غولدن غلوب: الهلع يعبر السجّادة الحمراء

أول ملاحظة تُساق في تعليق على الحفلة الـ78 لجوائز “غولدن غلوب“، المُقامة مساء 28 فبراير/ شباط 2021، تكمن في تأكيد سطوة الافتراضيّ على الواقعي، في عالمٍ لا يزال يُعاني من تداعيات كورونا منذ نهاية عام 2019. المعاناة، كما يبدو، مستمرّة إلى وقتٍ أطول، رغم اكتشاف لقاحات عدّة، والبدء بإعطائها لأناسٍ كثيرين، وفقاً لأولويات مهن وأعمار وأحوال. والحفلة، الموسومة عادة بصخب افتتاح موسم الجوائز السينمائية السنوية، تقول إنّ كورونا أقوى، وإنّ شروط السلامة العامّة أهمّ، وإنّ الشاشات ـ التي تُمنح جوائز لعاملين في صناعة أفلامٍ تُعرض عليها ـ تُصبح أساسية في عيشٍ وعلاقات واشتغالاتٍ.


شاشات افتراضية “تربط” بين مُقدّمي الحفلة ومعلني جوائزها، ومُرشّحين رسميين لها وفائزين بها، بين مدينتين/ ضفتين: لوس أنجليس ونيويورك. ورغم أنّ لها حضوراً في هذه الحفلة، فإنّ السجادة الحمراء مُصابةٌ بهلع اللحظة ومخاوفها. كلامٌ متنوّع وشبه معتاد، يُضاف إليه شيءٌ من أحوال العالم في فترة سابقة، وتقليصٌ في مدّة إعلان النتائج وتوزيع الجوائز. فالحرص على إقامة الحفلة، والحفلات اللاحقة أيضاً، أقوى من كلّ شيء؛ و”تنازلات” مطلوبة يُوافَق عليها في صناعة السينما والأعمال الدرامية التلفزيونية، تقول بتساهلٍ مع شروط العرض السينمائي التجاري، ما يُتيح للمنصّات، التي يتعاظم حضورها ودورها في الإنتاجين السينمائي والتلفزيوني، سلطة أكبر، سيتوضّح شكلها أكثر، على مستوى الجوائز، في الحفلة الـ93 لجوائز “أوسكار”، التي يُفترض بـ”أكاديمية فنون الصورة المتحرّكة وعلومها” منحها للأفلام ولمهنها المختلفة في 25 إبريل/ نيسان 2021، أي بعد شهرين على موعدها السنوي المعتاد. هذا إذا لم يطرأ وضعٌ استثنائيّ جديد، بسبب كورونا.




أما المُكرّر، فيُصبح نافراً لشدّة تكراره في حفلات استعراضية كهذه. أميركا تعاني من مآزق جمّة، في مسائل الجندرية والعنصرية والأقليات، وكورونا يُضيف مأزقاً، تحاول الصناعتان، السينمائية والتلفزيونية، مواكبتها ومعاينتها ومعالجتها. التقارير المنشورة بعد وقتٍ قليل على إعلان جوائز “غولدن غلوب”، التي تمنحها “جمعية الصحافة الأجنبية في هوليوود”، تقول إنّ المسؤولين المعنيين بالجمعية والجوائز يريدون مساواة بين الجميع، أعضاء وتكريمات و”جوائز”. القلق يُسيطر على قادة المؤسّسات السينمائية الأساسية في هوليوود، والرغبة في تفادي حملاتٍ ضدهم تدفعهم إلى إيجاد توازنات مقبولة، أقلّه في إدارات تلك المؤسّسات، وفي لجانها والعاملين فيها، كما في خياراتها الخاصّة باللوائح القصيرة، أو بالترشيحات الرسمية على الأقلّ، ولا بأس إنْ يكن هناك توازنٌ بين الجميع في النتائج النهائية.




التوازنات معروفة، تُختزل بالتساوي بين الرجال والنساء، وبين الأعراق والألوان والأصول. لعلّ هذا يدفع إلى ارتباكٍ في نتائج، يُفترض بها أنْ تصبّ اهتماماتها كلّها على النتاج الفني، لا على أشكال صانعيه وهوياتهم الجنسية وأصولهم العرقية وميولهم الثقافية والتزاماتهم الأخلاقية والسياسية. تكريم جين فوندا، بفضل سيرتها المهنية ونضالاتها المتنوّعة، دليلٌ على أنّ المؤسّسات الفاعلة في هوليوود تجد نفسها مضطرّة، في لحظة تاريخية كالتي تمرّ بها أميركا ويعيشها العالم أيضاً، إلى تنازلٍ عن أفكارٍ وتوجّهات تتحكّم بها غالباً، وإلى التغاضي عن “قرارات” غير مُعلنة رسمياً بإقصاء وتغييب أناسٍ، ارتكازاً على أفكارهم ومسالكهم السياسية والإيديولوجية والثقافية.




تكريمها مرتبطٌ أيضاً بموقعها السينمائي، لا بتاريخها الحافل بالمواجهات والتحدّيات فقط، وبعضها حادّ وعنيف، ضد النظام السياسي الحاكم في بلدها. منح أفلامٍ تستعيد فصولاً قديمة من اضطهاد سياسي واجتماعي أميركي للسود، بنزعةٍ عنصرية فاقعة، يؤكّد أنّ خيار الانفتاح حاضرٌ بقوّة، وأنّ تفعيل الانفتاح يتمّ فعلياً (أفضل سيناريو لآرون سوركين عن “محاكمة شيكاغو 7″، لسوركين نفسه)، وأنّ للسود والنساء حضوراً أكبر: أفضل ممثلة في فيلم درامي لأندرا داي، عن دورها في “الولايات المتحدّة ضد بيلي هوليداي” للي دانيالز (ممثلة سوداء تؤدّي دور مغنية سوداء هي الأشهر في عالم الـ”بلوز” و”جاز”)، أفضل ممثل في فيلم درامي للراحل شادويك بوزمان، عن دوره في Ma Rainey’s Black Bottom لجورج سي وولف (وبوزمان أول أفروأميركي يؤدّي دور إحدى أبرز شخصيات “عالم مارفل”، بتمثيله في “بلاك بانتر” لراين كووغلر عام 2018، وإيراداته الدولية تبلغ نحو مليار و350 مليون دولار أميركي)، أفضل ممثل في دور ثانٍ لدانيال كالوييا، عن دوره في “يهوذا والمسيح الأسود” لشاكا كينغ.




الأميركية الصينية الأصل كلوي زاو تحصل على جائزة أفضل إخراج عن “نومادلاند” (الحاصل بدوره على جائزة أفضل فيلم): تداعيات الأزمة المالية عام 2008 على امرأة، تؤدّي دورها فرانسيس ماكدورماند. لكنّ النبش في أصول فائزين يؤدّي، حتماً، إلى كشف أصول كثيرة في بلدٍ مبنيّ على أصول مهاجرة. التزام موعد توزيع جوائز “غولدن غلوب” يُشير، من بين أمور أخرى، إلى أهمية الاستمرار في معاندة التبدّل الطارئ على الحياة اليومية، الذي يفرضه كورونا. الحفلة الـ78 هذه تأتي بعد أسابيع قليلة على “أعنف” خروجٍ لرئيسٍ أميركي من البيت الأبيض، يتسبّب بارتفاع منسوب الكراهية في الاجتماع الأميركي، ويُساعد على مزيدٍ من انشقاقاتٍ حادّة، تبدو هوليوود كأنّها معنيّة، مباشرة أو مواربة، بمواجهتها بأي ثمن.




حلقات عدّة من مسلسلات تلفزيونية مختلفة تُشير إلى ذلك، وتوسيع الحيّز الخاص بأعراقٍ وهويات جنسية وإصابات جسدية فيها تقول إنّ المرحلة المقبلة تحمل متغيّرات إضافية. جوائز “غولدن غلوب”، التي توصف دائماً بأنّها “تمهيد” لجوائز “أوسكار”، تُعلن أنّ التغيير مستمرّ.


لكنّ القلق النقدي يقول شيئاً آخر تماماً: هل تتفوّق الرغبة في التساوي والموازاة بين الجميع على الفعل الإبداعي؟ هل تتغلّب مخاوف التعرّض لحملاتٍ شتّى على التنبّه الدائم إلى الجودة والسوية والجماليات؟




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً