في استعادة عشرة أعوام تونسية

لطالما اتُهم رسام الكاريكاتير الفلسطيني، ناجي العلي، بالانحياز، وكانت تهمة لم ينفها، وقال “أنا منحاز لمن هم تحت لمن هم ضحايا التكذيب وأطنان التضليلات وصنوف القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات، أنا منحاز لمن ينامون في مصر بين القبور، ولمن يخرجون من حواري الخرطوم ليمزّقوا بأيديهم سلاسلهم …”. .. لذلك ما كان منا إلا أن ننحاز للثورة التونسية التي كانت نتيجة لانفجار التناقض بين الجماهير والنظام القائم بخلطته السحرية من التفقير والقمع والجهل.

كان محمد بوعزيزي عاطلا، يحاول تأمين قوته ببيع الفاكهة على عربة تُصادر محتوياتها مرتين أسبوعيا. وفي المرة الأخيرة، التي احتج بها قبل استشهاده، صفعه نظام الرئيس زين العابدين بن علي، الذي تمثّل بيد شرطية البلدية فادية حمدي، ومن يتم ضربه من امرأة في معتقدات أهالي مدينة سيدي بو زيد يتم إلباسه تنورة. وهنا أحد عناصر الخلطة، الجهل. اجتمعت عناصر خلطة النظام السحرية في يوم واحد ضد بوعزيزي، لتحرقه من الداخل، قبل أن يشعل نفسه من الخارج. فجر ثورة فشلت بعد أربعة أشهر من تحقيق أبسط أشكال العدالة له، عبر تبرئة الشرطية من تهم النيابة العامة المنسوبة إليها. لتعلن عن أولى هزائم الثورة التونسية التي عجزت عن انتزاع العدالة لمحرّكها الأول.


لا يكفي استبدال الأسماء الجديدة بالأسماء القديمة، وإنما لا بد من تبديل الهيكلية الاقتصادية جذريا


ومن ثم أكدت الأعوام العشرة اللاحقة مدى فشل الثورة في تحقيق مطالبها الجوهرية، في شعارها الأبرز “شغل وحرية وكرامة وطنية”. فالفلاح الذي ما زال يكدح بالأرض، والمواطن العاطل وما زال عاطلا، لا يستطيعان، على الرغم من كل الاحتفالات وكل الشعارات الجديدة، أن يلمسا تغيرا حقيقيا في حياتهما اليومية. لا يكفي استبدال الأسماء الجديدة بالأسماء القديمة، وإنما لا بد من تبديل الهيكلية الاقتصادية جذريا، والتي لا مجال أمامها لإبصار النور إن لم يكن في وسع الدولة التونسية استثمار ثرواتها ومقدّراتها بنفسها، بعيدا عن السلطة والسيطرة الاستعمارية، وبالأخص السيطرة الفرنسية التي كبلت تونس وتكبلها، حال مستعمرات فرنسية كثيرة سابقة، باتفاقيات مجحفة، تمنعها من استغلال ثرواتها، وبالتالي من توظيف خبراتها وعمالتها الوطنية، ومن هذه الاتفاقيات، على سبيل المثال، اتفاقية الملح التي تم توقيعها عام 1949، فترة الاستعمار الفرنسي، مع فرع مجموعة سالان الفرنسية، المتمثل بالشركة العامة للملّاحات التونسية (كوتوزال) خمسين عاما قابلة للتمديد تلقائيا، ومددت آليا مرتين 15 عاما لكل منهما.

ومن البنود المجحفة في العقد تحديد قيمة استغلال السبخات بفرنك فرنسي عن الهكتار الواحد، في حين تصل تسعيرة الهكتار عالميا إلى 14 و15 دولارا. كما ينص العقد على إلزام الطرف الراغب في إبطال العقد بتقديم طلب قبل عشر سنوات على الأقل من انتهاء فترة التمديد الجارية، وهو ما قامت به حكومة يوسف الشاهد عام 2019 بضغط من المعارضة والنقابات.


الفلاح الأوروبي مدعومٌ بإمكانات فنية تضاهي أضعاف ميزانية تونس، ومستفيد أكثر من الفلاح التونسي الذي لا يمكن أن يتنافس مع الأوروبي


يعتبر إبطال العقد بمثابة الخطوة الإيجابية الناقصة، فحرمان تونس من ثرواتها عشر سنوات أخرى مصيبة كبرى، ناتجة عن العجز وعدم الرغبة في مواجهة فرنسا، فلدى تونس بدائل أخرى أنجع، كالتأميم، أو اللجوء لمحكمة العدل الدولية التي سوف تصطدم بفيتو فرنسي في مجلس الأمن، في حال إصدارها حكما في صالح تونس، لأن مجلس الأمن هو المسؤول عن تنفيذ أحكامها، في حال رفضت الدول تنفيذ الحكم طواعية، الأمر الذي يشكّل إحراجا شديدا لفرنسا، وزيادة كبيرة في الوعي عند التونسيين بضرورة القطيعة مع هذا المستعمر، كما يفرض على الحكومات التونسية المتلاحقة بعد الثورة التدقيق في الاتفاقيات قبل توقيعها، كي لا تمس بمصالح الشعب التونسي. ما يجعل مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق (أليكا)، والذي تتفاوض الحكومة التونسية والاتحاد الاوروبي بشأنه، قضية وطنية وثورية غير قابلة للنقاش، كونها تهدّد القطاع الزراعي والصيد البحري التونسي. ولذلك يرفض الفلاحون التونسيون توقيع الاتفاق، بسبب الفروق الشاسعة بين الفلاح الأوروبي ونظيره التونسي، فضلاً عن تفاوت الإمكانات بينهما.

ويؤكد اتحاد الفلاحة والصيد البحري أن الفلاح الأوروبي مدعومٌ بإمكانات فنية تضاهي أضعاف ميزانية تونس، وأنه مستفيد أكثر من الفلاح التونسي، ولا يمكن أن يتنافس هذا الأخير مع الأوروبي؛ نظراً إلى التفاوت في الامتيازات. وبيَّن أن أوروبا بصفة عامة تتميز بالإنتاج الداخلي للموارد الفلاحية، في حين تعتمد تونس على الاستيراد، كما أن الفلاح الأوروبي قادر على أن يأتي إلى تونس، ويتنقل بكل حرية ويكتشف الموارد الفلاحية، في حين أن التونسي يجب أن يحصل أولاً على إذن سفر. وأكد المجلس المركزي لاتحاد الفلاحين، أخيرا، أنه يرفض، بشكل قطعي، التوقيع على الاتفاقية بصيغتها الحالية، مطالباً بإعطاء الأولوية لتأهيل القطاع الفلاحي، ثم النظر في مثل هذه الشراكات. ورفض الاتفاقية الاتحاد العام التونسي للشغل، وأكّد أن الاتفاق لن يمر، معتبراً أن التفاوض بشأنه ليس حكراً على الحكومة، “بل هو شأن وطني يهم كل المنظمات والمجتمع المدني وكل الطيف السياسي”، فهذه الاتفاقية تهدد بانحدار بأكثر من نصف مليون مواطن إلى تحت خط الفقر، لتجعل من تونس تابعا ضعيفا لمجمل الاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من تبعيتها لفرنسا. ما يعني استمرار سياسات الإفقار والنهب، بل وزيادة وتيرتها وقسوتها على الشعب التونسي الذي فجر ثورته المجيدة كي يتجاوز هذا الواقع نحو دولةٍ وطنيةٍ مستقلةٍ، تصون حقوق مواطنيها وتصون ثرواتها وتبني اقتصادها الوطني المنتج والمستقل والمتطور، والقادر على تلبية احتياجات التونسيين، اليومية واللوجستية.


برجوازيات الدول القمعية تأبى أن تستثمر أموالها في الوطن، وتتصرّف تجاه الدولة التي تحميها وتغذّيها تصرّفاً يتصف بالنكران


.. لم يكن نظام بن علي استبداديا فحسب، بل نظاماً عائلياً مافيوياً، وإن حنين بعضهم لتلك الفترة ناتج عن اصطدام أحلام الشباب خلال الثورة بالواقع ما بعد الثورة، وإن كان هذا الحنين لا يلتفت إلى واقع الحال في حينه، من حيث سوء الوضع الاقتصادي واحتكار الثروة بيد مجموعاتٍ محدّدة، الذين كانا من أهم محرّكات الثورة التونسية، ففي تقرير منظمة النزاهة المالية العالمية، الصادر في يناير/ كانون الأول 2015، قدرت الأموال المهرّبة من تونس خلال فترة بن علي بـ33,9 مليار دولار، فالبرجوازية التونسية، وفي مقدمتها عائلتا بن علي وطرابلسي، حال برجوازيات الدول القمعية ذات الاقتصادات المتخلفة، ينطبق عليها وصف فرانز فانون في كتابه “المعذبون في الأرض”، والذي كتبه قبل حوالي ستين عاما، “هذه البرجوازيات تأبى أن تستثمر أموالها في الوطن، وتتصرّف تجاه الدولة التي تحميها وتغذّيها تصرّفاً يتصف بالنكران، فسلوك هذه البرجوازيات أشبه بسلوك أفراد عصابة من اللصوص، ما أن يفرغوا من القيام بعمليةٍ من العمليات، حتى يخفوا مرابحهم عن شركائهم، ويستعدوا للانسحاب في حكمة وتعقل”.

وبعد مضي عشرة أعوام على الثورة، تقف الحكومات التونسية المتلاحقة عاجزة عن استرداد هذه الأموال (باستثناء 126 مليون دولار تم استرجاعها من سويسرا عام 2016)، على الرغم من تعدّد محاولاتها، فالعائق الحقيقي في السياسات العالمية الأوروبية والأميركية التي تعيق مسار استعادة الأموال المنهوبة والمهرّبة، كجزء من استراتيجيتهم القائمة على نهب المستعمرات السابقة ودول العالم الثالث وحماية أذرعهم فيها.


قادت الثورة تونس لتتربع على عرش الحريات والديمقراطية عربيا، واستطاعت أن تحتل مكانها دولة ديمقراطية على المستوى الدولي


يرى اقتصاديون أن هنالك ديكتاتوريات لعبت دورا هاما في نهضة البلاد الاقتصادية، والتحول إلى دولة متطوّرة، وسحب الشعوب من حالة الفقر، عن طريق سياسات تخطيط موجّهة بخطواتٍ مدروسة، وعبر محاربة الفساد، كما في النموذجين، الصيني والسنغافوري؛ وفقا لهم؛ في حين تلعب الديمقراطية المفرغة من مضمونها، كما هو حال المكسيك وبولندا دورا سلبيا، وفي أحسن الأحوال، دور محايداً فيما يخص النمو والتحرّر الاقتصادي. وتعارض هذا الرأي دراسة حديثة للبروفيسور دارون اسيموغلو بعنوان “democracy and Economic growth: new Evidence”، وتزفّ بشرى سارّة للتونسين، أن الناتج المحلي الإجمالي يخف في الفترة الأولى من التحول الديمقراطي، إلا أنه على المدى الطويل (30 عاما تقريبا) يتحقق زيادة بمعدل 20% من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، نظراً لقدرة المؤسسات الديمقراطية على الإشراف والمحاسبة. ومؤكّد أن هذا النمو الذي تفترضه الدراسة مرتبط جذرياً بقدرة الدولة التونسية على التحرّر من قيود الاستعمار، المستمرة من زمن معاهدة عام 1881 مروراً بوثيقة الاستقلال وباقي الاتفاقيات التي أبقت الهيمنة الاستعمارية مستمرة.

الحق يقال، قادت الثورة تونس لتتربع على عرش الحريات والديمقراطية عربيا، واستطاعت أن تحتل مكانها دولة ديمقراطية على المستوى الدولي، حسب منظمة Freedoom House الأميركية، بـ70 نقطة/ 100، وهذا ما أكدته منظمة مراسلون بلا حدود، في تصنيفها تونس الأولى عربيا، و72 دوليا بالنسبة لحرية الصحافة. وواقع الحال في تونس، بعيدا عن تقرير أي منظمة، يوضح حجم الهوة الشاسعة بين تونس وباقي الدول العربية، بما يخص الحريات الفردية والجماعية، فقد أصبح بالإمكان معارضة الحكومة وممارسة الضغط عليها بهدف التأثير على قراراتها، كما حدث حينما تم إجبار حكومة يوسف الشاهد على الانسحاب من اتفاقية الملح، أو عندما تم إيقاف تفاوضها على اتفاقية أخرى (إليكا). كما أضحى التظاهر حقا طبيعيا وبديهيا في تونس، في حين يشكل خطراً لا يستهان به في غالبية الدول العربية، بما يهدّد حياة المتظاهرين.


الديمقراطية والتحرّر شرطان أساسيان لتطور الشعوب


أقرّ البرلمان التونسي في عام 2013 قانون العدالة الانتقالية، لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان والفساد، وأنشأ بموجبه هيئة الحقيقة والكرامة، والتي قدّمت تقريرها العام الماضي، حيث كشفت فيه عن الشبكات المؤسساتية التي أتاحت حدوث انتهاكات حقوق الإنسان على مدى العقود الخمسة الأخيرة. ولم تحاول الهيئة في تقريرها محاباة الحكومات التونسية بعد الثورة، بل على العكس دانت محاولات حكومية لعرقلة عملها.

الديمقراطية والتحرّر شرطان أساسيان لتطور الشعوب، فالحكم الديكتاتوري يحاول أن يعكس فشله على الشعب، ويحمّله مسؤولية انحداره على مختلف المستويات، كما يحاول غرس الدونية فيه، من خلال تحميله صفات الكسل، الإهمال، الجشع. ما يجعل كثيرين من فئات المجتمع بعد فترة يتبنون هذه الأفكار، لا بل يستشهدون عليها بالأمثال والأقوال الدينية. ومجمل الانتقادات التي تم ذكرها في بداية المقالة مأخوذة من الفضاء التونسي نفسه، الذي من حقه عدم الركون لمقولة نجاح الثورة، والبقاء في ديناميكية مستمرّة للمضي إلى الأمام. ولم تأت الانتقادات هنا من باب الحط من قدر الثورة التونسية، بل من باب الغيرية والحرص على شرارة الربيع العربي والأمل المتقد.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً