فيلمان لـ"نتفليكس": إثارة وأكشن وجنس

حبيبان هاربان في غابة أميركية، يحاولان الوصول إلى مدينةٍ، من دون ضجيج (الأم/الآلة). طفلٌ وأمّه في منطقة إسبانية نائية وخطرة (المستنقع).


تجري أحداث “الأم/الآلة” (2021)، لماتسِن توملِن، في ما بعد القيامة. في 5 دقائق، وقع حبّ وحمل ونسيان وصدام وزلزال وهروب ومطاردة. قامت القيامة بسبب ثورة الآلات، لا بسبب العقاب الإلهي. هذا فيلم خيال علمي. لكنْ، لا مكان للعلم فيه، لأنّ العلم غامضٌ. فيلمٌ على الطريق، حيث تحدث مطاردة. أفلام الطريق أنسب نوع للتصوير بكاميرا محمولة. لمُشاهدة المطاردة، انظر إلى قدميك لترى أين تمشي، ولا تنظر إلى أعلى كي لا تقع في أول حفرة.


“المستنقع” (2021)، لديفيد كاسْادمِنت، فيلم رعب عن مرحلتين: يتصارع البشر فيما بينهم، لأنّهم يعيشون في جماعات. حين يُضطرّون إلى العيش منعزلين، يتصارعون مع أوهامهم. حين يعاينون حجم الأضرار التي سبّبتها لهم أوهامهم، يكتشفون أنّ الجحيم ليس هو الآخر، بل أوهامهم التي تُعشِّش في أدمغتهم. حتّى حين يحاولون التخلّص منها، يفشلون، لأنّهم صدّقوها ورفعوها إلى مرتبة الحقيقة.


فيلمٌ فيه اقتصاد كبير، مع كثافة في الأثر النفسي. رحل الرجل. الأب لن يعود. تعلن الأم: “لنبقى أحياء، هيا نقاتل” ضد أشباح المكان، التي تشبه الجداريات السوداوية لفرانثيسكو دي غويا (مرسومةٌ على جدران منزلٍ، أقام فيه غويا بين عامي 1819 و1823، معروف باسم “بيت الصم”، في إحدى ضواحي مدريد)، في إسبانيا القرن الـ19، التي لم تدخل بعد عصر الأنوار، كما حصل في الدول الأوروبية، كفرنسا وإنكلترا. هنا تربة خصبة للجهل الذي يلِدُ أشباحاً رهيبة حين يتعطّل العقل، كما قال الرسّام غويا.


“الأم/الآلة” و”المستنقع” يعرضان شخصيتَيْهما في أشدّ الاختبارات عنفاً. للشاب حبيبة عنيدة، وللطفل أمّ مجنونة. فيهما يُعزَل البطلان عن الجموع، وتتمّ إعادتهما إلى الحياة البدائية المُنهكة للجسد. اختير فضاءٌ قليل الإضاءة لزيادة مصداقية الخوف. تمّت مَوقعة زمن السرد في غابة ممطرة، قبل اختراع الكهرباء، ليكون الخوف من الظلام مُبرَّراً. تمّ تحويل منزل ومستشفى الى متاهة. شخصٌ يجري، وعدوّ يطارده. يتوقّعه من الباب، فيأتي من النافذة. يتجنّبه في حفرة، فيخرج من وراء شجرة. تتوالى لحظات هدوء، وفجأة يظهر خطرٌ غامض، يُعالَج بصعوبة. يحلّ الهدوء، ثم ينبعث خطرٌ آخر.


سواء في الماضي المتخلّف لإسبانيا، أو في مستقبل أميركا الأكثر تطوّراً، تتردّد القواعد الحكائية نفسها.


في كلّ مشهدٍ، غموضٌ يُخفي خطراً. بعد القيامة، يعود الإنسان إلى البدائية في غابة. تتداخل الأزمنة. حتّى في زمن الثورة الرقمية، يُشكّل سَماع الأم نبضَ قلب جنينها في رحمها حالةً شعورية قوية. هناك احتمال ولادة تقليدية. كلّ ما كان مُتوفّراً رخيصاً، صار نادراً أو مُنعدم الوجود. رحلةٌ في عالمٍ من دون إنترنت، في القرن الـ21. يُختَبَر الطفلُ الذي يرى نفسه رجلاً، والحبيبُ الذي سيصير أباً. واضحٌ أنّهما جاهزان للتضحية.


“المستنقع” فيلمُ رعبٍ مؤثّر، لأنّ بطليه يستحقّان التعاطف طيلة الوقت. إنّهما مُقنعان في كفاحهما. في “الأم/الآلة”، يغطّي الإيقاع السريع والعنف على ضعف أداء الممثلين. الإيقاع أهمّ من العمق لتحقيق الأكثر مُشاهدةً.


 




 


هذا إيقاع سردي سريع، في لقطاتٍ قصيرة. نظراً إلى نجاح أفلامٍ ومسلسلات، تعتمد كاميرا مُطارِدة وحركة دائمة، يُمكن توقّع ظهور أفلامٍ تنافس إيقاع ألعاب الفيديو.


حين تُقدّم “نتفليكس” أفلاماً لجذب السينيفيليين، لا تنسى جمهورها الأصلي، الذي يسعد كثيراً بتدوير مادة فيلمية سابقة، لها خصائص أثبتَتْ فعاليتها في جلب الجمهور العريض، الذي يستهلك أفلاماً تُستَنْفَد في المُشاهدة الواحدة، فيطلب المزيد.


يصعب تخويف المتفرّجين بالوقائع العادية، لأنّهم شاهدوا العجائب. لذلك، يصير الفيلم أفضل حين تكون فيه جثة. لكنْ، حين لا يكون تماسك الأحداث مُقنعاً ومُشوّقاً، يُضيف المخرج رصاصاً كالمطر، وجثثاً أخرى، فيفقد الموت تأثيره. كلّ ما يفيض يصبح رخيصاً. أفلامٌ تُرمَى، يطغى فيها سردٌ يثير الخوف، أكثر مما ينتج معنى عن الحياة.


إيقاع الحكي السريع، المُشبع بالمطاردات، أهم من العُمق. “يَعتبر الشعبُ التفكيرَ نوعاً من الهَم”، يقول كلود ليفي شتراوس. الإيقاع أهمّ من العمق. المتفرّج مهمومٌ كفاية في حياته الشخصية، لذا لا يحتاج إلى همومٍ جديدة، بل إلى إيقاع مسلٍّ. كلّ مرة يطلب فيها الجديد، لا ينتهي المخزون، ولا ينتهي العرض.


هناك علاقة سببية بين سرعة إيقاع الحكي والتشويق، والنسبة العالية لمُشاهدة الأفلام. المجد للإثارة والأكشن والجنس.


هذا لُبّ الخطّ السرديّ في أفلام “نتفليكس”. هذا درسٌ لكتّاب السيناريو، الراغبين في التعامل معها. الإيقاع أهمّ من العمق، لتحقيق الأكثر مُشاهدة. هذا درسٌ سيفرض على مبدعي الأفلام رفع الإيقاع، للتواجد في المشهد. سيكون على كتّاب السيناريو توفير معلوماتٍ وأحداثٍ متتبّعة، سببياً ومكانياً، لتجد الكاميرا الرقمية ـ التي تعيش مع مختلف مستويات الإضاءة ـ ما تفترسه، في كلّ 5 ثوانٍ على الأكثر.


كلّ مخرج يُصوّر مشهدَ شرب شاي في 180 ثانية، سيكون كمَن يُصوّر لنفسه، لا للجمهور.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً