في غلادستون بارك

أذهب تقريباً كلّ يومٍ لأتمشّى في حديقتنا المجاورة، “غلادستون بارك”، وهي، مثل أغلب الحدائق على الطريقة الإنكليزية (Parks)، كبيرةٌ نسبياً، مقارنةً بحدائق منطقتنا. أيّاً يكن، فما أقصده هنا هو الخريف وصفاته، والطبيعة بكافّة أشكالها، حيث الألوان الزاهية التي تسرّ الناظرين أو تريحهم على الأقل. مثلُ هذا الجمال النادر المتكرّر يُضفي على النفسِ صفاءً ويبعث على التساؤل عن الجمال بصفته الغسل الأهمّ للنفسِ من الشوائب والأزمات والمواجع.


حسناً فعلَ البريطانيون، في القرن التاسع عشر، حين جعلوا الحديقة الكبيرة بين مجاميع البيوت والأحياء شيئاً رئيسياً في المشهد المألوف للمدن. فلم يعد التمتّع بالطبيعة وصفاتها الخلّابة حِكراً على النخَب والطبقة الأرستقراطية الغنيّة. وكان ذلك بلا شكٍّ يعود، في جانبٍ منه، إلى تمدّد أفكار عن أهمّية الطبيعة للرّاحة النفسيّة من العصر الرومانسي، الذي نقل الشعر والأدب الإنكليزي نقلة نوعيّة (وأيضاً آداباً كثيرة من العالم في العصر الحديث) تجاه تقدير الأشجار والماء والحجارة ومُعايشة الطبيعة تأمّلاً وامتناناً لما تمنحه من هدوء وجمال وطمأنينة، وربما شفاءً من مواجع الحياة الكثيرة.


طبعاً برعَ العرب في العصور الوسطى، وخصوصاً خلال العصر الأموي، في تصميم الحدائق، فأصبحت قلبَ البيت ووجهه المشرِق. ولكنّ ذلكَ لم يتحوّل إلى حدائقٍ كبيرة، حيث الطبيعةُ وحدها تنظّمُ شؤونها بقليلٍ من تدخّلِ البشر. فمثلاً “قصر الحمراء” في غرناطة، اسمُه كذلك لأنّه قصرٌ على تلّةٍ، مع أنّ هذا القصر مزدانٌ بحدائق ونوافير وقنواتِ للماء، تُحيط بها الخضرة والأشجار العالية، فتُعطي المكان بهاءً ورونقاً فريداً، بما يمثّل خير ترجمةٍ للقولِ العربي المأثور: “الماءُ والخضرة والوجهِ الحسن”.


الطبيعة صورتُنا في القوّة والهشاشة، في التألّق والخوف


وربما كان من نافل القول إنّ الطبيعةَ مصدرُ إلهامٍ لا ينضب؛ فهي البداية والنهاية، وهي صورتنا في القوّة والهشاشة، وفي التألّق والبهاء والخوف والقلق والسلامة والأمان، وغيرها من السمات التي قد يتّسم بها الإنسان. الطبيعة مثلنا في مزايا الأمزجة وتقلّباتها، إلّا أنّها تمثّل ذلك الشيء الخارجي الفسيح الذي نراه، ونمتلئُ به، وقد يمنحنا بعض الإجابات، ومنها النسيان والمسامحة والتجاوز عن المنغّصات التي لا تعني كثيراً أمام تحرّر الروح من اِشكالات بشرية وعلاقات ناتجة عنها، والتي هي في الغالب حتميّة، ولا مفرَّ منها.


الطبيعة، إذاً، دواءٌ وخيرُ رفيق، ومن هنا فإنَّ وجود حدائق كبيرة في مدن مثل لندن، نعمةٌ كبيرة. فالطبيعة تُحاورنا بألوانها المختلفة التي تتغيّر حسب الأوقات والفصول: يُحاورنا الفضاء المفتوح والورد والأشجار والعشب والطيور، ويحاورنا الماءُ والسماء بالشمس الجذّابة والقمر المُنير، وتتردّدُ أنفسنا على ذاتها حين تزدادُ الغيومُ كثافةً ويحلًّ البياض الداكن كسوادِ الليل في وضحِ النهار، ويحاورنا المطر والنسيم والريح والثلج. كلُّ هذه تحاورنا وتتوسعُّ أنفسنا من خلالها وتكبرُ أعماقنا، فهنا نرى أبعدَ ما في أنفسنا من جمالٍ وندركُ أنّ سعادتنا وحزننا وحياتنا وموتنا ذرّات طبيعية كالطبيعة التي حولها.


كلُّ إنسانٍ وما رأى وأَلِفَ وتطبّعَ عليه في الحياة. فمَن اتّخذ من البحر مشهدَه وصورةً لتقلّبات القلبِ والروح، سيرى في البحرِ مرآةً لهذه التقلّبات، ومَن اتّخذ من الأشجارِ والحدائقِ مرآةً لها سيرى نفسه فيها، أو الصحراء، وهكذا. والمغزى هنا أنّه من التعاسةِ أنْ ننظرَ إلى أنفسنا خارج النظام أو الأنظمة البيئية التي أَلِفنَاها، وهنا يأتي دور الدولة والمجتمع بخلقِ مساحات تزيدُ من رقعة التأمّل والتدبّر والهدوء، فيزيدُ الصفاء الذهني والروحي، وحينها قد تُرى الأشياءَ بشكلٍ أعمق وأجمل، أي على حقيقتها.



* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في لندن






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً