لا يمكن طي تاريخ البشر الأحياء بخفة

لا يمكن اختصار الكارثة الفلسطينية التي وقعت في عام 1948 بالأرقام المجرّدة، بأن هناك 800 ألف فلسطيني جرى اقتلاعهم من أرضهم ووطنهم ورميهم في العراء جرّاء إقامة دولة إسرائيل. وراء هذا الرقم مئات آلاف المآسي الفردية والجماعية التي توالدت ملايين المآسي في المنافي، لهؤلاء البشر الذين حلّت بهم الكارثة أسماء، ولكل اسم ملامح ومشاعر وأحاسيس، ولكل واحدٍ منهم تاريخه الشخصي مع المعاناة جرّاء الكارثة. أكثر الإجراءات قسوةً التي تتخذ بحق الفلسطينيين، حتى من المتعاطفين والمتضامنين معهم، هو اختصار معاناتهم إلى أرقام إحصائية جافّة لا حياة فيها، غير قادرة على رواية الحجم الحقيقي والمرعب للكارثة، كما عاشها بشر أحياء، وما زالوا يعيشونها منذ أكثر من سبعين عاماً.
شكّل تاريخ 15 مايو/ أيار ذروة المأساة الفلسطينية، وهو يمثل التاريخ الرمزي للكارثة الفلسطينية، بوصفها مستمرة. لقد حددت الأرض الفلسطينية بوصفها محوراً للصراع على مصائر البشر التي سكنت هذه الأرض، ولأن المشروع الصهيوني لم يكن للسكن المشترك على الأرض الواحدة، فقد وُضع الصراع في سياق نحن أو هم الإلغائي. ومن هنا تمت صياغة المجتمع الصهيوني منذ البداية، مجتمعا منفصلا. ولم يقتصر المشروع الصهيوني على احتلال الأرض من خلال القوة، بل كان من ضرورات الإمساك بالأرض احتلال التاريخ أيضاً، تأكيداً لأسطورة “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض”. ومن سخريات الكارثة الفلسطينية، ولإخفاء الجرائم الصهيونية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، لم تبرّر إسرائيل نفسها دولة استيطانية وحالة استعمارية، إنما صاغ المؤسسون مشروعهم باعتباره عملية تحرّر، بناء وطن لضحايا

 يبحثون عن حماية أنفسهم من تكرار إبادةٍ تعرّضوا لها، أي أنهم جلاد يسرق صورة ضحيته.
ولأن المنتصر يعتقد أن التاريخ ملكه، فإنه يحاول السيطرة عليه بمفعولٍ رجعي، ويعيد إنتاجه ليتوافق مع مصالحه، وليغطي جرائمه، وليبرّر الحالة التي أفرزها واقع عدواني بامتياز. وفي الحالة الصهيونية، وبحكم تواطؤ الغرب المسؤول عن الكارثة التي حلت باليهود في الحرب العالمية الثانية، والذي رغب في حلها على حساب الشعب الفلسطيني، كأقل الحلول كلفة، تم فرض الصمت على التاريخ الحقيقي لأرض فلسطين. من هنا، كانت السيطرة على الرواية التاريخية لما جرى في فلسطين ضرورةً لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. ويصبح تعميم تصدّره وزارة التعليم الإسرائيلية لإرشاد معلميها إلى الطريقة التي يجب أن يفهم فيها الطالب الإسرائيلي تاريخ البلد، هو الطريقة لإعادة اختلاق البلد وفقاً لروايةٍ صهيونية، لا يصدّقها سوى أصحابها، وينص التعميم على أن “من الضروري أن يعلم شبابكم أننا جئنا إلى هذا البلد لم نجد أية أمةٍ أخرى هنا. كما أننا لم نجد بالتأكيد أية أمةٍ عاشت منذ مئات السنين. أما العرب الذين وجدناهم هنا فإنهم وصلوا قبلنا ببضعة عقود فقط، في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر. بوصفهم لاجئين هربوا من الاضطهاد الذي مارسه ضدهم محمد علي في مصر”. يعتقد الصهاينة أن مثل هذا الوصف التاريخي لفلسطين يصبح مُبرّراً ومنطقياً وحقيقة واقعة، طالما أنهم استولوا على الأرض بالقوة، وكأن السيطرة بالقوة تعطي الحق بالسيطرة على السرد التاريخي.
استمرت إسرائيل، بعد إعلانها، في الاعتماد على الصيغة الصهيونية لاستكمال المشروع، وكما 

يصفها الكاتب الإسرائيلي، باروخ كيمرلنغ، “ولدت كمجتمع وكدولة مهاجرين مستوطنين، ولا تزال مجتمع هجرة واستيطان نشطين إلى الآن. وأقصد بذلك ممارستين خاصتين بالدولة تكمل إحداهما الأخرى: الأولى، كون إسرائيل وما نسميه عندنا (دولة مستوعبة للهجرة). والثانية أن حدودها في حالة عملية تشكُّل، من خاصيتين تضيقها وتوسيعها”. ولحفاظها على هاتين الخاصيتين، بقيت إسرائيل تضع الاستيلاء على الأرض أولوية في سياستها، على الرغم من تغير الظروف عن تجربة إعلان الدولة. وهذا ما أفرزته تجربة الاحتلال الإسرائيلي لأراضي 1967. وللحصول على الأرض، يجب تجاهل المقيمين عليها وإلقاؤهم خارجها. هذا الانغلاق الإسرائيلي باتجاه الآخر الفلسطيني هو إعادة إنتاج لسياسة الإلغاء. ومن هنا النظرة الإسرائيلية للـ”سلام” لا تنطلق من الاقتراب من طموحات الشعب الفلسطيني من خلال تحسّس آلامه، بقدر ما يتم النظر إليه باعتباره الهدف الذي يجسّد إنجازات الصهيونية، وهو ما يظهر اليوم من خلال السعي الإسرائيلي إلى ضم أراض فلسطينية في الضفة الغربية وغور الأردن، بعد القرار الأميركي بعدم اعتبار المستوطنات الإسرائيلية مخالفة للقانون الدولي.
لم يكن باستطاعة الفلسطينيين المهزومين في حرب 1948 أن يسجّلوا تجربتهم، فعلى المهزوم أن يلملم جراحه أولاً، ولملمة الجراح عملية لم تتوقف منذ الكارثة، فقد بقي الضغط الإسرائيلي 

متواصلاً، وأضيف إليه ضغط عربي. وكان على الفلسطينيين أن ينتظروا سنوات عديدة بعد الكارثة، حتى يستطيعوا أن يتكلموا عن حقيقة تجربتهم التي لم يكتمل تسجيلها. وكان لموقف الانحياز واللامبالاة الذي وقفه العالم إزاء ما حصل للفلسطينيين أثره في ذلك، حيث لم تجد الرواية الفلسطينية آذاناً صاغية. ولم يشأ أحد في العالم أن يعرف الحقيقة، أو أن يتعرّف عليها باستثناءات نادرة، لأن الجلادين كانوا يهوداً وضحايا للغرب في التجربة النازية، وكان ضحاياهم من العرب. لذلك عمد الغرب إلى تقليل حجم الكارثة التي حلت بالفلسطينيين إلى أقصى حد ممكن. وهذا ما شاهدناه قبل أيام، من حشد زعماء العالم في إسرائيل لإحياء ذكرى مرور 75 عاماً على تحرير معسكر أوشفيتز النازي، من دون أن يكلف أحد منهم نفسه عناء إلقاء نظرة على المأساة الفلسطينية على بعد أمتار من الاحتفال، في قطاع غزة والضفة الغربية.
شكل الشتات بحد ذاته أداة قمع رئيسية للفلسطينيين المقتلعين، وعلى الرغم من أن الشتات يعمل على تفكيك الروابط، إلا أنه في التجربة الفلسطينية عمل على خلق الوحدة بفعل الضغط الذي تعرّضت له التجمعات الفلسطينية. وكانت هذه الوحدة وسيلة لتغيير وضعٍ يهدد وجودهم في الصميم. لذلك كله، النكبة الفلسطينية واقع متجدّد في حياة الفلسطينيين، وليست صفحةً من صفحات التاريخ، يمكن طيها بعد قراءتها، ولن تكون “صفقة قرن” أكثر من صفحة أخرى في كتاب المأساة الفلسطينية، لكنها لن تستطيع تشريع الجريمة الإسرائيلية، ولن ينجح الإسرائيلي في إخفاء جريمته بمزيد من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً