عِمي مساءً يا نجمةً في سماء القدس

الخميس، بلا تاريخ


منذ أسبوع لم أكتب كلمة واحدة. هجرت الكتابة، بعد أن أوشك عقلي على الجنون! قلتُ أهرب إلى طين الحياة الساخن، قبل أن أُجنّ من هذيان التجريدات. غير أنّ الطين إيّاه لم يروق لي كثيراً. فهو طينٌ ضحل ومتكدّر وليس كما المأمول والمشتهى. ولذا: ها أنا أعود إلى عذاب الكلمة المكتوبة، فهو على الأقل: عذاب لا يخلو من معنى، حتى ولو كان هذا المعنى موهوماً ولا يمتّ إلى الواقع بصِلة. فهو على العموم يروق لي، وبيني وبينه من صِلات القربى ما يُعينني على تحمّل خواءات الحياة، في هذا المكان الراكد والمظلم من العالم! فإنْ كان لا وجود للمعنى، بالمطلق، فعلى المرء ألّا يستسلم، وأن يصنع معناه الجزئي اليومي الشخصي بقدر الإمكان.



الحياة، كمختبر تجارب لتوليد المعاني.



مللتُ من كسلي، ومللت من الجوَلان تحت أشعة الشمس. فكلاهما ــ المشي والاستلقاء على السرير والتحديق في السقف، كنوع من تحويل الكسل إلى تأمّل ــ لم يعودا يروقان لي. فقد شبعت منهما من كثرة تكرارهما. وإني لَأتوق الآن إلى طريق ثالث في الحياة. طريق يناسب عُصابي وحساسيّتي كرجل مؤرَّق بالكلمة. ومع أنّ هذا الطريق ليس في متناول اليد ولا التصوُّر بعد، إلّا أنني أعوّل عليه كثيراً، غداً وفي المستقبل. فمَن يدري: قد يكون فيه الحلّ، فأرتاح وأُريح عائلتي من كلّ هذا النكد وهذه المأساة.



■ ■ ■



السبت، بلا تاريخ


أَعطني القوّة، أيّها الغامض، كي أظلّ أكتب، ولو 3 كلمات كلّ يوم.



إنسانُ عصرنا النّابه يتكلّمُ لُغتين أو ثلاثاً أو خمساً. كم لغةً يتكلمُ الجُنْدُبُ؟ كم لغةً تُتقِنُ زهرةُ البامياء؟



في لحظة خلود عابرة، تماهيتُ مع روح جبال القدس. دخلتُ في رحمها. فكان انخطافٌ، وكان تَجَلٍّ. لحظة عابرة في ليل باردٍ لا تزول ولا تريم. لحظة أحلمُ دائماً بأن تتكرر. أستدعيها بالذاكرة وأتمنّى أن أعيشها ثانيةً بالجسد.



يتلبّسني الضحكُ، أحياناً، وأنا أحدّق في حقيقة وضْعنا البشري. الحقائق بالتأكيد أكثر إضحاكاً من الفانتازيا، تحديداً حقائق النوع البشري. على كلّ حالٍ، من حسن الطالع أنّ معظم البشر لا يُحدّقون.



إحساسٌ طريف مع ذلك، إحساسُك بأنّكَ كائنٌ خالد، وأنتَ في خضمّ عمليّة الجنس.



وحشة الليل إذا انتصَف، وبرودة غرفة المكتبة حتى في أكتوبر. والورقة البيضاء… وعليك أن تُجاهد لكي تطرد ظلالهم… أولئك الذين قرأتَ لهم منذ ثلاثين سنة… وهؤلاء الذين قرأتَ لهم منذ أسبوع.



■ ■ ■



يومٌ ما


أُحبُّ التجريد، بما هوَ نظامٌ عالٍ. النهدُ الأبيض يمنحني فرصةَ الاستمتاع الهادئ الفاره بجمال الأيقونة… لعلّ هذا أحد الأسباب أيضاً.



المُتخَيّل والواقعيّ. هل حقاً يرفد أحدهما الآخر ويُغنيه؟ أكيد، أكيد، إلّا في القدس. فالواقعيُّ ههنا يأخذ بتلابيب المُتخيّل ويرديه. الواقعيُّ هنا، كجثّة بغلٍ تتكوّم فوق قلمك: فوق متخيّلك، فوق ذاكرتك، فماذا ستفعل أيها الكاتب؟ إنّ القدس هي أنيميا الخيال: مدينة ضدّ الخيال: مكان “أنتي خياليّ”، وبقدر ما تستسلم لها، تُجرّدك من أسلحتك. ألهذا ينقص منسوب الخيال، بما هو فسحة إبداع وطيدة، في كلّ عمل يتغيّا هذه المدينة؟ أخشى أن أقول لأصدقائي: سافروا، اهربوا!



في نشوة انغمار الروح بماء الفنّ العالي، حتى الشاي يتحوّل إلى مشروب روحاني.



أحياناً، عندما تأخذني جلالةُ الفنّ، أعجبُ كيف لبعض الفنانين أن ينتحروا؟ هل هانت على أرواحهم كلُّ هذه النشوات العُليا التي لا تُعَدّ ولا تُحصى؟ لمَنْ يتركونها وراءهم؟ حقاً: لقد خانهم التوفيق.



حاجٌّ أميركي بروتستانتي مُتَصَهْيِن، حاجّ يقيم معنا وأحاوره: يتمنّى أن يجتمع كلّ يهود الأرض في القدس. وماذا بعد؟ كي يأتي المسيح ويقتلهم. أفكّر فيه وأكتب: “أغبى من كيس طحين مملوء ومُبتلّ”.



“تعقّلْ يا ألمي، واهدأ قليلاً”، هل كان بودلير يُخاطب قرحةَ المعدة؟



تعويد النفس على التكيّف مع هاجس الموت، هو أفضل حلٍّ للمسألة الكبرى برمّتها. أمّا إذا تقدّمتَ خطوة إضافيّة في هذا المضمار، فتعايشتَ مع ذلك الهاجس وكأنّه صديق ثقيل لا مفرّ من صداقته؛ فإنكَ آنئذٍ تكون قد بلغتَ أولى مراتب الحكمة. فإذا تقدّمتَ خطواتٍ أبعد، فنظرتَ إلى الموت كضرورةٍ أخيرة وجميلة لاكتمال حياتكَ؛ وأحياناً: كخاتمةٍ لا تخلو من لذّةٍ وغبطةٍ عميقتين، خاتمة مُتمنّاة؛ فإنكَ آنها تكون قد بلغتَ الفلسفة. فما الفلسفة سوى امتداح الموت. وما الفلاسفة سوى مدّاحي موتنا على هذه الأرض.



بعد سنّ الأربعين، لا معنى للثراء. الجسدُ ينحدر، والمالُ يكثُرُ. إنّهُ استهتار الحياة بمُترَفيها.



مليونير بعد الستّين؟ أسمعُ الموتَ في غرفةٍ أخرى يُقهقه.



أشرق النهارُ. لا يحقُّ لأحدٍ أن يقول: أشرق النهار، إلّا لمَن نام الليل بطوله واستيقظ عند الفجر. إلّا لمَن رأى وذاق.



تمجيد روح الليل، كما يُمجّدُ غيرُكَ روح البحث والتنقيب.



ليس فيه ذرّة غموض. مع ذلك يُحيّرني: صمتُ ما بعد المطر.



أحسد هؤلاء: الذين يمتلكون المقدرة على أن يتصالحوا مع النّهار.



لم أعُدْ أُنصتُ لأصوات الليل. أمام شفافية “اللاشيء” تتعطّل كلّ الأصوات.



عِمي مساءً أيتها النجمة السَّاجية. عمي مساءً يا نجمةً في سماء القدس، تُذكّرني بنجمة في صحراء العراق. كأنّ نُجوم صحراء العراق ليست مُعلّقة في أثير سماويّ، وإنّما تُومِض وكأنّها مغمورة بالماء البارد الشفّاف.



للقدس هذه العبقريّة النادرة: عبقرية الجلال الممزوج بالأسى.

القدس الحقيقية هي القدس نهاراً. في الليل: مقبرة.



ما أكثر المقابر أسفل جبل الزيتون والمنطقة المحيطة بالبلدة القديمة. قبور قبور، حتى لكأنّ القدس مقبرة كبيرة لا أكثر. لذا ليس من المستغرب “أن يأخذ الموتى بتلابيب الأحياء” في هذه البقعة من العالم. ليس من المستغرب أن يكره أصحاب الديانات بعضهم بعضاً. ليس من المستغرب أن يضيق المكان فلا يتسع لثلاثة أنبياء دفعة واحدة. ثلاثة أنبياء؟ وفي منطقة لا تتجاوز الكيلو متر الواحد؟ يا له من رقم “كبير ومزدحِم” حقاً.



* شاعر فلسطيني مقيم في بلجيكا، والنصّ من يومياته في القدس المحتلّة عام 2009






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً