"عودة دانتون"… هل للحياة أن تستمر بعد كل هذه الدماء؟

للمسرح أسبقيةٌ تاريخية في ممارسة السؤال وصياغته انطلاقاً من جدلية العلاقة بين الفرد والتاريخ وموقفه منه. فأوديب يتساءل عن القاتل، وهاملت يسائل فعل القتل بحد ذاته، ودون جوان يصوغ سلوكه سؤالاً للعصر. ودانتون الثورة الفرنسية يشكك بالـ “الحرية” و”المساواة”، و”الإخاء”… تلك الكلمات السحريّة التي خلقت مقصلة روبسبيير. شعارات لبست مسوح القداسة بما حملته من بداهة المعنى، وانطلقت كالأحلام وانتشرت كالعدوى المحمومة على ألسنة الجماهير، إلاّ أن غموضها ومراوغتها لا علاقة لهما ببديهيتها، وإنما بتعدد آليات تطبيقها وتعريفها، ضمن مجتمع معين في لحظة تاريخية ما.


افتتح هذا العام، في لندن، مهرجان “شباك”، بنسخته الجديدة التي حملت عنوان “نافذة على الثقافة العربية المعاصرة”، إذ قرر المنظمون بث العروض على شبكة الإنترنت، بهدف إتاحة إمكانية الوصول لمزيد من المتلقين، بسبب انتشار جائحة كوفيد-19. وفي إطار هذا المهرجان، عُرضت مسرحيّة “عودة دانتون” من 20 يونيو/حزيران حتى 17 من الشهر الحالي، للكاتب المسرحيّ السوري مضر الحجّي، والمخرج عمر العريان.


يستند العرض إلى قراءة الكاتب الألماني جورج بوشنر عام 1835 للثورة الفرنسية، في مرحلة الرعب الثوري ومقصلتها التي ابتلعت أبناءها ومفاهيمها وشعاراتها، في نصّه “موت دانتون”. يعيد العمل قراءة الصراع بين دانتون الذي يمثل الوجه المعتدل والإنساني للثورة، وروبسبيير وما يمثله من تطرف واستبداد الحرية وشرعية الفضيلة.


يتم الربط مع الثورة السورية والربيع العربي، من خلال حكاية فرقة مسرحية سورية تعمل على النًص نفسه للحصول على منحة تمويل من إحدى الجهات والمؤسسات الثقافية في برلين. يبدأ العرض بتجربة عرض، حيث دانتون وجولي في الماخور وروبسبيير على شاشة الإسقاط يخطب بالجماهير. وتأخذ بعدها الأحداث تتشابك وتتفاعل بين النص الأصلي، بوصفه موضوع عمل الفرقة، وواقع العمل المسرحي ومشاكل الممثلين، باعتبارهم مهجرين ولاجئين ومنفيين.


وبذلك، تتجاوز المعالجة التاريخ والحاضر والجغرافيا، نحو قراءة بانورامية للثورة، شكلاً ومضموناً، على ضوء المفاهيم الملتبسة والفضفاضة، من حيث الممارسة والتعريف، انطلاقاً من سؤال الدرماتورج (رهف/أمل عمران) للمخرج (إياس/كنان حميدان) عن دافعه لاختيار النّص، وجه التشابه بين الثورة الفرنسية والثورة السورية.




ركزت العروض المسرحيّة السورية في السنوات الأخيرة، على السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي فجّر تاريخ 15 مارس/آذار من عام 2011، فمعظمها تناول القمع والاعتقال والعنف، وبعضها ناقش مشكلات النزوح والهجرة واللجوء. لكن أيّا منها لم يناقش هذه القضايا مجتمعة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من ذاك التاريخ، وديالكتيك الثورة السورية بمكوناته وسماته المتعارضة والمتفاعلة التي خلقت تصنيفات وثنائيات لا تكف عن التوالد السياسي والاجتماعي. وغالباً ما كانت تغيب وجهة النظر النقدّية والموضوعية للثورة ومجرياتها، تحت ضغط الانفعال والغضب، الفقد والخسارة، الحنين والحرية، وتسارع المتغيرات والمواقف والمصالح الدولية من الحرب السورية وتبعاتها الإنسانية. فبقيت مسائل وقضايا عالقة حتى الآن، خاصة في ما يتعلق بموقف الغرب، ممثلاً بمؤسساته وسياساته، معوناته ومساعداته، خدماته وضرائبها، أهدافه ومآربه.


وما يميز عرض “عودة دانتون”، من حيث المعالجة الفنية والفكرية، كثافة أسئلته، بداية عن الثورة ومسارها المعقد بالتلاقي مع حكايات اللجوء والهوية، عبر ثلاثة مستويات مختلفة للحكاية، فالمستوى الأول يرتكز على نص بوشنر الذي يناقش مسار الثورة الفرنسية عبر رجلين من قادتها هما دانتون وروبسبيير، وتحولات الثورة بين الشعارات وآلية التطبيق، فالثورة تهدف إلى تغيير الأحوال السائدة لحظة قيامها، وتشكل ذروة تأزم لوضع ما سابق عليها، وبذلك تكون نتيجة حتمية له. أما لماذا تنادي بمجموعة من الشعارات دون غيرها؟ لأن هذه الشعارات تشكل حاجة وضرورة ملحة لها في هذه اللحظة التاريخية.


لكن هل يحتمل أن يقترن الاستبداد بالحرية؟ وأن تحكم الفضيلة عن طريق الرعب؟ وأن تعيد الثورات استخدام أدوات الأنظمة التي قامت ضدها؟ تلك هي النظرة المتشائمة لنص بوشنر الذي انتهى بموت دانتون، المنادي بتصحيح مسار الثورة عبر الاعتدال. ومعه، نصبح أكثر قدرة على فهم السؤال وأبعاده.. لماذا عاد “دانتون” خطيب الثورة الفرنسية ضد الملكية و”بريوش” ماري أنطوانيت؟ هي محاولة تنطوي على اختيار البوصلة المناسبة للأسئلة الصحيحة وطرحها بالرغم من قسوة الإجابة واحتمالاتها.


يطرح المستوى الثاني للعرض، المتمثل في البروفات والعملية المسرحية بعناصرها وأدواتها ومهامها، أسئلة أكثر واقعية عن علاقة وثيقة مع الممثلين وتوزيع الأدوار وطبيعة المهنة. وبذلك، يتخذ العرض رؤيةً إخراجية تقوم على كشف الصنعة وآليات الاشتغال المسرحي، بالاعتماد على تقنيات المسرح داخل المسرح، والوسائط الفنية المتنوعة في العرض، ما يخلق فضاءً شرطياً، متحولاً، وعابراً للزمن والخاص والعام، على ضوء السؤال المطروح: ما هو وجه التشابه بين الثورتين السورية والفرنسية؟ يتكرر السؤال ضمن مراحل العمل، محرضاً الذاكرة للبحث والتساؤل حول اللحظة التي تحولت فيها الثورة من شعاراتها السلميّة إلى فصائل وميلشيات مسلحة مدعومة من أصحاب المصالح، وسط أصوات معارضة تحذر وتشجب ذاك التحول، وترى فيه مقتل الثورة ومدفنها. فإن مرحلة الرعب الثوري مرحلة مشتركة بين الثورتين، فالعنف وتعسف الدكتاتوريات سمة واضحة لما حدث في سورية (الجمهورية) وفرنسا (الملكية).




لا يرى إياس ضرورة للإجابة الآن، فالمهم هو الحصول على التمويل، وفرصة لمشروعه المسرحيّ. لولا أن سؤال الممثل (رضا/محمد آل رشي) عن الآلية التي اختير وفقها لأداء دور روبسبيير يضاعف الحاجة للإجابة؛ إذ تتناقض أحياناً، وتنسجم، تارة، الشخصيات في تكوينها ورغباتها ومبادئها المهنية أو الذاتية مع دكتاتورية المخرج وتقييمها للفرصة نفسها. فالممثل (ستيف/محمد ديبو) يرى في موسيقاه وما تمثله بالنسبة له من تحرر على المستوى الشخصي، نقطةً يتقاطع فيها مع دانتون، ويرفض التوقف عن تدخين الحشيش في البروفات. يخلق الأمر مشكلة تحلّها عقلانية ومنطق الدراماتورج، إذ تساوم وتفاوض لتبقى البروفات مستمرة، على الرغم من كونها مبعدة عن مهمتها الأساسية ومقصاة عن وظيفتها المهنيّة. فتصبح البروفا والعملية المسرحية انعكاساً لديناميات الثورة بمستواها الفردي والذاتي، ومستواها الاجتماعي والسياسي والتاريخي.


لعب ترتيب المشاهد دوراً كبيراً في إيجاد تشابهات بين الخاص والعام، فأصبح كل مستوى يكمل الآخر، أو يتخذ سبباً لطرح سؤال جديد. فمشهد المواجهة بين دانتون وروبسبيير يتبعه مشهد المواجهة بين المخرج والدراماتورج، حول سيطرة المخرج على العمل المسرحيّ الذي يعتبر جماعياً. خلق الأمر مستوى ثالثاً للعرض يتعلق بالحياة الشخصية للممثلين، والأسئلة الشخصيّة والأحلام وجدوى فعلها وخياراتها. فاللغة هي التي أعاقت إياس من فهم نص “موت دانتون”، حينما كان طالباً في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، لكون فضاء السلطة عمل على تغريب مفهوم الثورة، ومصادرته على مستوى الفكرة والإمكانية والممارسة. وتمنع رهف من فهم الدعوة الموجهة إليها من إحدى ورشات المسرح في برلين، وتجد نفسها مضطرةً لإعادة تعريف نفسها وسط الخيارات المفروضة وقوانين اللجوء، فتصبح تطبيقات القواميس وبرامج الترجمة سجناً وخلاصاً في مسألة التواصل والاندماج مع البيئة والوسط الاجتماعي والثقافي، بينما رضا يعاني من مثالية مبادئه المعارضة للعمل في الإنتاجات التلفزيونية العربية المشتركة، طالما أنها تضم مؤيدي النظام الذي تسبب في تهجيره وشتاته، وسط ضغوط العائلة والاحتياجات المادية.


تتبلور المشكلات والصعوبات والأسئلة المتعلقة بالهجرة واللجوء والثورة وتزداد كثافةً، وفق علاقة عضوية مع النص الأصلي والحياة اليومية للممثلين وآلية العمل المسرحي، وهو ما تطلب وسائط فنيّة جديدة ومناسبة لحبكة العرض بصيغته كـ presentation، للحصول على تمويل. فيندمج الوسيط المسرحي في مشهد الماخور بين (جولي/رهف) ودانتون، مع خطابات روبسبيير أمام الكاميرا، وتبدو اللقطات والكادرات تجريبية، ساخرة من الشخصية نفسها، وهو ما يعززه ارتباك إياس عندما يظهر على شاشة الإسقاط بينما يمارس دوره كروبسبيير المسرح، يحدد ويفصل الأدوار والسلوكيات بما يتفق مع مصلحة التمويل. كما أن تمرين رهف لرضا عن أداء خطاب المنتصر يفتح فضاء اللعب على الارتجال، وينكشف معه دور الخطاب الحماسي والثوري في تنويم الجماهير والتأثير عليها بواسطة المبالغات والعواطف المتطرفة والاستناد إلى الشعارات الفضفاضة.




سرعان ما ينهار الفريق تحت ضغوط الحياة اليومية بعد تدخين الحشيش، ويغرق في فوضى وحالة من التفريغ، فيولد شكل جديد للمشهد بفعل الموسيقى واتساع مساحة اللعب والضحك، على عكس طبيعته التراجيدية في النص الأصليّ. أما مشهد المقصلة الذي يعقب تفكك الفرقة، عندما يرفض إياس الانصياع لطبيعة المسرح وشرطة كعمل جماعي، فيتخذ طابعاً مونودرامياً، خيالياً، ويتبدل فيه دور إياس من روبسبيير إلى دانتون، لكن المقصلة تأخذ باستجوابه بصوت الدراماتورج رهف، حول اختياره ورغبته بالعمل على “موت دانتون” ليقع في فخها. وبذلك، يتنوع الأداء بين الواقعي كممثلين في بروفا، والمسرحي كشخصيات تجسد دانتون وروبسبيير وجولي وسالي، ضمن فضاءات تتداخل وتتجاور من دون أن تثير اللبس أو الارتباك لدى المتلقي، فتتحول الـ presentation التي يحاول إياس تقديمها مع فريق العمل بما تتضمنه فقرة الأسئلة والأجوبة، من خلال طريقة وقوف فريق العمل وتقديم مبرراتهم أمام لجنة التمويل، إلى فضاء محكمة، تدافع فيه الشخصيات عن ذاتها وأحلامها ومشروعها.


تأتي في الختام شخصية (لوسيل/رهف) لتعلن موت دانتون، في مشهد يحيلنا شكل الأداء فيه إلى ملاحم اليونان وتراجيداتهم، ترثي فيه الإنسانية والثورة… كيف يمكن للحياة أن تستمر بعد كل هذه الدماء؟ بعد كل هذه المذابح، كيف تجرأت الحياة على الاستمرار؟ ألم يكن الإنسان هو صانع الثورات؟ ألم يكن هو سيد الكائنات وتدور الحياة حوله؟ أم غداً وقوداً للتاريخ ووسيلة لانتصار الفكرة؟ كيف يمكن للحياة أن تستمر حتى ولو صرخنا في وجهها أن توقفي، لا يمكن بعد قطرة دماء سالت أن تستمري بعد الدمار والجثث؟ وإذا مضت تسألنا هل هذه هي الحياة التي نرغب بها أم أنها ذهبت مع من مات؟




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً