قلق غربي من تجسس صناعي صيني وتجنيد الخبراء

كشفت كوبنهاغن عن قيام السلطات الصينية بمحاولات تجسس صناعي وتجنيد أفضل الخبراء في مجال الصناعات التوربينية لتوليد الطاقة، والتي تشتهر بها الدنمارك على نطاق عالمي. 


الكشف الدنماركي عن تجنيد الصين لنحو 30 باحثا يأتي في سياق أشمل لبرنامج بكين لجذب نحو 1000 موهبة من حول العالم، من خلال برامج أبحاث مشتركة ومؤتمرات، كنوع من التغطية على حقيقة ما تسعى إليه في سياق الحصول على اختراق لتقنيات وصناعات غربية.


وكانت جهات أمنية غربية حذرت مؤخرا من البرنامج الصيني.


واعتبر جهاز الاستخبارات الدنماركي (بيت)، خلال الأشهر الماضية، أن “مخاطر جدية تواجهها الصناعات الدنماركية نتيجة محاولات التجسس الصيني”.


وتتفق أجهزة أمنية غربية، في أوروبا والولايات المتحدة على تزايد الأنشطة الصينية في هذا الاتجاه. 


هذه المخاوف الغربية تعمقها حالة تلاعب صيني بالباحثين، فـ”العلماء بطبيعتهم منفتحون على المشاركة في ندوات ومؤتمرات وإلقاء محاضرات حول آخر صيحات العلوم والصناعات، لكن المقلق أن البعض من هؤلاء يخفي بعد زيارة عمل إلى الصين أنه جرى تجنيده”، بحسب تحقيق لصحيفة “بوليتيكن” الدنماركية يومي 2 و3 مايو/أيار الماضي.




كوبنهاغن تقلقها قدرة بكين على “تجنيد حوالي 8 علماء في مجال صناعة توربينات الرياح، وهو ما يشكل تهديدا لكل صناعة الرياح الدنماركية نتيجة التجسس الصيني”، بحسب ما ذهب الرئيس التنفيذي لمجمع الصناعات “ويند دنمارك “WindDenmark (الرياح الدنماركية)، يان هلبيرغ، التي تضم مجموعة صناعات التوربينات، والتي تصدر إلى دول العالم.


وتمتلك شركات البحث والجامعات التقنية الدنماركية، المتعاونة مع مجمعات الصناعات المحلية، علاقات مع الصين باعتبارها بلدا “يملك كيانا معقدا لصناعة طاقة الرياح، ولديه أكبر سوق سيادي في التوربينات التي باتت تنافس عالميا”.


وما يخشاه يان هلبيرغ مع المستوى الأمني والسياسي أن تذهب بكين لاختراق أهم مشاريع الأبحاث التقنية، بين جامعتي ألبورغ والجامعة التقنية مع مؤسسة “دلو” لتسهيل بناء توربينات الرياح البحرية، والمتوقع أن يدر المليارات. 


تتفق أجهزة أمنية غربية، في أوروبا والولايات المتحدة، على تزايد الأنشطة الصينية في مجال التجسس الصناعي


ويطالب مجمع الصناعات الدنماركي تحت مظلة “دانسك اندستري” (دي آي) بأن تجري السلطات الأمنية تحقيقا عميقا حول ما إذا كان جرى التعرض بالتجسس لمشاريع التوربينات، وكشف ما إذا كانت بكين جندت بالفعل “جواسيس صناعة”، دون علم هؤلاء الباحثين والعلماء، لأجل عزل حالات التجسس ومحاصرتها. 


مخاوف غربية

يذكر أن الولايات المتحدة تجري منذ سنوات ماضية تحقيقات داخلية حول تجسس الصين على الصناعات المحلية، في سياق برنامج يبدو بريئا في ظاهره حول الألف موهبة العالمية، ممن يدعون بمغريات كثيرة لزيارة الصين والمحاضرة في جامعاتها وتبادل خبرات وحديث عن أبحاث. 


وكانت السلطات الأميركية حكمت على الباحث هونجين تان، في العام الماضي، بالسجن سنتين بعد اكتشاف أنه “سرق تكنولوجيا البطاريات المقدرة قيمتها بنحو مليار دولار أميركي”، بحسب الصفحة الرسمية لوزارة العدل الأميركية. 


وفي سياق تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي “إف بي آي”، في قضايا التجسس الصناعي على خلفية البرامج الصينية لجذب المواهب جرى الحكم على أحد رجال أعمال هيوستن، الأميركي من أصول صينية شان شي، بالسجن 16 شهرا بسبب سرقته تقنيات تتعلق بصناعة الغواصات.  




ومما يرشح من تحقيقات الغرب حول أساليب الصين في التجسس الصناعي، المثير لقلق عميق في أوروبا والولايات المتحدة، أنه تجسس استفاد كثيرا خلال العقود الماضية من انتقال شركات إنتاج غربية إلى الأراضي الصينية، وأن التجسس لا يستثني قطاعا في سبيل حصول بكين على أسرار تكنولوجيا غربية. 


وعلى الرغم من توعد الدول الغربية بكبح جماح الصين في توظيف مواهب الغربيين لأجل التجسس الصناعي، فإن بكين تبدو مندفعة بشكل كبير لتحقيق أهداف التجسس التي تتجاوز ضفتي الأطلسي، أوروبا وأميركا، لتصل إلى أستراليا واليابان وغيرها.


نفوذ صيني

وتثير الاندفاعة الصينية سجالا سياسيا وأمنيا في أكثر من دولة يستهدفها برنامج التجسس الصناعي.


ودفع الكشف، خلال الأيام الماضية، عن مدى اتساع البرنامج التجسسي، إلى تعاون أمني شمل تلك الدول المستهدفة، بالإضافة إلى كندا، للحد من نفوذ بكين، بإجراءات تمزج بين الأمن الصناعي ومراقبة علاقة “المواهب” بسلطات بكين، التي تقوم بعملية التجنيد والتجسس نيابة عن شركاتها الخاصة والعامة تحت حكم أذرع الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، بعد نحو 4 عقود على التحول الصناعي الصيني نحو مزيد من الرأسمالية.


وكانت صحيفة “ذا غلوبال آند ميل” (The Globe and Mail) كشفت، في أغسطس/آب 2020، عن أن برنامج المواهب “الألف موهبة” الصيني أثار اهتمام الاستخبارات الكندية (سي أس آي أس)، باعتباره “جزءا من مشاريع عدة لدول معادية تستهدف الحصول على تقنيات حساسة جدا في الغرب”. 


وأشار الباحث في القضايا الصينية في مركز الأبحاث والتفكير البريطاني، سيفيتاس (Civitas) رودامير تيلكوت، إلى أن الصين “لديها مشروع طموح وتاريخي لجذب العقول التي تعتبر مفاتيح التكنولوجيا في الغرب نحو أراضيها للاستفادة منها في سبيل منافسة التفوق التقني الغربي”.  


دفع الكشف خلال الأيام الماضية عن مدى اتساع البرنامج التجسسي إلى تعاون أمني شمل الدول المستهدفة


ويتعلق الأمر بمزيد من محاولات النفوذ الصيني حول العالم، وبالأخص في أوروبا وأميركا.


وفي الأولى تبدو بكين وكأنها تنتهج سياسة استثمار طبيعية في دورة الاقتصاد العالمي. لكنها بالنسبة لكثيرين، تبدو منذ أكثر من 12 سنة أكثر “عدوانية” في محاولتها الاستحواذ على موانئ وعلى شركات متعثرة، وتضخ مئات المليارات بحجة “طريق الحرير” وطرق تجارية مختلفة للحصول على نفوذ في الدول التي تستثمر فيها. 


وخشية المجمعات الصناعية وبرلمانيين في دول أوروبية مختلفة، مع تزايد الكشف عن برامج التجسس الصيني، دفعت معسكر الليبراليين في الدنمارك، وهو الأقرب إلى مؤسسات الصناعة الوطنية، إلى وصف البرنامج بأنه غير مسبوق “ويتجاوز ما قام به الاتحاد السوفيتي سابقا”، وفقا لتصريحات سابقة للمتحدث باسم الشؤون الخارجية لليبراليين في كوبنهاغن، مايكل أسرتوب ينسن. 


ومثلما تتجه بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، إلى نقاشات معمقة حول التجسس الصناعي واختراق الصين للعلماء والجامعات التقنية والبحثية، اعتبر ينسن أن ما يجري “مقلق للغاية، وهذا يستدعي اجتماعا عاجلا لمجلس السياسات الخارجية والدفاعية، للبحث عن تربة خصبة لتعاون دولي أوسع في مواجهة التحديات الصينية”.


وتشير بعض التحقيقات الأولية إلى أن الدول المستهدفة صار لديها دراية وخبرة في برنامج الصين التجسسي. 


ردود فعل غربية


ولا يتوقف التجسس الصيني على الصناعات المدنية، بل على الصناعات العسكرية، بحسب ما كشفت صحيفة “يوموري شيمبون” اليابانية في يناير/كانون الثاني الماضي، وفقا لصحيفة “ذي سترايتس تايمز”. 


وأماطت الصحيفة، مؤخرا، اللثام عن أن 44 باحثا يابانيا جرى توريطهم في تسريب معلومات صناعية لفائدة الصناعات العسكرية الصينية.


وعلى الرغم من عدم معرفة هؤلاء الباحثين أنه يجري توظيفهم، وفقا لتقرير آخر لـ”سترايتس تايمز”، إلا أن الحكومة اليابانية قامت سريعا بردة فعل وسعت خلالها “الدعم الوطني للجامعات”، بتخصيص موازنات أكبر لمواجهة مغريات بكين. 


وفي الاتجاه نفسه، تعمل طوكيو على تشريعات تتعلق بمزيد من الشفافية حول المنح وأهدافها التي يتلقاها الباحثون من الخارج. 


اعتبر جهاز الاستخبارات الدنماركي (بيت)، خلال الأشهر الماضية أن مخاطر جدية تواجهها الصناعات الدنماركية نتيجة محاولات التجسس الصيني


وفي أستراليا، طالبت السلطات السياسية والأمنية جامعات البلاد برفض ما تعرضه عليهم بكين في مجال التعاون البحثي وتمويل مشاريع مشتركة. ويشمل الطلب كبريات جامعات البلاد المسماة “مجموعة الثماني”، والمطلوب منها الآن البحث عما إذا كان هناك أشخاص من بينها شملهم مشروع الألف موهبة الصيني. 


وتعتقد السلطات أن نفي الصين وجود هذا المشروع لا يغير شيئا من الواقع، فـ”المشروع (الألف موهبة) قائم ومعروف، والسؤال ليس حول وجوده من عدمه، بل مدى شموله أعضاء المجمعات البحثية من الجامعات الأسترالية”، وفقا لما ذهبت “ذا سيدني مورنينغ هيرالد The Sydney Morning Herald”.  


ويؤدي الكشف عن اتساع التجسس الصناعي الصيني إلى معضلة حقيقية لمجتمعات البحث العلمي في الغرب، فـ”من ناحية العلوم لا تعرف الحدود، ومن الناحية الأخرى ثمة خشية غربية من أن بكين تعمل لتجاوز الغرب صناعيا وتكنولوجيا كخطة مرسومة ومتبناة من “الشيوعي” الحاكم”. 




وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن تجاوز الصين لها أمر يثير القلق ويخلق معضلة علمية بنفس الوقت، بحسب ما ذهبت مجلة “نيكاي آسيا Nikkei Asia” المتخصصة في الصناعة والاقتصاد.


ومعضلة حماية بيئات الصناعة والبحوث العلمية المرتبطة بها مطلوب منها أن تتوازن أيضا مع الرغبة في التعاون مع بكين، وهو ما ينسحب على الصناعات الدنماركية في مجال التوربينات، المساهم بشكل كبير في الدخل القومي للبلاد، وذلك يرمي على عاتق السياسيين تحديد حدود العلاقة، وما إذا كان التعاون بين الحلفاء أم بين دول باتت تعتبر عدوة للغرب، كحال الصين. 


ويريد السياسيون في الغرب تحجيم دور الصين في الاطلاع على التقنيات الغربية، “ويمكن الانطلاق من الأبحاث حول الصناعات والابتكارات العسكرية في البداية”، وفقا لما صرحت به زميلة أولى في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، ميا نوينز، بحسب “بيرلنغسكا” الدنماركية.


واعتبرت نوينز أنه “ثمة فرق كبير بين توظيف التعاون بين هولندا مثلا والباحثين الدنماركيين، وتوظيف السلطات الصينية له”. 




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً