كان العشبُ دخاناً

محاكاة


إلى أين تمضين،

أيّتها الورقة الصغيرة الرقيقة،

بعيدةً عن غصنك؟

الرّيح طوّحتْ بي 

من أحراش الزان حيث وُلدتُ.

تُدوّم آن تَطيرُ، تَتخطّفني

من غابةٍ إلى مرج

ومن هضبةٍ إلى وادٍ.

بلا توقّف، أجوبُ معها،

غير عابئة بشيء.

أمضي إلى حيث يذهب الكلّ،

وإلى حيث تذهب الوردة

وورقة الغار، أيضاً.



■ ■ ■



أغاني ميليسّو


إلى نفسِه


الآن راحةٌ إلى الأبدِ،

يا أيّها القلبُ المنهكُ. الوهمُ الأقصى

الذي ظننتَ أنّه خالدٌ ماتَ. لقد مات.

إنّي لا أرى الأمل فحسب

بل الشهوة لأوهام محبوبة

انتهت. كنْ ساكنًا إلى الأبد.

لقد نبضتَ وقتًا طويلًا.

لا شيء يستحقّ خفقك، ولا الأرض

تستحق أن نتأوّه من أجلها. الحياة

ليست سوى مرارةٍ، وملل، والعالم قمامة.

الآن، كنْ هادئًا. يأس اللحظة الأخيرة.

الموت الشيء الوحيد الذي وهبه القدر لنا.

استخفَّ بنفسك الآن، الطبيعة، القوّة الخفيّة الغاشمة

التي تقضي بالأذى، وتفاهة كلّ شيء، تلك التي لا حدّ لها.



ألْسيتا


اسمعْ، ميليسّو: أريد أن أحُدّثك عن حلمٍ

حلمتُ به ليلة البارحة، رؤية القمر ثانية

تذكّرني به. كنتُ أقف

عند النافذة التي تُطلّ على المرج

أرنو للأعلى، فجأةً فكّ القمرُ رباطَه.

وتراءى لي وهو يسقط،

كلّما اقترب صار أكبر، إلى

أن اصطدم بالأرض في منتصف المرج،

كبيرًا كدلو، وتقيّأ

سحابةً من شررٍ أصدرت هسيسًا عاليًا

مثلما تضع فحمة مشتعلة في الماء

وتُغرقها. بذا، كما قلتُ،

مات القمر في منتصف المرج،

قليلًا قليلًا أظلمَ،

وكان العشب في الأرجاء دخانًا.

ثمّ، وجّهتُ بصري إلى السماء، ورأيتُ

شيئًا ما يزال هناك، وهجًا أو ظلًّا،

أو حفرةً منها اقتُلِعَ القمر،

أصابني ذلك بالقشعريرة والخوف. وما زال يفعل ذلك.



ميليسّو


حُقّ لك الخوف، حين يسقط القمر

في الحقل سهلًا.



ألْسيتا


من يدري؟ ألا نرى دائمًا

النجوم تسقط في الصيف؟



ميليسّو


توجد الكثير من النجوم

سقوطٌ واحدة أو أخرى

ليس بالخسارة العظيمة، يتبقّى الآلاف منها.

بَيْدَ، ليس في السماء إلا قمر واحدٌ،

ذاك الذي لم يره أحدٌ يسقط أبدًا ــ إلا في الأحلام…



■ ■ ■



ما لا نهاية


هذه الهضبة الوحشيّة، عزيزة عليّ أبدًا،

وهذا السياج الشجري، الذي يمنع رؤية

الكثير من آخر الأفق.

بَيْدَ، الجلوس هنا والتحديق، يمكنني مشاهدة

ما وراء ذلك في عين ذهني، فضاءات لا نهاية لها،

وصمت هائل، وسكينة لا قاع لها،

إلى حدّ أن ما أشعر به 

هو الخوف. عندما أسمع

الريح تعصف في الأغصان، أبدأ في

مقارنة ذلك السكون اللانهائي بهذا الصخب:

يأتي الأبديّ إلى الذهن،

والفصول الميّتة، والحاضر الحيّ، وكيف تتبدّى.

يغطس ذهني في هذه الشساعة:

الغرقُ لذيذٌ في بحر كهذا.



* ترجمة: عاشور الطويبي، والقصائد المختارة هنا منشورة في مجموعة “أغاني”، التي أصدرها الشاعر الإيطالي عام 1831، وجمع فيها الجزء الأكبر من أعماله. ينظر الكثير من النقّاد الإيطاليون إلى هذه المجموعة، وإلى شعرية ليوباردي ـــ المولود عام 1798 والراحل في 1837 ـــ بشكل عام، باعتبارها واحدة من الصور الأكثر إشراقاً في تاريخ الشعر الإيطالي بعد دانتي.




 




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً