كلُّ شيءٍ "قابل للكسر": التباسات مُعلّقة تُروى حكاياتُها بسلاسةٍ

في 3 أيام فقط، تريد نانسي (حنان مطاوع) تصفية كلّ شيءٍ في مدينتها، قبل هجرةٍ إلى كندا، تقول، مراراً، إنّها (الهجرة) لن تحول دون عودتها، ولو بين حينٍ وآخر. تقول هذا بـ”ثقةٍ”، لكنّ نظرةً من عينيها، أثناء قولها هذا، تشي بنقيض ذلك. في الوقت نفسه، لا شيء يؤكّد هجرتها. فرغم انتقالها في سيارة أجرة إلى المطار، رفقة كريم (عمرو جمال) ولُبنى (رانيا شاهين)، يبقى تنفيذ القرار ملتبساً، فالخاتمة معقودة على سيارة الأجرة، واللاحق بها غير مكشوفٍ علناً.


التصفية المقصودة متنوّعة: علاقات معطّلة وغير واضحة. مشاعر موءودة. ارتباطات ذاتية بأشياء وأمكنة. معنى الهجرة وسؤال البقاء. ضغوط آنيّة وأخرى تنتظرها في المهجر (اتصالٌ مع أفراد عائلتها في كندا كفيلٌ بتبيان قلقٍ من ضغوطٍ كهذه). المنزل وأثاثه. السيارة. تنويعٌ يُثير شعوراً دائماً بأنّ هناك ما يدعوها إلى قرارٍ آخر. هذا جميلٌ في “قابل للكسر” (مصر، 2020، 104 دقائق)، الروائي الطويل الثاني للمصري أحمد رشوان، بعد “بصرة” (2008). أما الـ”قابل للكسر”، فمعقودٌ على تنويعٍ آخر أيضاً، أبرزه: ذات مرتبكة، وعلاقة غير محسومة، ورغبة مكبوتة، وعيشٍ مُعقّد.


في لحظاتٍ عدّة، تُبدي نانسي شعوراً بالاختناق، لكنّ ابتسامة خبيثة تكفي لإعلانٍ صامت وعميق وقاسٍ عن غضبٍ، وعن إدراك وقدرةٍ على استيعاب مُسبِّبات الاختناق، وإنْ يتمدّد الاختناق طويلاً في جسدها وروحها وقلبها وعقلها. فهي تمتلك قوّة في مواجهة كلّ شيء، أو هكذا توحي حركاتها ومشيتها ونظراتها وملامح وجهها ونبرتها، وبعض النبرة هادئ، فالغضب فيها صامتٌ، وانتباهها إلى ذاتها وأفعالها عميقٌ فيها. مُرتبكة هي، في الحبّ والحياة والعلاقة بالمدينة وناس المدينة. تحتاج إلى منفذٍ، والمنفذ أمامها، لكنّ فيها ما يوحي بتردّد، والطريق طويلة إلى المطار، والكاميرا (محمود لطفي) لن تُرافقها إلى هناك، فالنصّ (سيناريو رشوان) معنيّ بالسابق على المغادرة، وفيه الأصعب والأكثر دفعاً إلى مواجهة تحدّيات الأسئلة المُرهِقة.


نانسي تُحبّ كريم، وليلى (فاطمة عادل)، شقيقة لبنى، مخطوبة له. كريم يريد نانسي، ويخشى افتراقاً عن ليلى، فنانسي ستُهاجر بعد 3 أيام. للصداقة عند نانسي مكانة كبيرة، لكنّ الحبّ أقوى. ترافق صديقتها لبنى إلى الطبيب نادر (عاصم نجاتي)، لتُجهض جنيناً غير راغبة فيه، بعد جفاء مع زوجها وانفصالٍ عنه، والأم صفاء (حنان يوسف) تطمح إلى إعادتها إليه، رغم “كلّ ما فعله بها”. ليلى تريد ترتيب أمورها، في الحبّ والخطوبة والعمل والصداقة. تُدرك أنّ العلاقة قائمةٌ بين صديقة وخطيبٍ حبيبٍ، فتحاول حسم المسألة. لكنّ الحسم صعبٌ، لها ولغيرها، بينما نانسي تبدو كأنّها منحازة إلى الهجرة كـ”حسمٍ” أخير لكلّ شيء. فهل هذا صائبٌ وفاعلٌ؟


في “قابل للكسر”، ينتقي أحمد رشوان مسائل حسّاسة في بلدٍ ينهار، من دون تعمّق في معالجتها، فالأهمّ كامنٌ في التقاطها، لواقعيّتها في حياة كثيرين وكثيرات، وفي يومياتهم المثقلة بهمومٍ وقلاقل وموروثات. التحرّش أبرزها، كالنظرة الذكورية. الحيّز الخاص بالأقباط، كالحجم المُتاح لرافضي الخنوع والتبعية. مفهوم الصداقة، وبعض الصداقة استغلالٌ، يُمثّله حسين (خالد خطاب)، “صديق” كريم، ببراعة. “النسيان” (إنْ يكن عفوياً أو مرضياً أو تناسياً) مَنفذٌ، ووديع (عادل زهدي) يعيشه في منزلٍ، يُقيم فيه مع ابنه مايكل (رشوان)، الخطيب السابق لنانسي.


 




 


سلاسة السرد السينمائيّ أساسيّة. لا فذلكات بصرية وفنية ودرامية. لا تعقيدات ولا مواقف ولا أحكام. الحكايات والانفعالات والهوامش واقعية. التصوير يُلاحق التفاصيل، فيُوثّقها في مروياتٍ مُتتاليةٍ عن أناس ومدينة واجتماع، من دون تعمّق فيها، إذْ يكفي نقل واقعيّتها ببساطة. هذا يُستَكمَل بأداءٍ عفويّ، ينبثق من حِرفيةٍ، يُضاف إليها عيش حالاتٍ في اجتماعٍ متوتّر.


الجنون حاضرٌ أيضاً، ونانسي تختبر وطأته في لحظةٍ، تبدو عُمراً، وحنان مطاوع تمنح الاختبار حساسيته ومعناه وحقيقته، بأداءٍ يترك للحركات والتعابير والملامح قول كلّ شيء. ذات لحظة، تريد نانسي سحب مبلغٍ من المال من آلة مصرفية في شارعٍ، فيهجم عليها “مجنون الشارع” (محمد الموجي)، الذي يظنّها شخصاً يريد الانتقام منه. لحظات قليلة، تُضيف إلى أداء مطاوع بُعداً آخر من حِرفية ورهافةٍ وعفوية وصدقٍ، تتمتّع بها نانسي بفضل مطاوع.


باختياره “قابل للكسر” عنواناً، يُخفي أحمد رشوان ماهية القابل للكسر، إنْ يكن فرداً أو شيئاً أو حالة أو انفعالاً أو اجتماعاً أو بلداً. الإيحاء مهمّ. الالتباس أيضاً، كالتباس النهايات المعلّقة لمصائر وأحاسيس، وإنْ يكن هناك ما يشي بوضوح بعضها، وهذا غير مهمّ، فالأيام الثلاثة منتهية، ونانسي تخوض ـ رفقة كريم ولبنى ـ أقسى لحظاتٍ وانفعالات وهواجس.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً