلها دفعة واحدة إلى حماية مستخدميها من هذه الفئة العمرية؟ الجواب ببساطة هو التخوّف من القانون البريطاني الجديد الذي يحمل اسم “قانون التصميم الملائم للعمر في المملكة المتحدة” ويُعرف باسم “قانون الأطفال” Children’s Code.


ما أهمية “قانون الأطفال” في المملكة المتحدة؟


القانون دخل حيز التنفيذ في سبتمبر/ أيلول الماضي، ويضم 15 معياراً تطبق على التطبيقات والألعاب والخدمات التي يمكن أن يلجأ إليها الأطفال في المملكة المتحدة. يمكن فرض غرامات بملايين الدولارات على الشركات التي تنتهك القانون الذي سيؤدي إلى سلسلة من التغييرات التي ستكون ككرة ثلج تصل للأكبر اللاعبين في هذا المجال في “وادي السيليكون”، إذ يرى مراقبون أنه قد يشكل إطاراً لقانون أميركي جديد.


وصرّحت بيبان كيدرون، وهي عضو في مجلس اللوردات البريطاني وناشطة في مجال حماية الأطفال على شبكة الإنترنت، عن القانون: “إذا كان بإمكان تعديل واحد إحداث تغيير مجتمعي، فعندها نستطيع فعلاً صنع تغيير حول العالم، لحماية الأطفال من المحتوى المؤذي والسيئ. التهوّر الذي جرى في العقد الماضي، سنعمل على تغييره. نحن مختلفون”.


“قانون الأطفال” قُدّم كتعديل لـ”قانون حماية البيانات” لعام 2018، وهو تشريع تقني يهدف في الغالب إلى تنفيذ “اللائحة العامة لحماية البيانات” في قانون المملكة المتحدة. تسلّل القانون إلى مجلس العموم، لكنه في مجلس اللوردات خضع لتعديلات لا تعد ولا تحصى. يحظر القانون استخدام تقنيات “التنبيه” التي تهدف إلى تشجيع الأطفال على التخلي عن خصوصياتهم أكثر مما قد يختارون، ويدعو الشركات إلى تقليل البيانات التي تجمعها عن الأطفال، ويطلب منها تقديم خيارات خصوصية للأطفال على أكبر قدر من الحماية.


أمام هذه المتطلبات، توقع الكثيرون ضغطاً مخيفاً من “عمالقة التكنولوجيا” ضد القانون، لكن ما حصل كان العكس. لم تقم أكبر الشركات في العالم فقط بإجراء تغييرات جوهرية على منتجاتها في الأسابيع التي سبقت دخول القانون حيز التنفيذ، بل أنكرت بشدة انتهاكها المعايير هذه، وزعمت أن هذه التغييرات هي ما كانت قد أرادت القيام به منذ زمن. إذ قال متحدث باسم شركة “غوغل” إن تحديثات امتدت إلى ما هو أبعد من أي لائحة حالية أو قادمة، وصرح متحدث باسم شركة “فيسبوك” بأن تحديثها “لا يستند إلى أي لائحة محددة“. أمّا شركة “آبل”، فلم تواجه أي مشاكل في تبرير نفسها في موضوع أي قانون جديد لحماية الأطفال، بسبب صراعها الأزلي في موضوع حماية خصوصية المستخدمين، وعملها الدائم على تحسين تطبيقات الأطفال وجعل أجهزتها أكثر أماناً، مع تحديثات تجعل الأهل قادرين على مراقبة نشاطات أطفالهم وحجب أي محتوى مضر.




لكن ليكون هذا التغيير عالمياً فعلاً، على الحكومات حول العالم إقرار قوانين لتشريع استخدامه، وقوانين تجرّم المخلّين بضوابط وشروط محتوى الأطفال. وبسبب معارضة أي تغيير جديد، لا سيما إذا كان يطاول الربح، كما هي الحال في الإعلانات الموّجهة والمدفوعة في تطبيق “إنستغرام”، فقد دخل القانون حيّز التنفيذ مع القليل من الضجة والاهتمام، باستثناء أولئك الموجودين في أعماق عالم تنظيم سلامة الأطفال. ولا يزال يتعيّن على الشركات الأخرى إدخال تغييرات محددة.


فعلى سبيل المثال، رفض موقع “تويتر” الإجابة عن أسئلة حول كيفية تعامله مع الامتثال للقانون الجديد، وبالنسبة للكثير من النقاد، فإن الشبكة الاجتماعية التي تطبّق القليل من التدقيق على أعمار المستخدمين بعد طلب إدخال تاريخ ميلاد، لم تقمّ بأي مجهود لحماية مستخدميها، لا سيما في المحتوى الجنسي المنتشر على نطاق واسع في منصتها.


ماذا بعد “قانون الأطفال”؟


الخطوات المستقبلية ستكون غير سهلة، وهي في يد مكتب مفوض المعلومات في المملكة المتحدة. فعلى الرغم من أن القانون دخل حيز التنفيذ في الثاني من سبتمبر/ أيلول الماضي، فإن المكتب المذكور يقرّر متى وما إذا كانت ستفرض غرامات على الانتهاكات.




الثغرات التي تهدد أمان وخصوصية الأطفال في الهواتف الذكية كثيرة، فـ”إنستغرام” مثلاً تطلب من جميع المستخدمين إدخال تاريخ ميلادهم عند إنشاء حساب. لكن المستخدمين الأطفال يستطيعون بكل سهولة ادعاء أنهم أكبر سناً، وبالتالي يصبحون عرضة لباقات وخدمات وتنبيهات غير مناسبة لأعمارهم، من دون أن تستطيع المنصة التحقق من أعمارهم الحقيقية.


نجاح مرور “قانون الأطفال” أصبح من الماضي. ينصب الاهتمام حالياً على تنظيم الإنترنت الرائد الحقيقي للحكومة، وهو قانون الأمان على الإنترنت. وتقول كيدرون في تصريحات صحافية: “ليس من المهم أن يكون الأطفال في رواندا، أو كينيا، أو برلين، أو لندن، لأنهم جميعاً يستخدمون الخدمات نفسها المصمّمة بالطريقة نفسها، ولديهم التجربة نفسها. تُصمم هذه التكنولوجيا عبر تنسيق تجربة الطفولة وتوحيدها. ولا أعتقد أن الناس فهموا ذلك”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً