لبنان: البحث عن بديل الحريري بدأ تحت أنظار دولية "خائبة"

حسم رئيس “تيار المستقبل” اللبناني سعد الحريري، أمس الخميس، قراره بشكل نهائي بالاعتذار عن تأليف الحكومة، بعد نحو تسعة أشهرٍ من الصراع مع الرئيس ميشال عون وصهره النائب جبران باسيل والتراشق الكلامي الذي خطف أضواء التأليف ورجّحت عليه كل هذه الفترة كفّة الاعتذار، ليدخل لبنان مرّة ثالثة في نفق التكليف المظلم، على وقع تحذيرات دولية من خطورة المرحلة الراهنة، بعدما فشلت كلّ مساعيها وحراكها المكثف و”عقوباتها” في إحداث خرق بجدار الأزمة.


وبدأت دوائر قصر بعبدا الجمهوري بتشغيل محركاتها لتعبيد الطريق أمام تحديد موعدٍ للاستشارات النيابية الملزمة، بيد أن الزمان سيكون حتماً مرتبطاً بالتوافق المسبق على اسم لتكليفه بتشكيل الحكومة، وفق ما يؤكده مصدرٌ في قصر بعبدا الجمهوري، لـ”العربي الجديد”، ويقول: “سيحاول الرئيس عون عدم التأخر في الدعوة، وسيتواصل مع الأفرقاء السياسيين بالموضوع والأسماء المطروحة والأنسب لتولي المنصب مهما كانت نسبة الأصوات التي سيحصل عليها”، علماً أنّ الرئيس الحريري أعلن، أمس، أنه لن يسميَّ أحداً.


ويؤكد المطلعون على الملف الحكومي أن موافقة الحريري على الاسم البديل أمرٌ اساسيٌّ وكذلك دار الفتوى، وإلا سنكون أمام حكومة حسان دياب ثانية أو بلا حكومة حتى موعد الانتخابات النيابية في العام المقبل.


ويقول المحامي والمدير التنفيذي لـ”المفكرة القانونية” نزار صاغية، لـ”العربي الجديد”، إن “الطبقة السياسية تستغل غياب المهل على صعيد الاستشارات النيابية أو تأليف الحكومة، وتأخذ وقتها بالكامل حتى تحقيق مصالحها الخاصة ولو على حساب انهيار البلد، حتى أصبحنا نعيش تحت ظلّ حكومات تصريف الأعمال التي يفترض بها أن تكون مؤقتة ولفترة قصير جداً، في حين أنها قاربت السنة، وهو وضع غير طبيعي تتحمّله كل القوى السياسية”.


ويؤكد صاغية أن “سقطة كل زعيم تستوجب التصفيق، حيث إن المطلوب اليوم أشخاص مسؤولون عاديون مختصون ونزيهون، لا زعماء، حتى تسري عليهم المحاسبة، واعتذار الحريري لا يمكن إلا أن يكون في الاتجاه الصحيح، وللأسف يدفع المواطن اللبناني الثمن غالياً معيشياً واقتصادياً ومالياً، نتيجة تمسك المنظومة بالحكم ورفض تسليمها للأكفاء”.


ورفض الحريري طلب رئيس البرلمان نبيه بري تسمية بديل عنه كونه يراه “صاحب التمثيل السني، في خطوةٍ من شأنها أن تسهل العملية وتسرّع في إجرائها وحفاظاً على الميثاقية التقليدية”، وفضّل الانسحاب ليس فقط من الاختيار، بل من تسمية رئيس مكلف أيضاً.


وبدأ البحث عن بديل للحريري، في ظلّ تسريب أسماءٍ كثيرة، يتقدَّمها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، والسفير نواف سلام، صاحب الحظ الأوفر في حال تأمنت له الظروف المناسبة للتأليف.


ويقول عضو كتلة “التنمية والتحرير” (يرأسها بري)، النائب محمد خواجة، لـ”العربي الجديد”، إنّ الاستشارات تحصل بمجرد دعوة الرئيس عون إليها، فهي إجراء دستوري ملزم، وللكتل النيابية القرار بشأنها، ولكن الأهم أن يكون هناك اتفاق على شخصية تتولى رئاسة الحكومة بعد الانقسام الكبير الحاصل، والسقوف العالية التي وضعها الرئيسان عون والحريري، فهل ستنزل عن السقف الذي رسمه الأخير، أو هل يرضى رئيس الجمهورية بإعطاء هذه الشخصية ما لم يعطه للحريري؟ هنا السؤال”.




ويحمّل خواجة مسؤولية التعطيل وما وصل إليه ملف الحكومة إلى عون والحريري معاً، “فهما لا يشعران بحال الانهيار الشامل ومعاناة الناس، وكلّ منهما يبرّر الأحداث بما يخدم موقعه وصورته أمام المواطنين، من هنا كان التناقض في كلام الرئيس عون من جهة والحريري من ناحية ثانية”.


ويضيف خواجة: “هناك شيء مكسور على الصعيد الشخصي بين الرئيسين لعب دوراً سلبياً كبيراً، بحيث أن الطرفين غير راضيين أحدهما عن الآخر ولا يريدان التعاون معاً، وبالتالي فإن المسألة ليست مرتبطة فقط بالخلاف على الأسماء والوزارات، وأيضاً قد تكون الحماسة غائبة في تشكيل الحكومة من الأساس وسط حسابات ضيقة لا تزال قائمة”.


من جهته، يقول عضو كتلة “المستقبل” النيابية (كتلة الحريري)، النائب هادي حبيش، لـ”العربي الجديد”، إن “الحريري اعتذر بعدما رأى أننا عدنا إلى نقطة الصفر، على صعيد الوزيرين المسيحيين، مع إصرار عون على تسميتهما وتمسكه بالثلث المعطل، كذلك الثقة التي لا يريد أن يمنحها لحكومة الحريري عند تأليفها، الأمر الذي عرقل المسار كلّه من جديد”، لافتاً إلى أنّنا “لن نسمي أحداً لتشكيل الحكومة”.


ويشير حبيش إلى أن لا قرار على صعيد الكتلة الآن باستقالة نوابها من البرلمان، علماً أنه شخصياً “يفضل ذلك لأن البلد يحتاج اليوم إلى خضة كبيرة لحصول التغيير الجذري في كل التركيبة الموجودة من رأس الهرم إلى أسفله”.


وعلى صعيد “الحزب التقدمي الاشتراكي” (يرأسه وليد جنبلاط)، فضّلت مصادره التعليق بأنّ “الأزمة كبيرة، والعلاقة مع الحريري تأثرت كثيراً، خصوصاً مع اعتذاره، إذ إنّ جنبلاط كان قد طلب من الحريري عدم الاعتذار وتسهيل مسار التسوية لتمرير هذه المرحلة، ولا سيما أنه كان يعلم بما ينتظره، وأعلن نفسه مرشحاً لرئاسة الحكومة، وتمسك بهذا المنصب له، ولم يقدّم الدعم المطلوب لسلفه مصطفى أديب، ورفض أي اسم آخر، وعليه اليوم أن يتحمّل مسؤولية قراراته التي عطّلت البلد لتسعة أشهر بالتكافل والتضامن مع الرئيس عون”، تقول المصادر لـ”العربي الجديد”.


في موازاة ذلك، دخلت فرنسا “الخائبة” من جديد على خطّ الضغط على المسؤولين اللبنانيين، ودعت اليوم، في بيانٍ، إلى الشروع الفوري في الاستشارات النيابية لتعيين رئيس وزراء جديد في أقرب وقتٍ ممكن.


وقالت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية إن “التطور الخطير الذي حصل مع اعتذار الحريري يؤكد المأزق السياسي الذي عمد فيه القادة اللبنانيون، وبشكلٍ مقصودٍ، إلى إعاقة البلاد لأشهرٍ حتى وهي تغرق في أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة”.




وأعلنت باريس عن تنظيم مؤتمر دولي جديد لدعم الشعب اللبناني في الرابع من أغسطس/آب (يصادف مرور سنة على انفجار مرفأ بيروت)، بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبدعمٍ من الأمم المتحدة.


وأكد مصدرٌ دبلوماسي فرنسي لـ”العربي الجديد”، أنّ “فرنسا مستمرّة في دعم الشعب اللبناني، ولن تتخلى عنه، في وقتٍ لا يأبه المسؤولون إلى حاله، لا بل يزيدون من معاناته بسبب أنانياتهم ومصالحهم الخاصة”، مشدداً على أن “المبادرة الفرنسية لا مهلة زمنية لها، وهي غير مرتبطة بشخص الرئيس الحريري، بل عنوانها الأكبر تشكيل حكومة إصلاحية إنقاذية تتمتع بالاستقلالية والشفافية وتحظى بالثقة المطلوبة لضخ الدعم اللازم، بغض النظر عن اسم الرئيس”.


وأشار المصدر إلى أنّ “العقوبات الفرنسية ستبدأ ترجمتها ميدانياً في وقتٍ قريبٍ، كذلك الأوروبية، إذ إن المسؤولين عن التعطيل سيحاسبون، وعليهم أن يعوا جيداً حجم الكارثة التي أدخلوا بها البلد وشعبه”، مؤكداً أنّ “العنوانين العريضين المطلوب تنفيذهما هما تشكيل حكومة سريعاً، وإجراء الانتخابات النيابية التي يعوّل عليها الخارج كاستحقاق ديمقراطي من شأنه أن يصنع التغيير الذي يطالب به اللبنانيون منذ انتفاضة 17 أكتوبر”.


وعاد الهدوء الحذر إلى الشارع اللبناني، اليوم الجمعة، بعد أحداث أمنية سجُّلت مساء أمس بالتزامن مع اعتذار الحريري، حيث عمد مناصروه إلى قطع عددٍ من الطرقات في مناطق لبنانية محسوبة على “تيار المستقبل”، كما شهدت الطريق الجديدة في بيروت اشتباكات بين المحتجين والجيش اللبناني سقط خلالها عدد من الجرحى، في حين عمدت مجموعة من الشبان إلى الاعتداء على بعض المطاعم والمقاهي في العاصمة وإجبارها على الاقفال بالقوّة.


كذلك، يستمرّ سعر صرف الدولار بتسجيل أرقامٍ غير مسبوقة تخطت عتبة 22 ألف ليرة لبنانية، ما دفع الكثير من المحال التجارية والأسواق إلى إقفال أبوابها احتجاجاً على الوضع القائم الذي يزيد من صعوبات تحديد أسعار البضائع، والذي يؤثر أصلاً على القدرة الشرائية للزبائن التي انعدمت بعدما خسرت العملة الوطنية أكثر من 95 بالمائة من قيمتها، وسط غلاء فاحش ومتفلت لا رقابة عليه.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً