عن التشابه والنُطق السينمائيّين: تقليدٌ أم تمثيل؟

مسألتان سينمائيتان تُطرحان بين حينٍ وآخر: أيكون التشابه، شكلاً ولفظاً وحركةً ونُطقاً، ضرورياً بين ممثل/ممثلة وشخصية معروفة، يؤدّي دورها في فيلمٍ أو مسلسل؟ ماذا يُفيد تعاوناً بين مخرجٍ/مخرجة من بلدٍ عربيّ وممثلٍ/ممثلة من بلدٍ عربي آخر، لتأدية شخصيةٍ منبثقة من المحليّ، بمكوّناته الاجتماعية والثقافية والسلوكية واللغوية، ما يستدعي من الممثل/الممثلة، إلى أمورٍ أخرى، نُطقاً سليماً للّهجة الأساسية للمحليّ؟


 


عالم “العرّاب”


سلسلة تلفزيونية جديدة بعنوان The Offer (ابتكار مايكل توكان. إنتاج “باراماونت بلاس”، التي تعرضه منذ 28 إبريل/نيسان 2022. موسم واحد في 10 حلقات. علماً أنّ OSN Showcase تعرضه حالياً على شاشتها)، تتناول كيفية تحقيق مشروع “العرّاب” (1972) لفرنسيس فورد كوبولا، بتفاصيل كثيرة، تنفتح على السينمائيّ والماليّ والمافياويّ والسياسيّ، كما على سلوك هوليوود ولياليها وحيويتها.


قراءة السلسلة، نقدياً، تحتاج إلى مُشاهدة الحلقات كلّها. لكنّ سؤالاً يُطرح، انطلاقاً من اختيار ممثلين/ممثلات لتأدية أدوار/شخصيات معروفة، معظمها حيٌّ إلى الآن. شخصيات فاعلةٌ في استديوهات أساسية، كما في الغناء والمافيا الإيطالية، وأخرى لها مصالح عميقة، في المال والصفقات.


التشابه المطلوب بين ممثلين/ممثلات وشخصيات معروفة، لن يكون جوهرياً بالمطلق، فالتمثيل أساسيّ، ولا بأس بقليل من التشابه (ماكياج)، خاصة في مسائل متعلّقة بذات الشخصية، نفسياً وسلوكياً وحركات (تمثيل حِرفي). التشابه جزءٌ من أداء شخصياتٍ حاضرة واقعياً في الحياة الأميركية، من دون أنْ تُعرف وجوه بعضها وأشكاله، بالنسبة إلى كثيرين/كثيرات، كرجال المافيا الإيطالية. التشابه في الشكل يحتاج من الممثل/الممثلة جهداً في إضفاء سمات أخرى على الشخصية، أبرزها طريقة التحدّث، وكيفية النُطق، وأسلوب الحركة والنظرات والتواصل.


هذا أساسيٌّ في فنّ التمثيل، ومتطلباته المختلفة، لكنّ وجوده يجب ألاّ يجعل التشابه تقليداً، فيختفي التمثيل.


بعض الممثلين، كدان فوغلر (فرنسيس فورد كوبولا) وباتريك غالّو (ماريو بوزو) وفرانك جون هيوز (فرانك سيناترا) وأنتوني إيبّوليتو (آل باتشينو)، يغرق في تقليد الشخصية الأصل إلى حدّ الإضحاك المُثير للسخرية، خاصة مع مُبالغةٍ في تأدية الدور، ومحاولة بلوغ أقصى حدّ في تقديم الشخصية الحقيقية كما هي في الواقع، ما يعني إلغاءً شبه كامل للجانب المهني ـ الحِرفيّ في التمثيل.


التقليد خانقٌ. محاولة إظهار الشخصية الحقيقية، من دون جهدٍ في إظهار ما يملكه الممثل من أدواتٍ ومعرفةٍ واشتغالاتٍ، فاشلة. إلغاء الحدّ الفاصل بين الدور والتمثيل مطلوبٌ، لكنْ من دون إلغاء أحد الطرفين في تقديم الشخصية. التكامل بين الممثل والشخصية أساسيّ، شرط أنْ يبتعد الأول عن الأصل الحقيقي للثانية، فيُتيح للتمثيل حيّزاً، يُفترض به أنْ يكون أساسياً. مُشاهدة هؤلاء في لقطات عدّة، في أكثر من حلقة، تُثير سخريةً إزاء تقليدٍ يكاد يُصبح تهريجاً لشدّة المبالغة والتصنّع في التماهي بالأصل. هذا يحول دون متابعة حيوية للأحداث، ولمواقع الشخصيات فيها، أو في صُنعها. خاصة أنّ السلسلة معنيّة بإنجاز أحد أهمّ “أفلام المافيات”، إنْ يصحّ وصف رائعة كوبولا هكذا، انطلاقاً من أحداثٍ مختلفة تجري في أمكنة الإنتاج والكتابة، كما في محيطهما (المافيا ونفوذها ومصالحها السياسية). تُبرز السلسلة، من أمورٍ أخرى، حماسة كوبولا لرواية بوزو، وتحليله نصّها وشخصياتها، وكيفية إخراجها من عالم المافيا المتداول سينمائياً، إلى الأعمق والأهمّ، أي أنْ يكون فيلماً عن عائلةٍ وإرثها المافياوي، وعن رأسمالية وتفكيكها، وعن تحوّلٍ (مايكل كورليوني تحديداً) من “الظلمة إلى النور”.


 




 


هذه مسائل مهمّة، ومُثيرة لمُشاهدةٍ يُفترض بها مواكبة مسارٍ مرتبك وضاغطٍ، يؤدّي ـ بعد مخاطر وصراعات وتحدّيات ـ إلى تحقيق أحد أهمّ أفلام كوبولا وأجملها. السلسلة تُنجز في ذكرى مرور 50 عاماً على إنتاج “العرّاب”، الذي يُعاد عرضه تجارياً، في بلدانٍ مختلفة، بنسخة مُرمّمة. من تلك المسائل: شخصية ماريو بوزو، وعلاقته بالأكل والشرب والكتابة. المنتجون ألبرت أس رَدِي (مايلز تَلِر) وروبرت أفانز (ماتيو غوود) وباري لابِدُس (كولن هانكس) مثلاً، بأمزجتهم وأحلامهم وتزمّتهم وأنماط اشتغالاتهم ونزاعاتهم، بالإضافة إلى حياتهم الليلية والعاطفية. حماسة كوبولا للرواية. نزق فرانك سيناترا وغضبه وجنونه واستعداده الدائم لممارسة العنف، وأيضاً علاقته بالمافيا، وحقده على ماريو بوزو بسبب شخصية جوني فونتين في الرواية، لاعتباره أنّها هو. أسلوب حياة المافياوي الإيطالي جوزف كولومبو (جيوفاني ريبيزي) وعمله، وعلاقته بقادة المافيا الإيطالية، وسخطه على الرواية.


مسائل كهذه تكشف عوالم وانفعالات وتفاصيل، بعضها يُشوَّه بسبب تقليد تمثيلي، بدلاً من الحِرفية/المهنيّة التمثيلية، رغم أنّ ممثلي شخصيات المنتجين أقلّ تقليداً، أي أكثر تمثيلاً. أما ريبيزي، فغير مختلف عمن يُقلِّد بدلاً من أنْ يُمثِّل، رغم ما لديه من مفردات تمثيلٍ، يحترف غالباً تقديم شخصياتٍ، لن تكون كلّها حقيقية/واقعية، لكنّ تمثيله يجعلها هكذا.


 


عن تمثيلٍ مطلوبٍ


تاريخ السينما والتلفزيون، في أميركا والعالم، حافلٌ بأمثلةٍ متناقضة. الأهمّ، فنياً ودرامياً وجمالياً، كامنٌ في كيفية انعكاس براعة التمثيل، بفضل حِرفيّة الممثل، في تأدية الدور/الشخصية: أنتوني هوبكنز، مثلاً، في “نيكسون” (1995)، وكولن فارل في “الإسكندر” (2004)، والفيلمان لأوليفر ستون. هوبكنز نفسه يؤدّي دورين/شخصيتين معروفتين، ببراعة تمثيلية آسرة، تُدخِل المُشاهِد إلى أعماق ذاتٍ وروحٍ، وإلى مسالك فردٍ وأمزجته ومخاوفه وارتباكاته، متّخذاً من التمثيل أداة وحيدة لتماهٍ متخيَّل مع الشخصية: بابلو بيكاسو في Surviving Picasso لجيمس إيفوري (1996)، وألفرد هيتشكوك في “هيتشكوك” (2013) لساشا جيرفيزي (مع الإشارة إلى تفاوتٍ في القيم الفنية والدرامية والجمالية بين الفيلمين). هناك أيضاً ماريون كوتيار في La Mome (عن إديث بياف، 2007) لأوليفييه دَاهان.


البعض يقول بتماهٍ كبيرٍ مع الأصل، من دون التخلّي عن فنّ التمثيل: أحمد زكي أفضل مثلٌ عربيّ، في هذا الإطار تحديداً (بل في الأطر كلّها)، خاصة في تأديته طه حسين في المسلسل التلفزيوني “الأيام” (1979) ليحيى العلمي، وشخصيتي جمال عبد الناصر في “ناصر 56” (1996) لمحمد فاضل، وأنور السادات في “أيام السادات” (2001) لمحمد خان. أداؤه، هذه الشخصيات وغيرها كثيرٌ، درسٌ في التمثيل.


أسوأ الحاصل كامنٌ في السقوط في التقليد البحت، وتناسي التمثيل. الأخطر يتمثّل ببلوغ التقليد حالة التهريج. هذا يظهر، أحياناً، في مسألة اللهجة العربيّة، التي ينطقها ممثل/ممثلة ينتمي إلى بلدٍ عربيّ آخر، في فيلمٍ يرتكز على حالة أو قصة أو انفعالاتٍ خاصة ببلد عربي، ذي اللهجة المختلفة عن لهجة بلد الممثل/الممثلة. اختيار نجومٍ عربٍ للتمثيل في أفلامٍ عربية من دول أخرى حاجة سينمائية، لأنّ عاملين/عاملات عرب كثيرين في صناعة الأفلام العربية، يمتلكون طاقاتٍ سينمائية، في المهن كلّها، يحتاج إليها هذا المشروع أو ذاك، وفقاً لرؤية المخرج/المخرجة أساساً، والجهة الإنتاجية أحياناً. لكنّ المأزق كامنٌ في تحوّل النطق بهذه اللهجة إلى ما يُشبه التهريج أيضاً، فتُصاب المُشاهَدة بعطب التواصل السوي مع عوالم معروفة، غالباً.


سيُقال إنّ هذا غير مهمّ، وإنّ المُشاهد الغربيّ غير مُنتبهٍ وغير مبالٍ، فالأهمّ، عربياً وغربياً، أنْ يستوفي الفيلمُ شرطه الفني، المنفتح على المهنيّ والدرامي والجمالي. هذا يصحّ في أفلامٍ عربية، تبتعد نصوصها عن المحليّ الصرف، وعن صنع شخصياتٍ تعكس هويات وجنسيات، وتُقيم في بلدٍ عربيّ آخر. مثلٌ أول: الفلسطيني في أفلامٍ لبنانية، تُعنى بالحرب الأهلية (1975 ـ 1990)، أو بأحوال الاجتماع والثقافة والذاكرة والتاريخ. مثلٌ ثانٍ: علاقات مختلفة، عائلية أو مجتمعية أو اقتصادية مثلاً، بين عربٍ في بلد عربي أو أكثر. أمّا اختيار ممثلٍ فلسطينيّ لتأدية شخصية لبنانية فغير ناجعٍ، إنْ يُحصَر الاختيار في النجومية أو الحِرفية، وهذه الأخيرة يُفترض بها أنْ تؤدّي، بعد تدريباتٍ، إلى نُطقٍ سليم يتكامل مع الشخصية في اجتماعها وعيشها وتربيتها وسلوكها.


 




 


تأدية الفلسطيني علي سليمان دوراً أساسياً في “النهر” (2021)، للّبناني غسان سلهب، غير محتاجٍ إلى تدريبٍ على النُطق، لأنّ الشخصية غير لبنانية، أو بالأحرى غير مُحدّدة هويتها وجنسيتها بشكل مباشر. حِرفية التمثيل تساهم في صُنع فيلمٍ، يُثير متعة مُشاهدة، ويحرِّض على طرح تساؤلاتٍ عدّة. اختيار صالح بكري لتأدية زوجِ اللبنانية نادين لبكي، في “كوستا برافا” (2021)، للّبنانية مُنية عقل، مقبول ومُبرّر، رغم خللٍ بسيطٍ في نطق اللهجة اللبنانية، لأنّ هناك إمكانية أنْ يكون الزوج غير لبناني، وهذا عادي. لكنّ لبكي، التي تؤدّي دوراً في “روك القصبة” (2013)، للمغربية ليلى مراكشي، تجهد في نطقٍ سليمٍ للهجة مغربية صعبة. حِرفيّة تمثيلية لها تُخفِّف من خلل النطق، وهذا مهمّ أيضاً. المغربية لُبنى آزابال، التي تُشاركها بطولة الفيلم نفسه، تعجز عن تأدية دورِ شابّة فلسطينيةٍ، في “الجنّة الآن” (2005)، للفلسطيني هاني أبو أسعد. ثقل لكنتها، وفقدانها كيفية قول الكلمات الفلسطينية، يحولان دون تأدية أبرع لدورها. التمثيل عندها حِرفيّ، ومشاركتها الأخيرة في “بين الأمواج” (2021)، للمغربي الهادي أولاد مهند، يكشف كثيراً من حِرفيّتها هذه.


تأدية اللبنانية دارينا الجندي دوراً رئيسياً في “كلشي ماكو” (2021)، للعراقية ميسون الباجه جاي، يؤكّد أنّ الحِرفيّة/المهنيّة تزداد بهاءً، مع تمكّن الممثلة من نطقٍ سليم، إلى حدّ كبير، للّهجة العراقية. لبنانية أخرى، تُدعى مروة خليل، تخضع لتدريباتٍ على اللهجة المغربيّة، لتأدية دور أساسيّ في “أنديكو” (2018)، للمغربية سلمى بركاش.


التدريبات تساهم في تحقيقٍ أسلم وأهمّ لأي عمل، والإلقاء فنٌّ بدوره، يحتاج إلى مفردات وتمارين، وهذا لا علاقة له باللهجة/اللغة فقط، بل بكيفية قول الكلمات، ومعظمها يُعبِّر عن حالة أو انفعال أو موقف أو رأي، والنطق يعكس هذا كلّه. التدريبات حاصلةٌ في “باب الشمس” (2004)، للمصري يُسري نصرالله. الفلسطينية هيام عبّاس تُدرِّب على نطقٍ سليم للمحكية الفلسطينية، لكنّ التونسية الإسبانية ريم التركي، مثلاً، تعجز عن تحقيق المطلوب، فيرتبك أداؤها للشخصية الفلسطينية.


أمثلةٌ عربية أخرى: “المترجم” (2020)، للسوريَّين رنا كزكز وأنس خلف. الموضوع سوريٌّ، والغالبية الساحقة من شخصياته سورية، ووقائعه سورية آنيّة (“ثورة 18 آذار” 2011، وما تلاها من حربٍ وقتل وتدمير وتهجير). اختيار المخرِجَين ممثلين عرباً لتأدية شخصيات سورية غير موفِّق على مستوى اللهجة/اللغة، رغم أنّ للجانب التمثيلي شيئاً من أداء متجانس مع الدور، ومع ما يُعانيه المرء من أهوالٍ ومطبّات ومخاطر. أبرز هؤلاء الفلسطيني زياد بكري، مؤدّي الدور الأساسي. تواضع التمثيل لن يحول دون تنبّه إلى ما في الأداء من صُنعة قابلةٍ لبلورة وتطوير. فلسطينيان آخران، لأحدهما (رمزي مقدسي) مساحة تمثيلية أكبر بقليل من المساحة الممنوحة للثاني (كمال الباشا). لكنّ صِغر حجم ظهورهما، قياساً إلى آخرين، يُخفِّف من مُشكلة النطق.


اللبنانية يُمنى مروان تتأقلم مع أدوارٍ تُمنَح لها، فتمنح الأدوار ما يُحصِّنها من الوقوع في مبالغةٍ أو تصنّع. حسّها التمثيلي يتوافق وإمكانيّة نطقها للهجةٍ عربية، واختباراتٌ سابقة على “المترجم” تكشف هذا: “شارع حيفا” (2019) للعراقي مهنّد حيال، و”الطابق الخامس غرفة رقم 52″ (2015) للأردني يحيى العبدالله.


 


قراءة ذاتية


هذه أمثلة. هذه قراءة ذاتية لن تكون قاعدة ثابتة، فكثيرون/كثيرات غير مكترثين بتشابهٍ بين ممثل وشخصية معروفة، وبنطقٍ سليم للهجة عربية. حِرفية التمثيل أهمّ وأعمق وأقدر على المسّ بمسام جسد الشخصية، وروحها وعقلها وانفعالها وهواجسها. الميل إلى إكمال الحِرفية بابتعادٍ عن التشابه/التقليد، وبنطقٍ سليم، منبثقٌ من حساسية خاصة إزاء تواصل مع نصٍّ سينمائيّ عربيّ. عدم فهم لهجات/لغات عربية مختلفة، كتلك التي ينطقها مغاربةٌ وخليجيون بالنسبة إلى أهل المشرق، تطرح سؤال التواصل العربي العربي، سينمائياً على الأقلّ. شبكات تلفزيونية عربية، قليلة للغاية، تعرض أفلاماً من المغرب العربي مثلاً، مع ترجمة إلى العربية الفصحى.


الاستماع إلى نبض اللهجة/اللغة أساسيّ في المُشاهدة، لتمكّن النبض من إشراك المُشاهِد، أكثر فأكثر، في العوالم الخاصة بالشخصية، نفسياً واجتماعياً وسلوكياً. تمثيلُ شخصية معروفة أجمل وأعمق من التشابه معها أو تقليدها، وأقدر على إزالة عوائق جمّة بين مُشاهِد وفيلم.


تساؤلات كهذه غير مُنتهية. إنّها جزءٌ من نقاشٍ مفتوح.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً