كاتب من العالم: مع فيفك نارايانان

تقف هذه الزاوية مع كاتب من العالم في أسئلة عن انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته قرّاءَه. “الفاشيّون الذين يتقلّدون السُّلطة الآن يمزّقون تراثَنا المشترك لأكثر من ألف سنة”، يقول الشاعر الهندي في حديثه إلى “العربي الجديد”.


 


■ كيف تقدّم المشهد الأدبي والثقافي في بلدك لقارئ لا يعرفه؟

“المشهد”، من وجهة نظري، يعني أيَّ شخصٍ يرى أنّ له حقّاً في اللغة الإنكليزية، وأيَّ شاعر يكتب بها أو يُترجَم إليها. ما الذي أستطيع قوله عن ذلك؟ إنه مشهدٌ ما زال خاضعاً للسيطرة الإمبريالية، مع وجود حُرّاسٍ له، من ذوي السُّلطة، في بريطانيا وأميركا ــ لكنّ هذا يشهد تغيّراً مطّرداً. قريباً، إذا كان هناك ما يكفي مِن الذين يتوجّهون من بيننا بمهدّاتهم لتقويض ذلك الجدار، فسيصبح المشهد، إن شاء الله، فضاءً لا يخضع لسيطرتهم.


■ كيف تُقدّم عملك لقارئ جديد، وبأيّ كتاب لك تنصحه أن يبدأ؟

كان آخر كتاب لي هو “حياة السيّد س. وأزمنتُه”. إذا كان بإمكان القرّاء الانتظار حتى نهاية حزيران/ يونيو 2022، يمكنهم حينها قراءة نصّي الطويل عن الملحمة الجنوب آسيوية “رامايانا”، والذي يحمل عنوان “بَعد”.


■ ما السؤال الذي يشغلك هذه الأيام؟

الأيّام التي نعيشها يملأها التشاؤم. أُريد لنا أن نفكّر الآن في سياسات إيجابية يمكن لها أن تبني شيئاً ما، وأن تكون محمّلةً بالقوّة والشوق إلى الحبّ؛ أن نفكّر في المستقبل، بدلاً من أن نكون يائسين فقط. سئمتُ اليأس.


أحبّ في الهند أنّها كانت ملاذاً لناسٍ من شتّى بقاع الأرض


■ ما أكثر ما تُحبّه في الثقافة التي تنتمي إليها، وما هو أكثر ما تتمنّى تغييره فيها؟

أنتمي إلى أكثر من ثقافة، لكنْ دعني أتحدّث الآن عن شبه القارّة الهندية. أحبّ فيها أنها كانت ملتقى طرق وملاذاً، طيلةَ آلاف السنين، للناس الذين طافوا بها، قادمين من شتّى بقاع الأرض. وأحبّ أن تكون “ثقافتنا” مزيجاً عميقاً ومتنوّعاً ومنفتِحاً على العديد من المكوّنات، من المتأقلمين مع الثقافة السائدة إلى الخارجين عنها من مهرطقين وغريبي أطوار. أمّا الذين أكرههم، فهم الفاشيّون الذين يتقلّدون السُّلطة الآن بسياساتهم القائمة على هيمنة الأغلبية، والذين يمزّقون تراثَنا المشترك لأكثر من ألف سنة.


■ لو قُيِّض لك البدء من جديد، أيّ مسار كنت ستختار؟

ما المغزى من ذلك؟ الحياة هي التي تختارك، لا العكس.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

أن تنحسر الفاشية، لا أن تتزايد ــ رجاءً.

 

■ شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟

يستحيل أن ينتهي الأمر على ما يُرام عندما تُقابل لأوّل مرّة كاتباً أو شاعراً أُعجبتَ به بشدة قبل اللقاء. لكنّني ربّما أختار الشاعرة السنسكريتية فيجاكا، من القرن الثامن أو التاسع، والتي أعادت ابتكار بعض مجازات الشعر السنسكريتية كلّياً من الداخل، بقصائدها التي كانت تجمع بين الجنسيّ الصّريح والاطّلاع الواسع. كانت فيجاكا تُعتبر ذات يوم من بين أعظم شعراء السنسكريتية، لكن يبدو أنّها قُمعت، إذ اختفت أعمالها الطويلة ومسرحياتها. نجتْ منها ثلاثون قُصاصة قصيرة تقريباً، فحسب.

في الآونة الأخيرة أيضاً، صرتُ مفتوناً ومسحوراً كلّياً بعبد الرحيم، قائد جيوش الملك المغولي أكبر، في هند القرن السادس عشر. إلى جانب انشغالاته العسكرية، كان عبد الرحيم مترجمَ “بابر نامه” من التركية إلى الفارسية، وصاحبَ مكتبة شهيرة، ومديرَ مَشغل صناعة كتب، وراعياً لترجمة “رامايانا” من السنسكريتية إلى الفارسية (1583)، وشاعراً مبتكِراً أبدع في ثلاث لغات على الأقلّ: الفارسية واللهجة الهندفية والسنسكريتية! علاوةً على ذلك، كان شاعراً مختلفاً تماماً باللغة الفارسية عمّا كان عليه بالسنسكريتية، وفي مقدّمة شعراء الهندية الحديثة، حيث كتب بأسلوب القصائد التعبُّدية إلى الآلهة كريشنا.

المدهش في الأمر أنّ شعراء السنسكريتية والهندية الذين تأثّروا به بشدة، لم يذكروا أبداً شعره بالفارسية؛ وأمّا المؤلّف الإيراني الذي كتب سيرته وامتدح شعره الفارسي مطوّلاً، فلا يذكر أنّه كتب باللغة السنسكريتية! من الصعب أن نصدّق أنّ شخصاً واحداً كان بإمكانه فعل ذلك كلّه؛ يبدو الأمر كما لو أنّه كان يعيش حيواتٍ متعددة في وقتٍ واحد.


■ ما هو، في اعتقادك، أكبر خطر على حرّية الكاتب والكتابة في العالم اليوم؟

الفاشيّة، ببساطة.


أكتب بلُغةٍ فُرضت عليّ وقيل لي إنّها ليست لُغتي


■ ما هي قضيّتك، وهل يمكن أن تكون الكتابة قضية بذاتها؟

التعدُّدية.


■ الأدب العالمي يكتبه المترجمون، إلى أي درجة توافق على هذه المقولة، وإلى أي درجة كتبك المترجمون؟

المترجمون أصدقائي؛ أعتبر الترجمة فنّاً إبداعياً رفيعاً جدّاً، مثل أو حتى أكثر إبداعاً ممّا يُسمّى بالكتابة “الأصيلة”، وأتمنّى أن تمنح نفسها حرّية الإبداع قدر المستطاع. تكمن المشكلة في أنّ “الأدب العالمي” لا يزال، للأسف، يُقَدَّم ضمن تسلسل هرمي إمبريالي، ما يحوّل الترجمة إلى شُرفة تتدفّق من خلالها هذه السُّلطة.


■ كيف تصف علاقتك مع اللغة التي تكتب بها؟

علاقتي قِتالية بعض الشيء. أكتبُ بلغةٍ فُرضت قسراً على شعبي، وقيل لي، حتى وهي تُفرض عليّ، إنّها لم تكن لغتي لأتمسّك بها وأحافظ عليها وأستخدمها. لذلك أستعيدها بشيء من التلذُّذ والثأر، وأحياناً أشعر بسعادة عظيمة لكوني لصّاً في منزل “السيّد”.


■ كاتب منسيّ من لغتك تودّ أن يقرأه العالم؟ 

راجعوا ما ذكرتُه عن فيجاكا وعبد الرحيم في الأعلى.


■ لو بقي إنتاجك بعد ألف سنة، كيف تحبّ أن تكون صورتك عند قرّائك؟

آمل أن يروا أنّني بذلتُ قصارى جهدي، وأنّ ذلك كان كلّ ما في وسعي فعْلُه. وآمل أن يجدوا، في ما تركتُه، شيئاً يمكنهم الاستفادة منه أو البناء عليه أو الجدل معه.


■ كلمة صغيرة شخصية لقارئ عربي يقرأ أعمالك اليوم؟

ليكنْ هذا اللقاء بادئةَ حوارنا.



بطاقة

Vivek Narayanan شاعر من مواليد 1972 في رانشي، عاصمة إقليم جهار خاند، شرقي الهند. نشأ في جنوب أفريقيا وأنهى دراسته الثانوية في زامبيا، قبل أن يُكمل تعليمه الجامعيّ في الولايات المتّحدة. يعيش بشكل متواصل بين هذه القارّات الثلاث. له ثلاث مجموعات شعرية: “الشاطئ الكوني” (2006 للطبعة الأولى، و2011 للطبعة الثانية)، و”حياة السيّد س. وأزمنتُه” (2012/ الغلاف)، و”بَعْد”، التي تصدر في حزيران/ يونيو من هذا العام.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً