قوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي… أدوار جديدة بإمرة الكرملين

ساعات قليلة فصلت بين إعلان الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف طلب المساعدة من منظمة “معاهدة الأمن الجماعي” لتوفير الأمن في بلاده ووصول طلائع القوات الروسية إلى مدينة ألماتا، التي شهدت أعنف الاحتجاجات.


وهو ما يطرح أسئلة حول أسباب سرعة التجاوب الروسي السريع وإطلاق أول عملية تدخّل من نوعها للمنظمة بعد نحو 20 عاماً على إعلان تأسيسها رسمياً في عام 2002، بعدما كانت نشاطاتها تقتصر على اجتماعات ومناورات مشتركة، ورفضها عدة طلبات للتدخل. كما يبعث التدخل تساؤلات حول دور المنظمة المستقبلي وتوظيف الكرملين قواتها في أداء مهمات غير اعتيادية.


وطلب توكاييف مساعدة المنظمة وإرسال قوات عسكرية لحماية المنشآت الحيوية والمطارات، بعد أيام على اندلاع الاحتجاجات في غرب كازاخستان وانتقالها إلى ألماتا كبرى مدن البلاد، وتحولها السريع من تظاهرات سلمية، كما أظهرت مقاطع الفيديو في الأيام الأولى، إلى عمليات نهب وسرقة للمحلات التجارية والمصارف، وإحراق للمباني الحكومية، واستيلاء مجموعات على المطار.


تبدّل خطاب توكاييف


وعشية التدخل مهّد توكاييف للعملية مساء 5 يناير/ كانون الثاني الحالي، وحينها غيّر خطابه التصالحي مع مطالب المحتجين وتجاوبه السريع بإقالة الحكومة وعدد من المسؤولين عن ارتفاع أسعار الوقود، وإعادة الأسعار إلى ما كانت عليه في العام الماضي، وتأكيده أن بلاده تتعرض لهجوم إرهابي منظم يشارك فيه أكثر من 20 ألف مقاتل، بعضهم من جنسيات مختلفة لم يحددها.


وتزامن طلب توكاييف المساعدة مع إعلانه ترؤس مجلس الأمن في البلاد، وهو المنصب الذي احتفظ به الرئيس الأول للبلاد بعد استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفييتي في عام 1990، نور سلطان نزارباييف، الذي ضمن بقاءه في السلطة، بعد استقالته عام 2019 عبر تحكمه بالأجهزة الأمنية وولاء النخب الاقتصادية.


كما أقال توكاييف عدداً من المسؤولين الأمنيين وحمّلهم المسؤولية عن تردي الأوضاع الأمنية وعدم اتخاذ إجراءات كافية لحفظ الأمن والاستقرار.


وفي السادس من الشهر الحالي، أعلنت روسيا أنها بدأت بإرسال قوات لحفظ السلام إلى كازاخستان لحماية المرافق الحيوية. وفي وقت لاحق أرسلت باقي بلدان المنظمة الأخرى إلى جانب روسيا وكازاخستان، وهي طاجيكستان وأرمينيا وبيلاروسيا وقرغيزستان، قوات رمزية مقارنة بأكثر من 2500 جندي روسي ومجموعة إضافية من قوات الإنزال المظلي الخاص.


صراعات داخلية على السلطة أملت على توكاييف طلب المساعدة من روسيا


 


وذكرت تقارير عدة أن روسيا أرسلت أكثر من 5 آلاف جندي، في حين بلغ مجموع القوات من باقي البلدان نحو 600 جندي كأقصى حد.


ويسمح ميثاق المنظمة في بنده الرابع بإرسال قوات عسكرية لمساعدة أي عضو للمحافظة على استقلاله ومحاربة هجمات الإرهاب الدولي، بناء على طلب رسمي، على أن تنسحب هذه القوات حين تنتهي مهمتها، وفقاً لتقدير الدولة التي طلبت العون.


وتأسست المنظمة رسمياً في عام 2002، ووفق المعاهدة لا يستطيع الموقعون عليها الانضمام إلى تحالفات عسكرية أخرى، وأسست المنظمة قوة رد سريع قوامها 20 ألف جندي في 2009، وتعترف الأمم المتحدة بوحدة حفظ السلام التابعة لها المكونة من 3600 عنصر.


ومعلوم أن التدخل في كازاخستان هو الأول من نوعه بعد رفض المنظمة في عام 2010 التدخل في قرغيزستان. وفي عام 2020 اعتبرت روسيا أن ميثاق المنظمة لا يخولها التدخل إلى جانب أرمينيا في حربها مع أذربيجان، ما لم تطاول الضربات الأراضي الأرمينية، وأشارت حينها إلى أن المعارك تدور حول إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه، والذي يعود لأذربيجان وفق القانون الدولي.


وكان لافتاً أن باكو لم ترد أكثر من مرة أثناء الحرب الأخيرة في العمق الأرميني على هجمات صاروخية استهدفت بعض المدن الأذرية، في مؤشر إلى أنها راعت خطوط موسكو الحمراء، وسعت إلى عدم إحراجها.


وعلى الرغم من أن ميثاق المنظمة يتضمن سعي بلدانها إلى حل المشكلات بطرق سلمية، فقد تكررت أكثر من مرة الاشتباكات بين قرغيزستان وطاجيكستان، وكادت أن تصل إلى مواجهة عسكرية واسعة في ربيع العام الماضي بسبب خلافات حدودية على تقاسم مصادر المياه.





فرضيات مختلفة


ما زال الغموض يكتنف حقيقة ما حصل في كازاخستان، فمواقف توكاييف تبدلت أكثر من مرة. كما أرسلت الإجراءات التي تبنّاها لحل الأزمة إشارات مختلفة، فضلاَ عن أن تطور الحراك وتغيّر طبيعته بسرعة لافتة، يدلان على أن صراعات داخلية على السلطة أملت على توكاييف طلب المساعدة من روسيا.


وفي الأيام الأولى تجاوب الرئيس الكازاخستاني مع مطالب المحتجين، مع توثيق عدة فيديوهات أن التظاهرات لم تخرج عن الإطار السلمي، قبل دخول “عناصر مسلحة غريبة” أحرقت المرافق العامة.


وطُرحت تساؤلات حول استطاعة أكثر من 20 ألف مسلح تحدث عنهم توكاييف تجميع قواهم رغم القبضة الأمنية القوية في البلاد، وسقوط مطار ألماتا بسرعة قياسية. 


ومن غير المستبعد أن حملة العزل والاعتقال والتقديم للمحاكمة بحق عدد من قادة الأجهزة الأمنية، وفي مقدمهم قاسم ماسيموف رجل نزارباييف القوي ورئيس جهاز الأمن الوطني، الذي يتمتع بصلاحيات أكبر من صلاحيات جهاز “كا جي بي” السوفييتي سابقاً أو هيئة الأمن الروسية “في إس بي” حالياً، جاءت نتيجة عدم تنفيذ هذه الأجهزة توجيهات توكاييف، أو افتعال أعمال العنف حتى تثبت عدم قدرة الرئيس. وبالتالي السيطرة على الحكم عبر “انقلاب” باستغلال عدم قدرته على ضبط الأوضاع وتأمين الاستقرار.


وفي هذه الحالة لم يجد توكاييف مخرجاً من الاستنجاد بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لبّى الطلب بسرعة قياسية لحسابات عدة، على الرغم من علاقته الوثيقة بنزارباييف، لأن الطلب جاء من رئيس شرعي منتخب، وبسبب تعرض بلاده لـ”هجوم إرهابي كبير”.


ولعل بوتين أراد إثبات أنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في المحيط السوفييتي السابق، وتقديم تدخله على أنه نصر جديد للكرملين المنشغل في معركة حامية مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي بشأن أوكرانيا.


ولا يمكن إهمال احتمال استغلال توكاييف نفسه للاحتجاجات من أجل التخلص من “عباءة نزارباييف”، والانتقال إلى ممارسة صلاحياته الكاملة، بدلاً من البقاء في منصب “رئيس الظل”.


 من المرجّح أن تستجيب روسيا لطلب توكاييف بالانسحاب من كازاخستان


ومن المؤكد أن هذا الاحتمال ليس وارداً من دون التنسيق مع الكرملين، وهنا فإن الاستعانة بقوات منظمة “معاهدة الأمن الجماعي” تضمن حماية “ظهره” من هجوم الأجهزة الأمنية، وتجعلها في مواجهة مباشرة مع بوتين، في حال قررت التصعيد. وهي مواجهة لا يريد أي طرف في كازاخستان خوضها.


الكرملين الفائز الأكبر


وأيا كانت حقيقة ما جرى، فقد أوضحت التطورات أن الكرملين كان الفائز الأكبر وصاحب الكلمة العليا فوق توكاييف، الذي تخلص من فريق نزارباييف، ولكن بات لزاماً عليه التقارب أكثر مع سياسات الكرملين الذي أنقذه بسرعة قياسية.


كما حقق الكرملين هدفاً مهماً عبر عنه بوتين في قمة منظمة “معاهدة الأمن الجماعي” بقوله: “لن نسمح بحدوث سيناريوهات ما يسمى بالثورات الملونة”.


وعلى الرغم من وجود أصوات تحذر من أن روسيا لن تستجيب لطلب توكاييف ببدء سحب القوات اعتباراً من يوم غد الخميس، على أن تكمل انسحابها في غضون عشرة أيام، فالأرجح أن تستجيب روسيا لهذا الطلب، نظراً لأنها حققت جميع أهدافها من التدخل، ولا تريد الغوص في مستنقع قد يتسبب في استهداف أبناء القومية الروسية المقدر عددهم بنحو 20 في المائة من سكان كازاخستان.


وسوف يسجل لموسكو أنها أعادت بسرعة قياسية الأمن والاستقرار، ولكن السؤال يبقى حول الدور المستقبلي لمنظمة “معاهدة الأمن الجماعي”.


وبعيداً عن الغموض حول حقيقة ما جرى فإن القوات استخدمت لغرض من اثنين: قمع احتجاجات شعبية تطالب بخفض الأسعار وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، أو الانحياز لطرف في الصراع على السلطة. ومن المؤكد أن الفضاء السوفييتي السابق سوف يشهد اضطرابات تشابه ما حصل في كازاخستان، فالظروف متشابهة، وبالتالي ففي انتظار روسيا مهمات أخرى، ربما لا ينفع فيها تبرير “محاربة الإرهاب”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً