"عن الأبدية" لروي أندرسن: رؤية قاتمة للوجود

في “عن الأبدية”، أحدث أفلامه، يستمرّ السويدي روي أندرسن (1943) في رصد البشر وأفعالهم، والتأمّل عبر هذا في الوجود الإنساني، وإنْ تكن رؤيته للوجود قاتمة، كالعادة. في جديده، وهو ليس جديدًا كليًا، يواصل أندرسن العزف على النغمات الممتعة نفسها، الحاضرة في ثلاثيته السابقة: “أغاني من الطابق الثالث” (2000)، “وأنت، العيش” (2007)، “وحمامة جلست على غصن تتأمّل الوجود” (2014). 
يمكن اعتبار “عن الأبدية” ـ الفائز بجائزة “الأسد الفضي – أفضل إخراج”، في الدورة الـ76 (28 أغسطس/آب ـ 7 سبتمبر/أيلول 2019) لـ”مهرجان فينسيا السينمائي الدولي” ـ تلخيصًا موجزًا لثلاثيّته. المتشوّقون لجديدٍ أو مُغايرٍ لن يشبع نهمهم أو يثير فضولهم الكثيرُ مما جاء فيه، وهو أقلّ ألقًا وقدرة على الإدهاش من سابقيه. لذا، من لم يشاهد الثلاثية، يمكنه الاكتفاء باللوحة العامة في “عن الأبدية”، وإن يفضي الإمعان في مشاهدة تفاصيل اللوحة، أي الثلاثية، إلى متع فلسفية وبصرية وروحية لا تُقارَن. في النهاية، هذا لن يخرج عن الإطار العام لـ”عن الأبدية”.

هناك علاقة ذهنية، قبل أن تكون بصرية، تجمع بين طريقة شغل أندرسن وتفكيره، والفن التشكيلي. هذا الأخير، كما هو مُلاحَظ، مُحفِّز ومُلهم لإبداع المخرج، الذي لم يُخف أنّ لوحة “صيادون في الثلج” (1865)، للهولندي بيتر بروغل (1525 – 1569)، أحد أعظم فناني عصر النهضة الفلمنكيين، حافزٌ لإبداع رائعته “حمامة جلست على غصن تتأمّل الوجود” (“الأسد الذهبي” في مهرجان فينيسيا، 2014).

في “عن الأبدية”، يظهر تأثّر أندرسن بلوحة “فوق المدينة” (1914)، للروسي مارك شاغال (1887 – 1985): زوجان، في مشهدين منفصلين (أحدهما هو مشهد الافتتاح)، يُحلّقان مُلتصقين أحدهما بالآخر فوق إحدى المدن. ربما هما آدم وحواء، يُراقبان أفعال البشر. على عكس لوحة شغال، التي تشعّ حيوية وبهجة بسبب ألوانها، يُثير مشهدا الزوجين حزنًا. أحد المشهدين يلتقط مدينة بائسة بلا روح، يُغلّفها الضباب الاسكندنافي الرمادي المعهود. مشهد باعث على الكآبة والانقباض. وما يزيد قتامته وجوم الزوجين، وهما يراقبان البشر وأحوالهم.
إلى المشهدين، الجديدين نسبيًا على سينماه، يستخدم روي أندرسن، للمرّة الأولى في مسيرته، تعليقًا صوتيًا. قبيل كلّ مشهد أو مع افتتاحه، يوضح التعليق ما سيراه المُشاهد، إذْ تُعَلِّق الراوية (جيسيكا لوثاندر)، بصوت تقريريّ بارد، قائلةً: “رأيتُ رجلاً فَقَد طريقه”، و”شاهدتُ رجلاً لا يعرف ما يريد”، و”رأيتُ شابًا يبحث عن الحب”، و”رأيتُ امرأةً لا تعتقد أنَّ أحدًا ينتظرها”، إلخ.


فنيًا، باستثناء ما سبق، هناك أسلوب اندرسن، الفريد بجمالياته المعهودة: انعدام السرد الخطي، والحضور المتعارف عليه للحبكة، والآليات المعتادة للدراما. فالفيلم قائم على مَشاهد متّصلة – منفصلة، يسرد كلُّ واحد منها، في لقطات مُهندسة بدقّة، كلّ ما يلفت نظر المخرج حول السلوك البشري. لقطات لا يتخلّلها أيّ مونتاج، تُظهر الشخصيات بشكلٍ متوسطيّ، وترصد أرواحًا ضائعة، وقلوبًا وحيدة، وعلاقات متقطّعة، وتواصل شبه معدوم. كما تُبرِز وتُؤكد حضورًا دائمًا للغرابة والاغتراب والانفصال والوحدة، حتّى في مَشاهد تجمع الزوجين أحدهما بالآخر.

بعض مَشاهد “عن الأبدية”، وسينما روي أندرسن عامة، تُثير ضحكات، وتستدرّ إشفاقًا. لكن المخرج لا يرمي إلى هذا، فغايته الدفع إلى التساؤل، وتأمّل مآزق الشخصيات، وأزمات الناس. مَشاهد توصف بـ”الاسكتشات” أيضًا، من دون خروج قصصها عن مألوف ثلاثيته تحديدًا. هنا تركيز أكثر على قصّة كاهن فاقدٍ لإيمانه، يذهب إلى الطبيب لمعالجته، أو لإرشاده على ما يتعيّن عليه فعله، في إشارة إلى البحث عن خلاص، جراء أزمة إيمان مُروّعة، يُصاب بها رجال الدين أيضًا، بينما لا يقدِّم العلم حلاً ناجعًا، إذ يعتذر الطبيب عن مقابلة الكاهن المنهار، لاقتراب موعد الحافلة، وضرورة اللحاق بها.

العودة إلى التاريخ، خاصة إلى الحروب والجيوش والقادة المَشاهير، في تاريخ السويد أو اسكندنافيا، تظهر بطريقة عابرة، لا تخلو من سخرية ومغزى. في “عن الأبدية”، هناك مسيرة لا نهاية لها لجنود يسيرون، إلى جهة مجهولة، في الصقيع، ويواجهون عاصفة ثلجية رهيبة، ربما هذه إشارة إلى الحرب العالمية الأولى. لكنّه يشير بصراحةٍ إلى الحرب العالمية الثانية، بإظهاره هتلر في خندقٍ، قبل نهايته المعروفة. مشهد يسبقه تعليق الراوية: “رأيتُ رجلاً أراد غزو العالم، وهو يعرف أنه سيفشل”. بخلاف تلك التأكيدات المشهدية، لا جديد لافتا للانتباه.

مَشاهد كهذه تدور، كالعادة، في أماكن معهودة: مكاتب مغلقة ومقاهٍ ومحطات قطارات وشوارع. أماكن تستدعي، أعمال الرسّام الأميركي إدوارد هوبر (1882 – 1967). لكن، بخلاف أماكن هوبر، فإنّ أماكن سينما أندرسن مُجرّدة تمامًا، بـ”طريقة أندرسونية” يصعب مُحاكاتها، فهي عارية من كلّ الزوائد، حتّى من الظلال، إلى درجة تُثير شعورًا بأنّها أماكن مُفرَّغة حتّى من الهواء.

يزيد من وقع تأثير تلك الأماكن، الإضاءة الكالحة، والدرجات اللونيات الباهتة للديكور والملابس وغيرها، المائلة أساسًا إلى البني والرمادي والـ”بيج” والأخضر الأوكسيدي. كذلك، الأداء الميكانيكي للشخصيات، وطريقة كلامها وكيفية تلفّظها للحوارات. هناك أيضًا الصبغة اللونية المائلة إلى البياض الرخامي، بياض الموت، الذي يصبغ أندرسن به أبطال أفلامه دائمًا.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *