لبنان ينجو "انتخابياً" ويغرق اقتصادياً

تشهد الساحة اللبنانية منذ اختتام مرحلة الانتخابات النيابية في 15 مايو/ أيار الجاري مساراً تصاعدياً حاداً للأزمات الاقتصادية والمعيشية وصراعاً سياسياً على الأحجام النيابية والاستحقاقات المرتقبة، والتي يتوقع أن تعطّل البلد وعمل المؤسسات لحين نضوج التسويات بين الأحزاب التقليدية، في وقتٍ حرصت الحكومة قبل دخولها مرحلة تصريف الأعمال على تمرير سلفات مشبوهة وإرهاق المواطنين بزيادات أبرزها تعرفة الاتصالات والإنترنت وإقرار خطة تعافٍ انتفضت ضدها المصارف وتستخدمها أداة للتلويح بأن ودائع الناس تبخرت.


وكانت الصدمة الكبرى التي تلقاها الشارع اللبناني فور انتهاء الانتخابات الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار في السوق السوداء وتجاوزه للمرة الأولى في تاريخ البلاد عتبة الـ34 ألف ليرة لبنانية، الأمر الذي انعكس بزيادة كبيرة على مستوى أسعار المحروقات، خصوصاً البنزين، مع رفع سعر صرف الدولار على منصة صيرفة التابعة لمصرف لبنان، تماشياً مع التحليق الحاصل.


أسعار السلع الغذائية بلا رقيب


كما حلقت أسعار السلع الغذائية وغيرها من المنتجات بلا حسيب أو رقيب، وفق مواطنين وخبراء اقتصاد، بالتزامن مع فوضى كارثية في التسعير، بينما تواصل القدرات الشرائية للمواطنين الانزواء، وبات الكثيرون عاجزين عن تأمين الحاجات الأساسية، بما فيها الدواء الذي تجددت أزمته أخيراً.


وفي وقتٍ ينتظر اللبنانيون تسعيرات جديدة للاتصالات في مطلع يوليو/ تموز المقبل كما “بشّر” وزير الاتصالات جوني القرم، جاءهم بيان وزارة الاقتصاد والتجارة برفع أسعار ربطة الخبز التي تسجل رقماً غير مسبوق بوصولها إلى 16 ألف ليرة، فيما أضحى المواطنون تحت رحمة تجار السوق السوداء لتأمينها بأسعار تخطت الـ30 ألف ليرة في بعض المناطق اللبنانية مع انقطاعها في السوق الشرعي، في ظل تجدد أزمة القمح، بحيث لم تعد وعود وزير الاقتصاد أمين سلام بعدم رفع الدعم عن القمح والخبز مجدية لعدم تحققها ميدانياً.


يكتفي نقيب الصرافين أنطوان مارون بالقول لـ”العربي الجديد” “لا علاقة للصرافين المرخصين بالارتفاع الجنوني للدولار، نحن ضائعون، ننام على سعر ونستفيق على سعر آخر، لا ندري كيف صعد وكيف نزل، من يحرك الدولار ويتحكّم به، على السلطات الرسمية المختصة أن تجيب وتحاسب”.




من جهته، يقول ممثل موزعي المحروقات في لبنان فادي أبو شقرا لـ”العربي الجديد” إن ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان يعود إلى سببين؛ الأول عالمي مع ارتفاع أسعار النفط، والثاني والأهم محلي في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء وارتفاع السعر المعتمد من قبل منصة صيرفة، إذ إن كل ارتفاع في سعر صرف الدولار مائة ليرة ينعكس ألفي ليرة على البنزين، وللأسف المواطن اللبناني هو ضحية ورهينة الارتفاعات.


ويضيف أبو شقرا: “على المسؤولين التحرك لتثبيت سعر الصرف والوقوف بوجه التضخم بالعملة اللبنانية فهذا الواقع يأخذ أصحاب المصالح نحو الإفلاس”. ومع ارتفاع أسعار المحروقات، يلفت أبو شقرا إلى أن الاستهلاك خف كثيراً من قبل المواطنين، خصوصاً البنزين، بنسبة وصلت إلى 40%.


وسجلت أسعار المحروقات، يوم الثلاثاء الماضي، 588 ألف ليرة لصفيحة البنزين 95 أوكتان، و599 ألف ليرة لصفيحة البنزين 98 أوكتان، و681 ألف ليرة للمازوت، و416 ألف ليرة لغاز الطهي، علماً أن هذه الزيادة لها انعكاساتها على مختلف القطاعات، ولا سيما المازوت وتحديداً المولدات الكهربائية الخاصة.


أسعار الكهرباء بالدولار


وباتت تعرفة الـ5 أمبير تتخطى عتبة المليون ليرة، علماً أن بعض أصحاب المولدات يفرضون تسعيرة بالدولار، وسط زيادات مستمرة مع تفاقم أزمة كهرباء الدولة التي بالكاد تطلّ على البيوت ساعتين في اليوم، بينما تخيم الخلافات بين رئيس الوزراء نجيب ميقاتي ووزير الطاقة وليد فياض على المشهد، ما يشي بكارثة كهربائية مقبلة.


من جهته، يقول رئيس جمعية المستهلك في لبنان زهير برو لـ”العربي الجديد” إن “طبيعة الأزمة في لبنان ليست مرتبطة بأحداثٍ معيَّنة بل باقتصادٍ ريعيٍّ فاشلٍ ومُسيطَر عليه بالكامل من قبل الطبقة السياسية والمصارف والتجار المحتكرين”.


وأضاف أن “حزب المصارف دفع بين 100 و140 مليون دولار يومياً من أموال المودعين عبر منصة صيرفة للجم ارتفاع سعر صرف الدولار بهدف تأمين المناخ المناسب لإجراء الانتخابات التي بمجرّد انتهائها فهم الجميع أننا سنكون أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، في ظل استمرار الصراع السياسي وضياع الفرص وتكرار الممارسات المعهودة”.




ويلفت رئيس جمعية المستهلك إلى أن “التجار يستغلون غياب الاستقرار لجني الأرباح ونحن لسنا متفاجئين بما حصل بعد الانتخابات، ولا سيما أن المعادلة السياسية لم ترسُ بعد على وضوح معيّن على مستوى الكتل النيابية والتحالفات القائمة وسط عدم بروز أي تغيير حقيقي لا بل أنتج الاستحقاق إعادة الشرعية للنظام ذاته؛ أي أحزاب الطوائف، وإن تم تطعيمه ببعض الشبان التغييريين الذين يمثلون مناخاً معيناً لا قوى حقيقية اقتصادية أو سياسية ما يجعل فعاليتهم متواضعة جداً في المرحلة الراهنة أقله، وهذه الوقائع كلها تستشعرها الأسواق سريعاً”.


ويقول: “رغم الانهيار الذي برز في أواخر عام 2019 لم تتخذ السلطات اللبنانية أي قرارات جدية للخروج من الأزمة أو لإحداث تغيير على مستوى السياسات الاقتصادية، سواء فيما خص إقرار قانون الكابيتال كونترول (هدف إلى وضع ضوابط استثنائية على التحويلات المصرفية والسحوبات النقدية) أو اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، في حين أعطانا المسؤولون دروساً في الاقتصاد المنتج وصرفوا 35 مليار دولار كان من شأنها أن تخرجنا من الأزمة على قمة الفساد وهي الاحتكارات، فتم استنزاف الأموال وإخراجها من البلد ولم يدفعوا إلا بضعة ملايين للاقتصاد المنتج أي الصناعات والمزارعين وشركات التكنولوجيا الحديثة”.


ويضيف برو: “إننا أمام مأزق كبير ولا نزال في أول النفق وليس هناك من مؤشر للخروج قريباً من الأزمة”، معتبراً أن “من عوامل تحليق الدولار إقرار مجلس الوزراء خطة التعافي المالي التي استفزّت المصارف فتحرّكت للدفاع عن مصالحها، من دون أن ننسى أن حزب المصارف هو الأقوى في لبنان وعلى مستوى مجلس النواب، حيث له الأكثرية المطلقة، ما يصعّب مضايقته”.


الطبقة السياسية وكبار التجار


ويتابع: “المصارف لا تريد أي كلام يمسّ بقداستها، وقبل ذلك قالت بكل وضوح إننا نأمر ولا نؤمَر، فهي بالنتيجة الطبقة السياسية والتجار الكبار وعصب الاقتصاد والسياسة في البلد ولا يمكن المسّ بمشروعها المتمثل بالاستيلاء على الودائع والذهب وما تبقى من الاقتصاد، والأخطر أنها استولت على أجور الناس وأكثر من مليوني أجير وموظف في لبنان”.


وعلى صعيد أزمة الدواء التي دفعت بالصيدليات إلى إقفال أبوابها، يوم الثلاثاء حتى ساعات بعد الظهر، يقول نقيب الصيادلة، جو سلوم لـ”العربي الجديد” إن “وقفة الثلاثاء كان هدفها مواجهة تهريب وتزوير الأدوية والحفاظ على القطاع الاستشفائي والدوائي، فكان إقفال الصيدليات لساعات خلال النهار خطوة اعتراضية بهذا الاتجاه، وللتأكيد على ضرورة دعم المريض اللبناني مباشرة عبر البطاقة الدوائية ووضع خطة سياسية دوائية واضحة تنقذ القطاع”.




وتمنى سلوم حلّ أزمة أدوية الأمراض المستعصية والمزمنة والسرطانية، بعدما وافق مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة على طلب وزارة الصحة الذي يدعو مصرف لبنان إلى سداد مبلغ 35 مليون دولار شهرياً للأشهر الأربعة المقبلة لزوم شرائها، لافتاً إلى أن أكثرية الأدوية مفقودة من الصيدليات.


أما بالنسبة إلى فوضى التسعير التي تطاول أيضاً الصيدليات في ظلّ تفاوت ملحوظ بأسعار الأدوية بين صيدلية وأخرى، فيشير سلوم إلى أن أكثرية الصيدليات ملتزمة بمؤشر الأسعار، والنقابة تتحرك عندما يكون الفارق كبيراً ومضخماً، لكن في المقابل لا يمكن ترك الصيدليات تخسر كل رأسمالها ومخزونها نتيجة تقلبات سعر صرف الدولار وبالتالي تركها “تقلع شوكها بأيديها”.


الدولار من دون سقف


من جهته، يقول رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي “اليوم وصلنا إلى رقم قياسي على صعيد سعر صرف الدولار الذي بات من دون سقف ويسجل أرقاماً كارثية في ظل غياب مستمر لأي إجراء أو توجيه للجم التحليق السريع من جانب السلطات اللبنانية والمصرف المركزي، من هنا على القوى السياسية بكل أطيافها أن تعطي رؤية واحدة للاقتصاد، إذ إنه مع استمرار المناكفات السياسية وربطاً الاقتصادية سيكون الانحدار أقوى”.


ويضيف بحصلي: “إننا أمام فوضى ليست جديدة وتتكرر في كل فترة، وأصبحنا أمام ارتفاعات كبيرة من دون سوق اقتصادي يقوم على العرض والطلب بشكل فعلي، بمعنى أنها نتيجة مضاربات ومناكفات سياسية، حتى التجار ما عادوا قادرين على التسعير والشركات تفضّل التريث يوماً ويومين لتتضح الأمور أكثر قبل تحديد أسعار جديدة، وذلك حفاظاً على مصالحها وصالح الناس أيضاً”.




ويتحدث رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية عن خطورة الواقع الغذائي في لبنان الذي زادت حدّته في ظل الحرب في أوكرانيا والتطورات العالمية، وارتفاع سعر صرف الدولار محلياً والصعوبات التي يواجهها البنك المركزي لتمويل المواد الاستهلاكية الأساسية منها القمح والبنزين.


ويشير إلى أن تحليق سعر الدولار ينعكس حتماً في انخفاض القيمة الشرائية للعملة الوطنية وارتفاع أسعار كل السلع والمواد الغذائية، وهذا ما عبّرت عنه النقابة في بيان لها، أكدت فيه أن التحدي ليس في تأمين المواد الغذائية، بل في استطاعة المواطن دفع ثمنها.


ويلفت بحصلي إلى أن الأمور لم تتحسّن منذ شهرين وحتى اليوم، لكن الناس كانوا منشغلين بالانتخابات حتى وسائل الإعلام غابت عن المشهد في المرحلة الانتخابية، علماً أن سعر صرف الدولار شهد ارتفاعاً في تلك الفترة من 22 ألف ليرة إلى 28 ألف ليرة.


الحلول لن تأتي قريباً


ويرى أن “الانتخابات لم تكن إلا محطة واحدة ضمن تحديات عدّة واستحقاقات قادمة أكثر صعوبة، سواء انتخاب رئيس البرلمان ونائبه وأعضاء هيئة مكتب المجلس أو تشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس للجمهورية، وبالتالي لا يمكن ترك الوضع متفلتاً حتى إتمامها، فالحلول السياسية لن تأتي قريباً، من هنا ضرورة توحيد الرؤية الاقتصادية في أسرع وقت”.


وكانت نقابة مستوردي المواد الغذائية أشارت في بيانها الأخير، إلى انخفاض استيراد المواد الغذائية من الخارج، عازية ذلك إلى تراجع الاستهلاك الذي يعبّر بشكل واضح عن ضائقة معيشية شديدة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً