كاميلا غِب وحكاية إثيوبيا.. في هجرة الأرواح وعودتها

إلى جانب كونها وثيقةً عن إثيوبيا، تستوحي روايةُ “حجيج الروح” مِنَ الخيال؛ فالروائية الكندية كاميلا غِب (1968) تبني حكايةً مُتخيّلة لسيّدة إثيوبية من الطراز القديم تعيش في لندن، إِبّان سقوط حكم إمبراطور الحبشة وتغّير نظام الحكم في بلادها.


في الرواية الصادرة عن “دار فواصل” بترجمة عدي جوني، لا تُولَد ليلي إثيوبيّةً، وإنّما تصبح كذلك. وفي هذا الخيار الروائي الذي تنحوه، تستدعي الكاتبةُ التقاليد والعادات الإثيوبية وأنماط العيش. نشأت ليلي في المغرب لأبوَين إنكليزيَّين، ووصلت إلى إثيوبيا في ما تشير إليهِ الكاتبة بأنّه “حجيج النجاة”؛ إذ تنطوي الرواية على جانب روحانيّ، ويُمثّل انتقال ليلي مِن المغرب إلى إثيوبيا ارتحالاً ضمن المعتقدات، وتُشكّل الصوفيّة أكثر المعتقدات رسوخاً بالنسبة إليها. فالكاتبة، تستخدمها كي تحاجج بها تياراً آخر من الإسلاميّين النشطين في أوروبا. 


لكنّ حجيج النجاة عند ليلي ليسَ هجرةً إلى الأولياء الصالحين فحسب، وليس تعبُّداً أو مساعدة للآخرين عبر التعليم والتمريض، وإنّما يشمل تجربتها الشخصيّة، وتغيُّر أفكارها عن الحُبّ والعائلة والأصدقاء، عن الإيمان، وتقبّل صراعات الجسد الذي تنهشه الرغبة من جهة، والذنب من جهة ثانية. وبين هذين القطبين الحادّين اللذين يرهقان الإنسان، تختبرُ ليلي نوازع عديدة مثل الحرّية الشخصية، والانتماء إلى الجماعة عن طريق الخضوع للعُرف، وتمريره إلى الأُخريات، أو الوقوف في وجه العُرف – بقدر ما استطاعت – وإيقاف سلسلة القيود الاجتماعية عن تقييد فتيات جديدات. تُساعد المصاعبُ ليلي على اكتشاف نفسها، حتّى أنّها تعينها على نفسها، فمعرفة الذات في بلدان تغيب فيها قيمة الحرّية الفرديّة، معرفةٌ شاقّة. وحجيج الروح ما هو إلّا رحلة غنيّة إلى النفس.


في داخلها إثيوبية تنتحب لأخبار بلادها وإنكليزية صامتة


تُوزّع الروائيةُ الكنديّة حكايتها، التي تقع في 384 صفحةً، إلى فصول بين إنكلترا وإثيوبيا، وعلى سنوات تلي اللجوء إلى إنكلترا بين عامي 1981 و1991، وأثناء إقامتها في إثيوبيا بين عامَي 1970 و1974. لكن، تنقطع الحكاية ما بين الفترتَين، انقطاع لهُ ما يُسوّغه. سنوات انقطاع الحكاية أحدثته صدمة اللجوء، إذ لا يكون اللاجئ مستعدّاً للحديث عن الماضي، خصوصاً أنّ ليلي عَرِفَت عنف الحبّ مِنْ جَرّاء عاطفتها المتّقدِة لرجلٍ في عِداد المفقودين، وعنفَ العسكر في سنواتٍ حكم المجلس العسكري بعد الإطاحة بالإمبراطور هيلا سيلاسي؛ حيث تَكشّف أمامها زيف المزاعم عن محاربة المجاعة والأمراض في البلد الأفريقي الذي اعتبرَته موطنها، على الرغم من بشرتها البيضاء التي منحتها سلطةً على اللاجئين الآخرين في بريطانيا؛ حيثُ تُعرّف ليلي عن نفسها بأنّها “مسلمة بيضاء نشأت في أفريقيا”.




وتدور الرواية عَقب ذلك التعريف في الفضاء الذي تصنعه العبارة؛ إذ تعالج الكاتبة بهذه الشخصية المسلمة البيضاء التي نشأت في أفريقيا السمراء قضايا التمييز العرقي والديني والنوع الاجتماعي. إنّها شخصية يمكن أن يُقال عنها، روائياً، رابحة وكيفما تحرّكت تصنع دلالة ما.


توفّي والدا ليلي، الرحّالتان، عندما كانا في طنجة. لتبدأ رحلتها من هناك، وهي في عمر الثامنة. تتلقّى دروس الدين عن طريق شيخ يتبع الطريقة الصوفيّة، وتعيش في جوار مزار وليّ إثيوبي. ثمّ تضطّر للهروب إلى مدينة هرر في إثيوبيا بسبب تغيُّرات سياسيّة في المغرب أواخر الستّينيات، وتصل إلى هرر وهي في عمر السادسة عشرة، لتبدأ تجربةَ الاندماج في بيئةٍ تنظر إليها – على الرغم من التزامها الديني – على أنّها “إفرنجية”، إلّا أنّها وعلى الرغم من كونها لم تعش سِوى أربع سنوات في إثيوبيا، سوف تعتبر إثيوبيا وطنها. وعندما تصل إلى بريطانيا تتشارك الواجبات المنزلية مع جارتها آمنة، الإثيوبيّة، التي بدورها، أُجبرت على الهروب من وطنها. 


وتصف ليلي علاقتهما بأنّهما ضرائر لوطن واحد. يشرح هذا التعريف علاقة السيّدتَين اللاجئتَين اللتين تتشاركان صِعاب النجاة من وَطنٍ لم ينجُ أهله؛ إذ بينما يستهلك انتظار عزيز، الحبيب المفقود، سنواتٍ من حياة ليلي، تُعاني آمنة صعوبات العيش مع زوجٍ ناجٍ، معتزلٍ ومصدوم، يخاف من الظلام ومن الرجال الآخرين، يخاف حتّى من أطفالهِ. وكانت آمنة قد رأت في شامة طفلتها خريطة أفريقيا، مع أنّ حملها في مخيم اللجوء، من طبيب هناك، كان سبيلاً قهريّاً للخروج من أفريقيا. 


أثناء إقامة ليلي في إثيوبيا تتعرّف على وجهِ العنف الذي يمثّله الشيخ باسم الإسلام، في حين أنه يمثل الجهل أكثر من أي شيء آخر. وتأخذ على عاتقها البُرهان – لنفسها قبل الآخرين – أنّ الإسلام “هدية” إلى الأجيال. تُوكِل الكاتبة إلى ليلي الإفرنجية هذا البُرهان. فتواجه ليلي خطوةً خطوة؛ العادات، بتعريتها عن الدين. والجهل، بتعليمها للأطفال، وباللجوء إلى المستشفى؛ حيثُ تبدأ من هناك حكايتها مع الدكتور عزيز، الوجه المنفَتح للإسلام، الذي يمثّل العلم، بفصلهِ ما هو مُقَدَس دينياً عن الثقافة المحليّة المُتوارَثة؛ فعزيز يؤمن بالإسلام، لكنّه يؤمن بالعدالة التي أحضرها كارل ماركس أيضاً. لكن حتّى في بريطانيا تبقى قراءة القرآن وسط العائلة تعني لليلي الطمأنينة، فيما بدا تصالحاً مع تجربتها. وكانت استعارت تشبيهاً من الأدب عن نفسها، وهو أنّها عاشت مثل “أليس في بلاد العجائب”. إشارة إلى الحياة التي عاشتها بعد وفاة والديها. أمّا النسبة إلى الإثيوبيّين فإنّ انهيار إمبراطوريةٍ حكمت لمدّة ألفي عام، هو السقوط في مرآة العجائب.


بعد 17 عاماً من الرعب، تستمر حياة ليلي في بريطانيا


بعد سبعة عشر عاماً من الرعب، تستمر حياة ليلي في بريطانيا. في داخلها امرأة إثيوبية تنتحب عند سماعها أخبار بلادها، وامرأة إنكليزية تستقبل أخبار الغائبين، خَرساء وصامتة. فالرواية التي ترصد هجرة الأرواح، ترصد أيضاً عودتها المؤلمة؛ إذ بقي لكلّ ناجٍ شخصٌ ما، يفتقده في إثيوبيا؛ “البلد الذي يعيش فيهِ المفقودون”.


“يبقى كلُّ واحدٍ منّا مذنباً بنظر الآخر. فإن كنتَ أمهرياً، فأنت مذنبٌ بدعم ديكتاتورية متوحّشة؛ وإن كنت أورومياً، فأنت مذنبٌ بمعاداة الثورة، وإن كنت هررياً، فأنت متّهمٌ بتكديس الثروة واستغلال الفلّاحين. إما إن كنت لاجئاً، فأنت مذنبٌ بارتكاب أسوأ الجرائم على الإطلاق: التخلّي عن بلدك، وأولئك الذين تحبّهم”.


* كاتب من سورية






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً