كوابيس حسن أكرم: محاكاة ساخرة تداوي واقعاً جريحاً

في المجموعة القصصيّة الثانية للقاص العراقي حسن أكرم “كتاب الكوابيس” الصادرة عن دار “مقبرة الكتب” في بغداد، يحضرُ عالم الكِتاب بما هو فاعل ومؤثر في حياة البشر. إذ تتفاعل شخصيات خارجة من الكُتب مع أبطال الحكايات العراقيّة، في المجموعة الحائزة على منحة “الصندوق العربي للثقافة والفنون-آفاق” عام 2020.


تتألف المجموعة التي تقع في 158 صفحة من خمس عشرة قصة. يتداخل في القصص ما هو مُتَخَيّل، مِثلَ خروج شخصيات من الكتب، كما في قصة “الرجل البطيء”، معَ ما هو واقعي. أي، مع حياة الكاتب في العراق، الذي نراه موزّعاً بين عالمين لا يدرك القارئ أيّهما هو العالم الحقيقي. إذ يتعاطى أكرم مَع الكُتب التعاطي نفسه مع الحياة، كما لو أنّهما مصنوعان من مادّة واحدة.


إلى جانب هذا الالتباس بين العالمين في ما يَخصّ الكُتب، نجد في قصصٍ أخرى تدخّلاً للخيال في الواقع نفسه، كما في قصة “أُم الكوابيس” حيثُ تَرى الأم ما يحدث مع ابنها مرسوماً على الحائط، ثمّ يُحضِر لها أدوات رسم، وتَرسم مشاهداتها التي تَتقاطع مع حياتهِ بصورةٍ مماثلة. ثمّ في النهاية ترسمُ الأم مشهد انتحار ابنها. ومن خلال هذا المصير، نعرف أنّ القصة، لم تكن سوى محاكاة ساخرة ومؤلمة لما يشغل الكاتب من أفكار حيال الحياة والموت ضمن واقع متفسّخ لبلدٍ خارج من الحروب، ما يجعل الفارق بين الموت والحياة فارقاً ضيقاً.


سخرية مُحكمة يعيد بها الكاتب أنسنة واقعه وشخوصه


يشكو أبطال القصص من ضيقٍ في العَيش، ويتحلّون بجموحٍ في الأفكار. فالحلول التي تبتكرها الشخصيات لأزماتها حلولٌ غير عادية، يصوّرها أكرم كما جاءت في مخيلة الشخصيات، ليست تحرّريّة بالضرورة، وإنّما تميلُ الشخصيات إلى قهر ذاتها، وإلى أن تجعل من وجودها مُجرَّد فراغ خالٍ أو عتمة مطبقة، كما في قصته “لطخة حزن”.


أمّا في قصة “مطبخ الحرب” فتنشغل الشخصيات الضائعة في ركام الحرب وضجيجها، في ابتكار حلولٍ من نوعٍ بدائي. تعيدُ الإنسان في عصر الطائرة الحربيّة إلى فطرتهِ الأولى وحاجتهِ الأولى، وهما أساس بناء العالم القصصي لدى حسن أكرم، الذي يبحث في قصصه عن لسانهِ الأول، منطقهِ الأول، ورد فعلهِ الأول حيال ما يحدث في محيطهِ.


لكن في قصتهِ هذهِ، كما في قصة “معطف الظفيريّ” ذات السخرية الرفيعة (التي كما في مجمل القصص تعيد أنسنة واقعها وشخصوها) يلتقط القارئ حكايات عراقيّة لأناسٍ عرفوا الفقر وعرفوا الحاجة وافتقاد الأمان، وقد تناسلوا جيلاً بعدَ آخر من الهموم ذاتها. إذ يختتم ابن الظفيريّ الذي ورث معطف والدهِ، أي؛ حياته: “كلنا خرجنا من معطف الظفيريّ”. والمعطف هُنا، مرتبط بالعيش في ظلّ الحزب الواحد ومناسباتهِ العقائدية، ويحيل بالطبع إلى كناية “معطف غوغول” الشهيرة في الأدب الروسي. حروب العراق والنظرة النقدية -الإنسانية بالأحرى- نحوها، تظهر في قصة “هم ونحن”، باستخدام أكرم تفاصيل حياتيّة مثل الطبخ ومحاولة الهروب والنجاة كي يشير إلى حياةٍ يعيشها العراقيّون، مُوزّعين بين ضمائر متصارعة.




كما أنّ القصة التي تحمل اسم المجموعة مُؤسّسة على فكرة التوارث عينها؛ ذلك أنّ الابن يرثُ كوابيس أبيه. وفي مجتمعات مُستَلبَة يكون للأحلام حضورٌ بديلٌ عن الواقع، ذلك أنّ الإنسان في مجتمعاتٍ تسلب الإنسان فرديّته، كثيراً ما يعيشُ في المنامات. كذلك تستمر مخاوف بطل حكاية “لن أترك أصابع حبيبتي تذهب لمقود آخر” بالعيش معه حتى بعد وفاة الأب الذي كان سبباً لتلك المخاوف. إذاً، موتُ الأب في قصص أكرم، موتٌ واهٍ، حيثُ يرث الابن بصورة دائمة حياة والده.


تنوء شخصيات الكتاب تحت أحلام ثقيلة، لا يمكن أن تطالها. وبطل قصة “نادي الكونغ فو للمتزوجين” نظراً لعدم إمكانية تحوّله إلى “بروس لي” حقيقي، يجهّز نادياً باسمهِ. قبل أن ينهار النادي بعد ركلة براد بيت لبروس لي في أحد الأفلام السينمائيّة، لينهار عالم الرجل العراقيّ، وتستبدل زوجتهُ النادي بآخر للملاكمة بعد تعرّفها على زوج جديد يحبّ الملاكمة. بهذه البساطة تتناوب الشخصيات في القصة، وتُستَبدَل. فالبطل هو الواقع الهزلي في القصص، لا الشخصيات، على فرادتها.


كما يقارب حسن أكرم العالم المُعَقّد المُقْتَتِل مقارباتٍ طفوليّة، لا تعيدُ للعالم رونقه الأول، ولكنها مقاربات تصنع للأدب بريقاً من نوعٍ ما، إذ بمقدور الإنسان أن يعود إلى طفولتهِ أو إلى لحظات مشرقة من ماضيه، بمساعدة الفنّ. النماذج الواقعية في القصص تلجأ إلى عالم الكتاب، مثل شخصية الضابط المُتَقاعِد في قصة “الذئب الذي يلاحقنا” الذي يبحث عن شخصية الذئب في الأدب، تَسودُ الكُتب عالم القصص؛ إمّا خروجاً من الأدب، أو عودةً إليهِ. إضافة إلى أنّ لقصّص حسن أكرم منطقها الخاص، وهو خليط ممّا هو ممكنٌ وغير ممكنٍ. المخيلة تقبله، لكنّه غير واقعي.


بطل القصص هو الواقع الهزلي، لا الشخصيات على فرادتها


على ضوء هذا تقرأ قصصٌ عديدة من المجموعة، مثل قصة “حب عن بعد عشرة أمتار” التي تتحدّث عن مرض يجعل الدم يستجيب لانفعالات نفسيّة مرتبطة بوجود العاشقة إلى جوار بطل الحكاية. والمسألة بذلك، ليست طبيّة، وإنّما مرتبطة بشؤون القلب، وبذلك يتزوّج العاشقان، ويعيش كلّ واحد منهما في طابق. ومن ثمّ تهجر العاشقة عاشقها عندما يُشْفَى من مرضهِ، ويتوقف دمه عن الاستجابة لقربها. تمثّل هذه الحكاية القصةَ التي يكتبها حسن أكرم، إذ تظهر فيها تساؤلات الحُبّ والزمن والفراق بصورة ساخرة تُقِرُّ بالخسارة، حتّى أنّها ترجوها في نهاياتٍ متوقّعة وحادّةٍ معاً. كذلك في قصة “لا تتبعني”، وغيرها من قصص المجموعة المتنوّعة.


في قصتهِ “شاهدت قارئاً تحت المنضدة” تتمثّل سخرية حسن أكرم بصورة مُحكمة خالصة، عبر استخدامهِ نموذج الكاتب الذي صدّقَ خِداعَ النجاح الأدبيّ، مَرّةً، ثمّ صار يجري وراءهُ. إلى درجة تتدخّل الشرطة لدى الكاتب كي تُحرِّر قارئاً من قبضته. وهي أحد أكثر قصص المجموعة براعةً في الأسلوب، وفي تصوير ذلك الالتباس بين عالم الكِتاب وعالم الكاتب. وهو التباسٌ شائع في معظم قصص المجموعة عبر اختلافاتٍ طفيفة. فقصة الكاتب الذي يقبض على القارئ، تتلاقى مع فنّان “عمارة الفنّانين” الذي يتبّرم منه جيرانه. كما أنّ أكرم جعل المكتبة مكاناً لحكاياتهِ في قصة “عزيزتي تمارة” وفي قصص عديدة أخرى. في المجموعة نجاحٌ جديد للقاص العراقيّ في تصوير عالمٍ هزلي، وسط واقعٍ متجهّم وبالغ القسوة.



بطاقة


حسن أكرم، كاتب عراقي من مواليد البصرة عام 1993 ويقيم في بغداد. حصل على بكالوريوس في علوم الحياة، قبل أن يتجه إلى العمل في مجال النشر وصناعة وتسويق الكتاب. حصل على منحة آفاق للكتابة الإبداعية عن مجموعتهِ “كتاب الكوابيس”، ومنحة “مفردات” في بلجيكا عن مجموعته القصصية “لو أنني منعتُ الديمقراطية من أن تركب على ظهر الدبابة”. كما صدر له في الرواية “خطة لإنقاذ العالم” عن دار الرافدين (2020).


* كاتب من سورية






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً