"قصّة حياتي يستحيل سردها": أتَصْدُق السيرة أم تبقى "رواية رسمية"؟

رغم صدوره قبل 21 عاماً، يبقى كتاب “ألغاز دولون” (“فلاماريون”، باريس، 2000)، للصحافي الفرنسي برنار فيولي (1949)، مُثيراً لمسائل عدّة: كيفية كتابة سيرة حياتية؛ التخصّص بهذا النوع الأدبي، المفقود ـ بشكلٍ شبه كامل ـ في العالم العربي؛ كيفية نبش وقائع، وتوليفها في سياق حكائيّ، يكشف معالم من دون إدانة أو محاكمة؛ كيفية تحويل تلك الوقائع إلى نصٍّ أدبي سرديّ روائي، أكثر من أنْ يبقى تأريخياً أرشيفياً صارماً.


هذا يختلف تماماً عن كتبٍ تروي سِيَراً على ألسنة أصحابها، فتُحصَر السِيَر بـ”الرواية الرسمية”، التي تبغيها الشخصية العامّة. أمثلةٌ عدّة: كتابات جان ـ بول بلموندو (1933) وجيرار دوبارديو (1948) مثلاً. للأول إصدارٌ (من بين مؤلّفات مختلفة له وعنه)، بعنوان “ألف حياةٍ أفضل من واحدة” (“كتاب الجيب”، باريس، 2016). للثاني كتابان: “هذا حاصلٌ هكذا (Ca s’est fait comme ca)، و”بريء (Innocent). الأول صادر عام 2014 (XO Editions)، والثاني عام 2015 (le cherche midi). الممثّلان يتحرّران من كلّ ضغطٍ، إذْ يكتبان ما يحلو لهما، ويرويان ما يبغيان سرده، ويبوحان بمخبّأ لسببٍ يُدركانه ويرغبان في البوح به. يُشذّبان ما يعتبرانه غير صالحٍ للنشر. يُخفيان ما يصفانه، ضمناً، بالسرّي والحميميّ. يُوَلِّفان النصوص بمبضع قاسٍ، فيتحكّمان بالمرويّ المُنبثق مما يريدان كشفه.


“ألغاز دولون” مختلفٌ كلّياً. أقوال “الساموراي” (أحد أبرز وأهمّ أدوار دولون. إخراج جان ـ بيار ملفيل، 1967) فيه مستندة إلى حوارات صحافية ولقاءات تلفزيونية موثّقة. أقوال آخرين موزّعة على العام (كتبٌ، حوارات، لقاءات) والخاص (لقاءات مع فيولي نفسه). هذا يُتيح مجالاً واسعاً لسرد ما يُمكن لصاحب الرواية إخفاءه أو التغاضي عنه، إنْ يكتب حكايته بنفسه (هذا النوع من الكتابة يحصل، عادة، مع صحافيين متمرّسين في تحويل الشفهيّ إلى مكتوبٍ متماسك).


 




 


برنار فيولي يتعرّض لحملةٍ شرسة (تبلغ القضاء الفرنسي) من آلان دولون (1935)، بهدف منعه من تأليف كتابٍ عمّن يعتبر أنّ قصّة حياته “يستحيل سردها، إلى درجة أنْ ما من صحافي قادرٍ على كتابتها” (السيرة الحياتية لآلان دولون، مكتوبة باللغة الإنكليزية في إبريل/ نيسان 1999، ومنشورة على موقع Delon The Tribute). لن يحول هذا دون كتابة نصٍّ مُشوِّق بفضل أحداثٍ يختبرها الممثل والمنتج الفرنسي دولون، ويعيشها ويصنعها ويُشارك فيها ويشهد عليها. لن يحول هذا دون تأليفٍ، يلتزم سرداً أدبياً لوقائع، من دون بلوغ مرتبة الاتّهام أو النميمة أو التحريض أو الافتراء، فبرنار فيولي متمسّكٌ بسرد الحكاية وفقاً لمعطيات ولقاءات مع شهودٍ ومعارف، ولمستندات وحوارات (خاصة بالكتاب، أو منشورة في صحفٍ ومجلات وكتبٍ ومؤلَّفات)، ولشهادات رسمية (تحقيقات ومحاضر بوليسية وقضائية)، فدولون “صديقٌ” لمافياويين ومتورّطين بجرائم مختلفة، منها القتل.


الصداقة ثمينة جداً في حياة من تعشقه أكثر من ممثلة وامرأة. الأوسم بين جيله، والأجمل حضوراً، والمتمرّد الدائم، والذاهب بعيداً في خياراته، الحياتية والسينمائية والمسلكية والعائلية، وإنْ تكن خيارات عدّة غير صائبة، بل مؤذية، فدولون لن يتهاون أبداً مع ابنه أنتوني (1964)، الراغب في صُنع منتوجٍ يحمل اسمه (A.D)، وهذا يرفضه دولون الأب، فالاسم يعنيه ويخصّه، والحرفان يُحيلان إليه من دون سواه.


مقتطفات من سيرة رجلٍ وعاشقٍ وسينمائي وتاجر، في كتاب غنيّ بمعطيات ووقائع. كتابتها تمنح شخصيتها الأساسية تلك المساحة المطلوبة لتبيان أحداثٍ وتفاصيل، بعيداً عن كلّ إدانة أو حُكمٍ، رغم تلميحاتٍ، مبطّنة ومباشرة أحياناً. قراءتها سلسة. عالمها يتّسع لأزمنةٍ وحكاياتٍ تكشف بعض خفايا الرجل الفنان، ولشخصياتٍ مقرّبة منه رغم أفعاله المافياوية، ومواقف وآراء ومسالك تقول الكثير عنّه.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً