فضيحة سياسية جديدة تضرب اليمين النمساوي

يعيش المستشار النمساوي اليميني المحافظ سيباستيان كورتز أسوأ أيامه، مع تدحرج “فضيحة تلميع” صورته وحزبه القومي “الشعب النمساوي” من خلال رشى للصحافة لتلميع صورته ورفع درجات تأييده في استطلاعات يتم التلاعب فيها، وذلك بعد أن كشفت نتيجة تحقيق سري من “هيئة مكافحة الفساد” الأربعاء الماضي استخدام ما يسمّى “فريق كورتز” أموال دافعي الضرائب (الدولة) في سبيل التلاعب بالرأي العام وجعل صورة المستشار تبدو في أفضل حال.


ويشتبه القضاء النمساوي في قيام كورتز بتقديم “رشى” لنشر إعلانات باهظة الثمن في الصحافة للدعاية الإيجابية لحزبه، حزب “الشعب” النمساوي. وعلى خلفية نتائج تحقيق في وثيقة مكونة من 104 صفحات، قامت الشرطة النمساوية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية بتفتيش مكتب المستشار و9 من معاونيه للتحفظ على وثائق تتعلق بـ”عمليات احتيال”، وفقاً لما تذهب إليه وسائل الإعلام المحلية.


ومن بين القضايا المثيرة للجدل، والتي تعتبر ضربة قاصمة للمستشار الشاب من معسكر اليمين المحافظ، اتهامات بتلاعبه بالرأي العام، من خلال تحليل الاستطلاعات بأرقام منحت بشكل مزور معسكره السياسي أفضلية بين أوساط الرأي العام في النمسا.


ويكشف التحقيق القضائي عقد “فريق كورتز” اتفاقية مع الصحيفة الشعبية أوستريش (Österreich) لتلميع صورته الشخصية من خلال استخدام أموال دافعي الضرائب. ويضع ذلك أيضاً وزارة المالية في دائرة الاشتباه، بعد أن كشفت “تسريبات” دفعها أموالاً حكومية لتغطية صحافية إيجابية للمستشار وحزبه. وتشير الصحافة المحلية إلى أنه “تم استخدام أموال الوزارة للحصول على استطلاعات رأي ذات دوافع سياسية حزبية، من خلال التلاعب بها”، وذلك نقلاً عن النيابة العامة في فيينا أمس الخميس، كتأكيد على ما شاع بعد اقتحام الشرطة لمكتب كورتز أثناء مشاركته في اجتماع الاتحاد الأوروبي في سلوفينيا الأربعاء الماضي.


وتعود بداية تفاصيل القضية مثار التحقيق إلى ربيع 2016، حين كان كورتز يشغل منصب الخارجية، وسعيه إلى الحكم، ولتتواصل بعد وصوله إلى منصبه الحالي كمستشار، والذي هو بمثابة رئيس حكومة في البلاد. وتوسع النيابة العامة النمساوية تحقيقاتها لتشمل متورطين آخرين في قضية التحايل على الرأي العام والتلاعب بأموال الدولة لمصلحة معسكر اليمين، وذلك بوضع 3 من المؤسسات والمنظمات المعنية بتحليل اتجاهات الرأي العام النمساوي، إضافة إلى بعض الصحف، وعلى رأسها “أوستريش”.




وحاول كورتز وفريقه السياسي اتهام وحدة مكافحة الفساد، المعروفة محلياً باختصار اسمها إلى ويكستا، بأنها “مخترقة من خلايا يسارية”، وأنها تنتهج حملة سياسية ضده. وكانت وحدة “ويكستا” هي ذاتها التي كشفت في مايو/ أيار 2019 عن فضحية “إبيزا” التي كان بطلها حليف كورتز ونائبه، زعيم حزب “الحرية” اليميني المتشدد هاينز كريستيان شتراخى، حين وقع في فخ شخصية نسائية ادعت أنها مقربة من الأوليغارشية الروسية مستعدة لتقديم دعم مالي له لأجل الهيمنة على الصحافة النمساوية، لتقويض اتجاهها النقدي للتحالف اليميني وللمصالح الروسية.


ويربط المحققون اليوم بين فضيحة كورتز وتلك التي يستمر التحقيق فيها وبطلها نائبه السابق شتراخى. ففي أحد أهم المؤشرات على وجود ما يشبه محاولة الاحتيال والتلاعب بالرأي العام، كان شتراخى قد ضبط في شريط فيديو “إبيزا”، وهو يذكر أنه يرغب بوجود “مشهد إعلامي مثل مشهد أوربان”، في إشارة إلى إعجابه بتوجه رئيس وزراء المجر اليميني المحافظ أيضاً، فيكتور أوربان، للهيمنة على المشهد الإعلامي من خلال جملة قوانين قوضت حرية الإعلام وجعلته يبدو اليوم كمتحدث رسمي باسم تحالفه الحاكم فيديز.


وساهم الكشف عن فضيحة “إبيزا” أيضاً في انهيار التحالف اليميني الحاكم، واختار سيباستيان كورتز استبدال تحالفه منذ عامين مع “الحرية” بحزب “الخضر”، ويخشى معسكر اليمين القومي المتشدد اليوم من أن يتحول الاتهام بحق المستشار إلى انهيار التحالف الحاكم، والقضاء ربما على مستقبل كورتز السياسي، والذي بدا مصدوماً من وضعه في دائرة الشبهة، معيداً كل ما يقوم به القضاء إلى “مؤامرة يسارية متشددة”.


الأمر المثير للانتباه قيام المحققين بالنبش في ما جرى منذ 2016، والصعود الصاروخي للشاب الثلاثيني سيباستيان كورتز، باستحضار اسمي صحيفتين مرموقتين، واحدة محلية “دير ستاندرد” وأخرى ألمانية “دير شبيغل”، في سياق “خريطة طريق شاملة لإيصال كورتز إلى القمة، من خلال نشر ما يسمى استطلاعات رأي وإعلانات تلميع صورته”، بحسب وثيقة التحقيق التي تسرب بعض ما جاء فيها للصحافة المحلية.


وتنقل وسائل إعلام محلية في فيينا عن بعض الصحافة النمساوية أنه “كات تجرى معاقبة وسائل الإعلام مالياً إذا لم تقم بعملية تلميع وتغطية إيجابية بشكل كافٍ لحكم كورتز”، وذلك من خلال التمنع عن نشر إعلانات رسمية لديها، وبعبارة أخرى تفوح رائحة تعريض حرية الصحافة إلى خطر شبيه بالنموذج المجري في ظل حكم معسكر اليمين القومي المتشدد.




وتتجه الأنظار هذه الأيام نحو تفحص ردة فعل حزب “الخضر” في التحالف الحاكم، وبشكل خاص إلى نائب المستشار فيرنر كوغلر، الذي من المحتمل أن يتخذ موقفاً يضع حداً لتحالف حزبه مع “الشعب النمساوي” بزعامة كورتز. ويخشى كوغلر أن يواصل “الخضر” تحالفه بمعزل عن الفضيحة الجديدة، والتي من الممكن أن تؤثر على شعبيته إذا بقي في السلطة.


ورغم اتهامات المستشار كورتز لليسار و”خلايا الاجتماعي الديمقراطي” باختراق لجان التحقيق، فإن غمزه يستهدف وزارة العدل التي يترأسها “الخضر”، ولم يمنع ذلك كوغلر، أمس الخميس، من بث مؤشرات على إمكانية الانسحاب ووضع حد لاستمرار الحكومة، من خلال تصريحه للصحافة المحلية بأن “القضية وصلت إلى بعد جديد يفترض دق ناقوس الخطر”.


ومن دون أن يعتزل أو يستقيل كورتز بفعل الفضيحة الجديدة، واستحضار مستشار آخر من “الشعب النمساوي”، وهو ما يتأمله “الخضر” بدل الذهاب إلى انتخابات مبكرة، سيكون من الصعب تبرير بقاء تحالف الحزب مع مستشار مشتبه فيه.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً