"لا موسترا 2019": دورة غير استثنائية بجوائز متوازنة

مساء السبت الماضي، اختُتمت الدورة الـ76 لـ“مهرجان البندقية (فينيسيا) السينمائي الدولي”، المنعقدة بين 28 أغسطس/ آب و7 سبتمبر/ أيلول 2019، وهي دورة غير استثنائية في اختيار أفلام الأقسام المختلفة، مقارنة بدورة العام الماضي مثلاً، رغم وجود أسماء عديدة مُكرّسة سينمائيًا، كان يُتوقّع أنْ تُقدِّم الكثير. لذا، لم تجد لجنة تحكيم الدورة الأخيرة هذه، برئاسة المُخرجة الأرجنتينية لوكريسيا مارتيل، صعوبة كبيرة في اختيار أفضل الأفلام بشكلٍ عادل، وتوزيع الجوائز على نحو متوازن ومُنصفٍ إلى حدّ بعيد. 
في أولّ مُشاركة له في مهرجان فينيسيا، فاز الأميركي تود فيليبس بـ“الأسد الذهبي” عن “جوكر”. نجاح لم يأت من فراغ، والفوز مُستَحقّ بالتأكيد، إذْ بدا الفيلم، منذ عرضه الأول، أحد أقوى أفلام المسابقة، و”رشَّحه” كثيرون لجوائز مختلفة، أبرزها أفضل ممثل، التي كان يستحقّها واكِنْ فينيكس، عن تأديته شخصية “آرثر فْلَك”. لكن، كان يصعب منح الفيلم جائزتين.
ذكر فينيكس في تأديته آرثر فْلِك/ الجوكر لم يكن بسبب روعة أدائه فقط، بل لأنّه لولا تأديته الدور لما كانت للفيلم قوّة ومصداقية. فـ”الجوكر” قائم على شخصية وحيدة بالغة الإنسانية، تعاني أمراضًا نفسية، لأسباب بعضها خاص بالتربية والمجتمع. يسرد الفيلم التطوّرات التي تطرأ عليها، وتحوّلها إلى نقيض ما هي عليه، من دون أدنى انفعال. ورغم جنوح الشخصية إلى القتل والدم، وعدم قدرتها على إثارة تعاطف مع ردود فعلها الدموية، إلّا أنّ الدوافع مفهومة، وتكاد تكون مُبرَّرة.

بعد عرضه الأول في المسابقة الرسمية، وُصف “إنّي أتّهم”، للبولندي الفرنسي رومان بولانسكي، بأنه “تحفة سينمائية”، وتردّد أنّه يصعب عدم منحه جائزة. وهذا ما حصل، إذْ فاز بـ”الأسد الفضي ـ الجائزة الكبرى للجنة التحكيم”. الفيلم عن قضية الضابط الفرنسيّ اليهودي ألفريد درايفوس، المتّهم ظلمًا بالتخابر مع بلد عدو. ورغم شهرة القضية منذ حدوثها عام 1894، وكثرة تناولها، نبضت بدماء جديدة، مع بولانسكي. المُتمرّس في تقديم هذا النوع من الأفلام التاريخية.

في مفاجأة غير متوقّعة كلّيًا، أثارت دهشة واستغراب كبيرين، كي لا يُستخدَم تعبير “استهجان النقّاد والصحافيين”، فاز “عن الأبدية”، للسويدي روي أندرسون، بـ”الأسد الفضي ـ أفضل إخراج”. فأندرسون، الفائز بـ”الأسد الذهبي” عن تحفته “حمامة جلست على غصن تتأمل الوجود” (2014)، لم يتمكّن من تقديم لافتٍ أو جديدٍ أو مغايرٍ في “عن الأبدية”. لكنه، وكعادته، يتأمّل الوجود البشري، بكلّ ما له وعليه، بأسلوبه المُميّز، الذي لم يحد عنه في جُلّ أفلامه. وذلك في مَشَاهد أو فقرات عبثية، متّصلة ـ منفصلة، تُناقش كلّ شيء، وتسخر منه، مُضيفًا على السخرية مرارةً. لكن الفيلم لم يكن بالقوّة نفسها لأفلامه السابقة.

“كأس فولبي أفضل ممثلة” مُنحت لأريان أسكاريد عن دورها في “غلوريا موندي” للفرنسي روبير غيديغيان. بهدوء شديد ومصداقية بالغة، أدّت أسكاريد دور سيلفي، أمٍ لابنتين غير شقيقتين، تكافح وزوجها الحالي من أجل لَمّ شمل العائلة، ومواجهة الصعوبات المالية الجمّة التي تواجه إحدى ابنتيها، وتكاد تعصف بزواج الثانية، التي أنجبت طفلة سمّتها غلوريا. إلى هذا، تواجه سيلفي صعوبات في وظيفتها كعاملة تنظيفات، إذْ يريد زملاؤها بدء إضرابٍ عن العمل لرفع الأجور، بينما لا تستطيع مشاركتهم به، لحاجتها الشديدة إلى المال. في الوقت نفسه، يخرج زوجها السابق من السجن بعد أعوام طويلة أمضاها فيه، راغبًا في لقاء حفيدته، فيبدأ تواصله مع العائلة، ما يؤدّي إلى بعض التوتر، ويُوقظ مشاعر قديمة، تحاول سيلفي السيطرة عليها.

أما “كأس فولبي أفضل ممثل”، فنالها الإيطالي لوكا مارينيلّي، عن دوره في “مارتن إدن” لبياترو مارتشيلّو. إدن شخص عصامي، يعمل بحّارًا. أمّيٌ، لا يعرف الكثير عن حياة أخرى غير حياة البحر والشقاء والفقر. بإصرار وعزم شديدين، يُقرّر أنْ يصبح كاتبًا وأديبًا مشهورًا. حبّه لشابّة من أسرة إقطاعية دفعه إلى حبّ القراءة والكتب، فهي نصحته بضرورة إكمال تعليمه. يهجر العمل، ويعيش حياة تقشف وجوع لتحقيق حلمه، فيتمكّن لاحقًا من تحقيق شهرةٍ وثراء، لكنّه يخسر حبّه، ويعيش حياة تعيسة.

لم يكن أداء مارينيلّي مُقنعًا تمامًا، مقارنة بجان دوجاردان في “إنّي أتّهم” مثلاً، أي أنّه غير مُستحقّ الجائزة بجدارة وإنصاف. لكنّ الفيلم جيد، على غرار الأفلام الإيطالية في هذه الدورة، مقارنة بدورات كثيرة سابقة. هذا يظهر في فوز الفيلم الإيطالي الآخر “عمدة ريوني سانيتا” لماريو مارتوني بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، التي يستحقها، وإنْ كان يُفضَّل منح جائزة أفضل ممثل لفرانشيسكو دي ليفا، عن دوره كعمدة ريوني سانيتا، بدلاً من مارينيلّي. لكن اللجنة ارتأت أن الفيلم إجمالاً أقوى من “مارتن إدن”، وأنّه يستحق جائزة لجنة التحكيم، أكثر من جائزة التمثيل.

أحداث الفيلم، المأخوذ عن مسرحية بالعنوان نفسه لإدواردو فيليبّو، تدور في نابولي، مع العمدة أنتونيو باراكانو، الذي يفصل بالعدل، لكن بحزم وجدّية، بين سكان المنطقة، الذين لديهم مشاكل ومنازعات، مستندًا إلى “كاريزما” فائقة، مُعطيًا لكلّ واحد حقّه. هذا كلّه في إطار غير معهود، يتمثّل بإبراز وجه آخر للمافيا ورجالها لم يظهر سابقًا.

للمرّة الأولى هذا العام، ينافس فيلم تحريك أفلام المسابقة الرسمية، ويفوز بجائزة أفضل سيناريو: “رقم 7، حارة الكرز”، للصيني يونفان مخرجًا وكاتبًا. جائزة تطرح تساؤلات كثيرة، خاصة أنّ في المسابقة أكثر من فيلم يستحقّها، كـ”في انتظار البرابرة”، للكولومبي تشيرو غيرّا، عن رواية بالعنوان نفسه للجنوب أفريقي جي. أم. كويتزي.

فالسيناريو الفائز لم يُقدِّم جديدًا. قصّته عادية، عن طالب يدرس الأدب الإنكليزي، يُغرم بفتاة صغيرة وبوالدتها في الوقت نفسه. تدور الأحداث في هونغ كونغ، في ستينيات القرن الـ20. يونفان مخرج أفلام رومانسية جيّدة، و”رقم 7، حارة الكرز” أول فيلم تحريك له، بعد أفلام وثائقيّة وروائية طويلة.

إلى ذلك، مُنحت جائزة “مارتشيلّو ماستروياني – أفضل ممثل أو ممثلة صاعدة”، للأسترالي توبي والاس، عن دوره في “أسنان الطفلة” لشانّون مورفي. الجائزة مُستحقّة لجودة الفيلم وأداء الممثل، ولعدم وجود منافسة قوية في الفئة العمرية نفسها. موزس شاب ضائع، منفصل عن عائلته، مدمن وتاجر عقاقير، يتعرّف صدفة على الشابّة ميلا، المريضة جدًا، التي تعيش أيامها الأخيرة. يتعقّد الأمر مع مبادلتها إياه الحب نفسه، الذي سيكون كارثيًا بالنسبة إلى أسرتها الأرستقراطية. لكن، بسبب تمسكها به، وقدرته على إعادة البسمة إليها، تتغاضى الأسرة عن العلاقة، مانحة ميلا أجمل لحظات حياتها قبل الرحيل.

أما جائزة “لويجي دي لورينتس – أسد المستقبل”، التي تُمنح للفيلم الأول، والتي يترأّس لجنة تحكيمها المخرج أمير كوستوريتسا، فذهبت إلى الفيلم السوداني “ستموت في العشرين” لأمجد أبو العلاء. لم يكن الفوز مفاجئًا أو غير متوقّع، فقد أجمعت آراء كثيرة على أنّه الأقوى بين أفلام مسابقة “أيام فينيسيا”. وكان مثيرًا للانتباه عدم اختياره للمسابقة الرسمية، أو لقسم “آفاق” مثلاً، التالي للمسابقة الرسمية في الأهمية.

“ستموت في العشرين” مأخوذ عن مجموعة قصصية للسوداني حمور زيادة، بعنوان “النوم عند قدميّ الجبل” (2013). فيه سرد سينمائي آخّاذ، ورؤية بصرية جميلة للغاية، من دون تكلّف أو افتعال. الصدق الفني “كلمة مفتاحية” في تلقّي الفيلم، الغائص في تربة سمراء، غاية في الخصوبة. يرتكز الفيلم على شخصية مُزَّمِّل، الذي قيل لوالديه فور ولادته إنّه سيموت عند بلوغه 20 عامًا. بعد استعراض وجيز لطفولته ومراهقته، ينتقل الفيلم سريعًا إلى مرحلة بلوغه عامه الـ20. رغم بساطة الفكرة وفولكلوريّتها، فإنها مُحمَّلة بقدر كبير من التأمّل والفلسفة ومقاومة الموت وحبّ الحياة والانتصار لها.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *