"قسد" تلاحق شبان شمال شرق سورية للتجنيد الإجباري

يعود الجدل من جديد إلى مناطق شمال شرق سورية حول التجنيد الإجباري ضمن صفوف “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، في ظل شنّ الأخيرة حملة تجنيد واعتقالات واسعة بين أبناء المنطقة، مستغلة صعوبة الخروج من المنطقة وتردي الوضع الاقتصادي للأهالي، مع استخدام بعض الشخصيات المحلية لتسويق عملية التجنيد.

وتزيد هذه الحملة من معاناة السوريين، الذين تعرضوا منذ سنوات للتجنيد قسراً في صفوف مختلف القوات المقاتلة، أكان النظام السوري والمليشيات الموالية له، التي استخدمت الإغراءات المادية وشد العصبية الطائفية لتجنيد الشبان، أو “قسد”، أو مجموعات عسكرية أخرى، وخصوصاً تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” اللذين زجا آلاف الشبان في الصراع العسكري، فيما اضطر آلاف الشبان المطلوبين للهرب إلى خارج سورية، أو الاختباء في مناطقهم خوفاً من الاعتقال والسوق إلى الجبهات.


البوكمالي: اعتقال الشبان للخدمة الإلزامية يتم على الحواجز الأمنية من خلال التدقيق بالبطاقات الشخصية


وينشغل أبو جابر عسكر، من دير الزور، هذه الأيام بإيجاد طريقة لإبعاد ولديه عن بلدتهم ومناطق سيطرة “قسد”، بعدما زاد الحديث عن نيّة الأخيرة بدء تجنيد الشبان في مناطق سيطرتها في دير الزور، التي ما زالت خارج مناطق التجنيد العسكري ضمن صفوف هذه القوات. وقال عسكر، في حديث مع “العربي الجديد”: “اليوم الخدمة العسكرية في سورية هي عبارة عن موت مجاني. حتى الرواتب التي تدفع للعسكري لا تكفي المجند لتأمين احتياجاته الشخصية، وهي أجور بخسة لا تستحق أن ينزف الشخص قطرة دم من أجلها”. وأضاف “الحرب أصبحت اليوم حرب مصالح، ونحن ندفع ثمنها، لذلك سأعمل كل جهدي ليخرج ولداي من هذا البلد”. ولفت إلى أن “قسد تضيق على الأهالي مرة بالتهديد والوعيد، ومرة أخرى بإغراء الشبان بالراتب والسلطة، خصوصاً أن فرص العمل تكاد تكون معدومة”.




من جهته، قال الناشط أبو عمر البوكمالي، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “قسد تواصل شن حملة تجنيد واسعة في صفوف مواليد ما بين 1990 و2001. ولكن ما أثار غضب المجتمع أنها تشمل المعلمين والموظفين، ما دفع لإعلان إضراب في مدارس ذيبان وسويدان، ليستنفر التجمع التربوي التابع لقسد لعقد اجتماعات مع الأهالي في ريف قرى دير الزور”. وأضاف أن “اعتقال الشبان للخدمة الإلزامية يتم على الحواجز الأمنية من خلال التدقيق بالبطاقات الشخصية، وليس عبر مداهمة المنازل. وفي حال كان أحد أشقاء المطلوب للتجنيد يخدم في صفوف قسد يتم تأجيل خدمة المطلوب إلى حين إنهاء شقيقه خدمته”. ولفت إلى أن “هناك سخطاً مجتمعياً على فكرة التجنيد، إضافة إلى الرواتب القليلة جداً، التي لا تكفي كمصاريف شخصية، فيما العائلات تعاني من تردي الوضع الاقتصادي بالأصل”.


وفي قراءة لهذه التطورات، اعتبر ناشط مقرب من “المجلس الوطني الكردي”، طلب عدم ذكر اسمه، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “اعتقال الإدارة الذاتية للمدرسين في مناطق الدرباسية والعامودة، يأتي للضغط على المجلس الوطني الكردي في ظل الحوارات الجارية بينه وبين أحزاب الوحدة الوطنية، التي يترأسها حزب الاتحاد الديمقراطي”. وقال “من جهة ثانية هي من مخاض اتفاقيات بغداد لطرد حزب العمال الكردستاني ومليشياته. كما أن الإدارة الذاتية وحزب العمال يعملان في مناطق سيطرتهما على زرع لغة الدم والسلاح في عقول أبناء المنطقة، لعسكرتها وأخذها كحاضن لهما، وهذا واضح عبر خطف القصر وتجنيدهم وإرسالهم إلى جبال قنديل”. وأضاف: “كل ذلك عبارة عن فرض سياسات ترفضها العديد من الأحزاب الكردية والمجتمع. لكن هذه الإجراءات زادت مع الحديث عن وجود دعم من الإدارة الأميركية الجديدة لهم”.


المرسومي: المعلومات تشير إلى أن قسد ستقوم في الأيام المقبلة بتطبيق التجنيد الإجباري في ريف دير الزور


وكانت “قسد” قد فرضت التجنيد على أهالي دير الزور للمرة الأولى في 19 أغسطس/ آب 2019، بحسب الناشط أبو علي المرسومي، من مركز الباغوز الإعلامي في دير الزور. وبين، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه “في ذلك الحين رفض الأهالي الفكرة، إلا أن قسد تعيد اليوم المحاولة بالتعاون مع عدد من الوجهاء الاجتماعيين”. وأضاف أن “المعلومات تشير إلى أن قسد ستقوم في الأيام المقبلة بتطبيق التجنيد الإجباري في ريف دير الزور، لتشمل مواليد 1990 حتى 2001. وستكون الخدمة لمدة عام قابلة للتمديد إذا دعت الحاجة، مع إعطاء راتب شهري للعسكري قدره 27 دولاراً أميركياً خلال فترة الخدمة (سعر صرف الدولار الأميركي الواحد بحدود 3500 ليرة سورية)”. ولفت إلى أن “هذا القرار تم اعتماده رسمياً قبل فترة، وتم تطبيقه في الحسكة والرقة ومنبج، وتوقف تطبيقه في ريف دير الزور خوفاً من الغضب الشعبي. واليوم تم تفعيله بعد اجتماعات مع الوجهاء في الأيام الماضية، وسيتم الطلب من الوجهاء التعاون لتنفيذ القرار، وإلا فإن العقوبة ستكون بانتظار من لا يلتزم بالقرار”.

وأوضح المرسومي أن “الأهالي يرفضون الخدمة العسكرية لأسباب عديدة ومتداخلة، أولها مخاوفهم من تنظيم داعش، خصوصاً في الريف الشرقي من المحافظة، فخلايا التنظيم ما زالت حاضرة ويمكن أن تستهدف من يعمل مع قسد. وثانياً، يرفض الأهالي سياسة قسد بشكل عام، يضاف إلى ذلك وجود خلايا للنظام، الذي يمكن أن ينفذ عمليات تستهدف هؤلاء، لكن باسم داعش”.


وكانت “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية”، وهي الجهة التي تدير مدنياً المناطق المسيطر عليها من قبل “قسد”، قد أصدرت تعميماً لبعض موظفي زراعة هجين لمراجعة مكتب “الدفاع الذاتي لقطع دفتر خدمة العلم خلال أسبوع”، الأمر الذي اعتبره المرسومي “بداية لتجنيد موظفي قسد، خصوصاً أنهم لا يستطيعون الرفض بسبب ارتباطهم بعمل وراتب، فيما الخطوة التالية هي تجنيد باقي الشبان”. وفيما يرفض أهالي شمال شرق سورية عملية التجنيد العسكري، أشار المرسومي إلى أن تعيين القيادي في “مجلس دير الزور العسكري” محمد جبر الرحيم رئيساً مشتركاً لـ”مكتب الدفاع الذاتي في مجلس دير الزور المدني”، وهو من قبيلة الشعيطات التي قاتلت تنظيم “داعش” سابقاً، محاولة جديدة لتمرير التجنيد الإجباري لأبناء القبائل، وخصوصاً القبيلة التي ينتمي إليها، التي تُعتبر من القبائل الكبيرة.


من جهته، قال المحلل العسكري فايز الأسمر، المتحدر من شمال شرق سورية، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “قسد، وبعد سيطرتها على غالبية مناطق وبلدات شرق الفرات، الواقعة ضمن محافظتي دير الزور والرقة وحتى الحسكة، تريد أن تجعل من نفسها، عبر الإجراءات والقوانين التي تصدرها، وتفرضها بقوة السلاح على سكان تلك المناطق، دويلة مصطنعة شبه مستقلة، لذلك نراها أقامت وتقيم، بدعم من التحالف الدولي، مؤسسات خدمية وإدارية ومالية وتعليمية وأمنية خاصة بها”. وأضاف: “من تلك الإجراءات والقوانين تطبيق التجنيد الإجباري على الشبان في مناطق سيطرتها. ونرى قسد تنشر حواجز طيّارة، إضافة للحواجز الأمنية والعسكرية الثابتة، بالإضافة إلى حملات مداهمة القرى والنواحي بحثاً عن الشبان لاعتقالهم وسوقهم للخدمة الإجبارية ووضعهم في الصفوف الأولى للخدمة، بمواجهة أي مهمات انتحارية، أو وضعهم على الحواجز والنقاط الأشد خطراً، واستخدامهم أيضاً في أعمال السخرة والتحصين والتدشيم”. واعتبر أن “القوانين المفروضة بقوة السلاح والتجنيد الإجباري للعرب في قسد، إجراء مرفوض وغير مقبول من المجتمعات العشائرية في تلك المناطق، ولذلك نرى تظاهرات ومواجهات مسلحة وأعمال مقاومة، وهجمات للمقاومة الشعبية، على حواجز ومقرات قسد في تلك المناطق، وتكبيدهم خسائر فادحة بشكل مستمر”.


فايز الأسمر: قسد تريد أن تجعل من نفسها دويلة مصطنعة شبه مستقلة


ولفت الأسمر إلى أن “أهداف التجنيد في كل حالاتها معروفة وتتسارع، لا سيما في زمن الحروب، وهي لسد النقص والعجز العددي في صفوف قسد نتيجة الخسائر الفادحة، التي تتعرض لها، إن كان من بقايا خلايا داعش، بالاغتيالات والمفخخات والتلغيم، أو الأعمال الانتقامية والثأرية لأبناء تلك المناطق، أو حتى من عمليات الجيش التركي والفصائل”. ورأى أن “أي إجراء أو قانون تريد تطبيقه عصابات قسد في المناطق العربية العشائرية الخاضعة لسيطرتها، إن كان في تغيير مناهج التعليم أو التجنيد الإجباري، أو فرض أي قوانين وإجراءات لا تناسب تلك المجتمعات، سيكون قريباً وبالاً على قسد، وسيزيد حالة الاحتقان والغليان وأعمال المقاومة المسلحة ضدها، لاستنزافها، وصولاً إلى إنهاء احتلالها لتلك المناطق واستنزاف مواردها ونهب خيراتها، والذي ما كان ليطول لولا الدعم العسكري والسياسي اللامحدود من قبل التحالف الدولي”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً