لاو تسو بتوقيع محمد الأسعد: الوداعة تغلب القوّة والماء يثقب الصخور

عن “دار ذات السلاسل” في الكويت، صدر حديثاً كتاب “الطريق الحق وفضيلة الهدى” للحكيم الصيني لاو تسو (وُلد سنة 604 ق. م) بترجمة الشاعر والروائي والناقد الفلسطيني محمد الأسعد، وهو الكتاب المعروف في ترجمات سابقة بعناوين عديدة، من أبرزها ترجمة هادي العلوي باسم “كتاب التاو” (دار كنوز، 1995)، وترجمة فراس السوّاح باسم “كتاب التاو- إنجيل الحكمة التاويّة” (دار علاء الدين، 1998).


أنجز الأسعد ترجمتهُ عن الترجمة الإنكليزيّة للأميركي رولاند برنارد بلاكني، وهي نسخة مزوّدة بشروح تجاور قصائد الكتاب الأصلية. كما يشرح المترجم في مقدّمتهِ الأسباب التي دعتهُ إلى ترجمة الكتاب بعنوان “كتاب الطريق الحق وفضيلة الهدى” عبر تحليله للكتابة التصويريّة الصينيّة، ويذكر ترجمةً ذهبت إلى ما ذهب إليهِ في اختيار العنوان، وهي ترجمة أستاذ الفلسفة عبد الغفار مكاوي باسم “كتاب الطريق والفضيلة”، في حين اعتمدت معظم الترجمات العربيّة ترجمة عنوان الكتاب باسم التاو أو الطاو، مثل ترجمة محسن فرجاني (المركز القومي للترجمة، 2005)، وترجمة علاء الديب (دار الكرمة، 2015). كذلك توجد ترجمة بعنوان “الطريق وطاقته” وقد أنجزها يوحنا قمير (منشورات جامعة سيدة اللويزة، 2002)، وتُرجِمَ الكتاب بعنوان “كتاب الصين المقدّس” بترجمة أنجزها مسلم سقا أميني (دار الفكر المعاصر،2017).


والعملُ كتابٌ فلسفي نشأت بتأثيره حركة تصوّف، عُرفت بـ “التاويّة”. تتلخّص حكمة لاو تسو في التسليم لقوانين الطبيعة وعدم مقاومتها؛ إذ إنّ الوجود كاملاً يتحرّك وفق قوّتين متعاكستين ومتآلفتين، إحداهما الشر والأُخرى الخير، وبالمثل نجد ثنائيات عديدة: الذكر والأنثى، الحركة والسكون، التغير والثبات، الفكر والمادة، وغيرها الكثير.


يضع صاحب “أطفال الندى” في الترجمة خبرتَه الأدبية


الإنسان في فلسفة لاو تسو جزءٌ من الطبيعة، وكي يزدهر ويعيش بسلام، ما عليهِ سوى التلاؤم مع ما يحيط بهِ، والتوقُّف عن المبادرة من أجل تغيير ما حوله؛ إذ يتوالد نظام الأشياء من داخلها، لا من قوّة تُطبَّق عليها. تسعى قصائد الحكمة إلى السمو بالبشر عبر وضعهم في نظام كوني متناغم، حيثُ تنمو الشهوات والأهواء والمطامح الفرديّة في إطار يخدم الآخرين. وبذلك يتحرّر الفردُ من الرغبات الذاتية وتضيءُ داخله – عوضاً عنها – قيمُ التواضع والرحمة والنزاهة. يبتعد الإنسان في فلسفة لاو تسو عن المتع الحسيّة ويتبع الإحساس الداخلي والمشاعر الخاصّة إزاء الأشياء، فالمتع الحسيّة تضلّل البشر عن سلامهم الداخلي، والذي يعكسُ العالم من حوله ويؤثّر فيه. تنمّي قصائد الحكمة لدى الفرد إدراكه بأنّ كلّ ما يصدرُ عنهُ يعودُ إليهِ، وكلّ ما يحبسهُ عن الآخرين، يحبسهُ عن نفسهِ.




لا يبذل الناس مجهوداً كي يكونوا أخياراً وفقَ عقيدة التاو، إذ ما إن يتقاسم البشر مصيرهم على مساواةٍ مع الكائنات في الطبيعة، حتى يعودوا إلى الحكمة والرحمة والأخلاق، مقابل ما جاءَ بهِ التمدّن من قسوة واضطراب وأنانيّة. ليس العالم لدى لاو تسو موضوع إصلاح بالنسبة للإنسان، إذ ليس للإنسان أن يَتَدَّخل أو يُخضِع الغير، فللأشياء والكائنات خصائصها الفردية أيضاً. الإنسان وفقاً لعقيدة التاو ليس إنسانَ عنف، وإنّما هو متأمّلٌ؛ يُحاكِم وفق شعورهِ العميق بالطبيعة ومن ثمّ يغفر أو يتّعظ. لا يقابل السوء بالسوء ولا يجابه القوّة بالقوّة، وإنّما يُعلّمنا لاو تسو: “كيف أنّ الوداعة تغلب القوّة، وكيف أنّ الماء يثقب الصخور”. بلا شك، تشكل ترجمة محمد الأسعد – التي يضع فيها صاحبُ “أطفال الندى” خبرتَه الأدبية الطويلة – إضافة في لغتنا لقراءة وفهم هذا النص المؤسِّس، لا سيما في منطقة تشتعل فيها حروب عديدة وتفرض “ثقافتها”. 



شذرات من “الطريق الحق وفضيلة الهدى”



لا يستطيع الجميعُ رؤية الجميل جميلاً

إلّا لأنّ القبحَ موجودٌ أيضاً

وحين يُؤخذ الخيرُ في الاعتبار بوصفهِ خيراً،

يدخل الشرُّ في الاعتبارِ كذلك.

 

***


وأنت تعمل كُن صامتاً.


***


الكثيرُ من الكلام يعني الكثيرَ من الاستنزاف

الأفضل بما لا يقاس أن تحتفظ بأفكارك.


***


يختار الحكيمُ أن يكون الأخير

وبهذا يصبح الأوّلَ في كلّ شيء

وبإنكارهِ لذاتهِ، يحميها أيضاً

أوليس تجرّدهُ هذا

هو ما يصلُ به إلى الكمال؟


***


حين يُقبل عليك النجاح

وتُقبل الشهرة؛ اعتزلهما.


***


التدخُّل يفسد الأمور، والتشبُّث يفقدنا إياها

ولهذا يحجم الحكيم عن التدخّل

فلا يفسد شيئاً 

لا يتشبّث بشيء، ولذا لا يفقد شيئاً على الإطلاق.


***


لا يستطيع المرءُ أن يحرس

بيته حين يكون ممتلئاً

بالذهبِ الخالص والأحجارِ الكريمة:

الثروة والقوّة والخيلاءُ

تورّث مصيرَ زوالها المحتوم.


***


الإنعامُ مثل الهوان

يأتي معه بالمتاعب

والمنزلة العالية

شأنها شأن نفس

ترافقها محنة قاسية.


***


يمكن أن يُعهد بالسيادة

على العالم لذلك الإنسان

الذي يحبّ لكلّ الناس

ما يحبّ لنفسه.


*** 


عقل الحكيم حرّ 

ولكنه متناغمٌ مع حاجات البشر.


***


الأسلحة أدواتٌ منذرة بالشؤم

لا يستخدمها السادة المهذّبون

ولكن حين لا يمكن تفادي استخدامها

يستخدمونها بهدوء وتحفُّظ

وحتى في ساعة النصر

لا يُستحب إظهارها

لأن من يعجبون بها بحرارة

رجال يبتهجون بالقتل.


***


الإنسانُ الجيّد هو أستاذ الإنسان السيّئ

والإنسانُ السيّئ من جانبه موضوع عمل الإنسان الجّيد

فإذا لم يحترم المرءُ أستاذه

أو لم يحب الآخر موضوعه

فإن خطأه عظيم.


***


معرفة الآخرين حكمة

ولكن معرفة المرءِ لذاتهِ استنارة

المتغلّبُ على الناس ذو قوّة

ولكن سيّد نفسه هو القوي

الغنى في القناعة

وتعنتٌ أن يشقّ المرءُ طريقه على حساب الآخرين

حفاظُ المرء على مكانهِ هو الصمود

والحياة الطويلة هي أن تموت وليس أن تفنى.


***


لا خطيئة تفوق

التحريض على الحسد

لا فاجعة أسوأ

من أن تكون ساخطاً

ولا نذير شؤم

أكثر ترويعاً من اشتهاء ما لدى الغير

ولكن ما إن ترضى مرّة،

وبصدق، ستظلّ كذلك دائماً.


***


لا شيء أسوأ من أعداء بلا حول ولا قوّة

أمامهم أخسرُ كنوزي

حين يتواجه عدوان

يفوز الرحيم منهما!


*** 


أيهما الأعز، الشهرة أم الذات؟ 

أيهما أكثر قيمة، الإنسان أم الثروة؟

أيهما أشدّ أذىً، الربح أم الخسارة؟


***


لا شيء أضعفَ من الماء

ولكنه حين يهاجمُ شيئاً صلباً 

أو مانعاً، لا يقاومهُ عندئذ شيء

ولا شيء سيغيّر طريقه

الجميع يعرف هذا: 

الضعفُ يتغلّب على القوةِ، 

وتنتصرُ الرقةُ على الصلبِ الشديد.


***


ما النصر بعد أي معركة 

سوى نغمةٍ في طقسٍ جنائزي.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً