لماذا يربط مؤثرون مؤيدون لروسيا هجوم بوفالو بكتيبة آزوف الأوكرانية؟

تبرز مجموعة من المؤثّرين المؤيّدين للدولة الروسيّة في عداد الأشخاص الذين يحاولون الربط بين مطلق النار في مدينة بوفالو الأميركيّة يوم السبت الماضي بكتيبة يمينيّة متطرّفة سيّئة السمعة في الجيش الأوكراني، وذلك في سعيٍّ إلى تقويض صورة أوكرانيا.


في 14 مايو/ أيّار، دخل رجل يبلغ من العمر 18 عاماً إلى بقالة في مدينة بوفالو في ولاية نيويورك، وأطلق النار من بندقيّته على الموجودين في المكان. قتل المسلّح عشرة أشخاص، غالبيتهم من السود، وأكّدت السلطات أنّ الهجوم كانت له “دوافع عنصرية”. قام الشاب ببثّ مباشر لعمليته، كما نشر بياناً ووثائق أخرى تربطه بشبكة النازيّين الجدد العابرة للحدود الوطنيّة والمرتبطة بعمليات قتل جماعيٍّ أخرى.


ترافق انتشار خبر الجريمة مع ظهور كميّةٍ كبيرةٍ من المعلومات المضلّلة حولها، وهو الأمر الذي يتكرّر مع كلّ جريمةٍ من هذا النوع. في حالة هجوم بوفالو، تركّزت المعلومات الخاطئة حول رمزٍ للنازيين الجدد استعمله المشتبه به، وهو زونينراد، أو الشمس السوداء. عثر على هذا الرمز منقوشاً على الدرع الواقي الخاص بالمهاجم، كما على غلاف البيان الذي أصدره.


استخدم هذا الشعار من قبل كتيبة آزوف، وهي مجموعة تخدم في الحرس الوطني الأوكراني وتملك سمعة سيّئة جدّاً بسبب ارتباطاتها المعروفة بالنازيّين الجدد واليمين المتطرف. لكنّها، ليست الجماعة المتطرّفة الوحيدة التي تستعمل الشمس السوداء.




تحظى الشمس السوداء بشعبيّة كبيرة تكاد تماثل الصليب المعقوف في العديد من دوائر اليمين المتطرّف عبر الإنترنت، لذلك فإن وصفها بـ “رمز آزوف” محاولة تضليليّة لإنشاء سرديّة تستخدم في الصراع الحالي بين روسيا وأوكرانيا.


منذ الساعات الأولى التي أعقبت الهجوم ربط مطلق النار بكتيبة آزوف، وتحديداً بين المجموعات المؤيّدة للرئيس فلاديمير بوتين، والذي يعتبر أن غزو أوكرانيا يهدف إلى اجتثاث النازية منها، وفق ما رصده تقرير لموقع فايس نيوز.


نشرت الباحثة في التطرف كارولين أور، والتي تملك العديد من المتابعين على “تويتر”، تحليلاً مبسّطاً توضح فيه أنّ “زونينراد رمز تفوّق أبيض، وليس رمز آزوف، وسرعان ما استجلبت التغريدة الكثير من الأشخاص الساعين إلى تسليط الضوء على الكتيبة الأوكرانية العنصريّة.


تقول أور في حديثها لـ”فايس نيوز”: “الأشخاص الذين أرادوا سرد قصّة معيّنة بدأوا في تصوير تعليقاتي بطريقةٍ مخادعة، وأشاروا بشكل أساسي إلى أنّني أدافع عن العنصريين البّيض، أو حتّى أنّني من أنصار نظريّة تفوق العرق الأبيض، لمجرد أنّني ذكرت حقيقةً معروفةً على نطاق واسع”. تضيف: “عند النظر إلى الأشخاص المشاركين بالترويج لهذه الاتهامات، يبدو لي أنّهم يحاولون استخدام عملية بوفالو إلى إضعاف دعم أوكرانيا وتسليحها، عبر ربط المنفّذ بكتيبة آزوف”.


لا تبرّئ هذه المحاولات كتيبة آزوف، المحبوبة في عالم النازيّين الجدد على الإنترنت، والذي يبدو أنّ مطلق النار كان يعيش فيه. إضافةً إلى ذلك فإنّ بعض مجموعات النازيّين الجدد تشجع أوكرانيا بشكلٍ علنّي بسبب آزوف، كمّا أنّهم حاولوا في الماضي إرسال أفرادٍ للتدرّب معهم. لكن وفي حالة جريمة بوفالو، فإنّ مطلق النار لم يأتِ في بيانه على ذكر آزوف، ولم يذكر أوكرانيا إلّا مرّة واحدة، وفي مسألةٍ لا علاقة لها بالحرب الدائرة حالياً، وليست في سياق الحرب الحالية.


كان مسلح بوفالو قد أشار في بيانه إلى أنّ عمليته مستوحاة من مطلق النار في كرايستشيرش في نيوزيلندا والذي قتل 51 شخصاً في مسجدين في عام 2019. يمكن القول إن تأثير كرايستشيرش على مطلق النار في بوفالو جليّ، فحتى البيان الذي نشره المجرم ما هو إلّا سرقة واضحة للبيان الذي نشره منفّذ عملية نيوزيلندا.


صحيح أنّ مطلق النار النيوزيلندي كان على صلةٍ بآزوف، إلّا أنّه لا يوجد دليل على أنّه كان على اتصال بها أو أنّه تدرب مع أفرادها أثناء رحلته إلى أوكرانيا، كما يشير الصحافي مايكل كولبورن في كتابه عن الكتيبة اليمينيّة.


كان الحديث عن صلة المنفّذ بكتيبة آزوف نظريّة المؤامرة الأكثر شيوعاً بعد هجوم بوفالو، إلّا أنّ هناك الكثير من النظريات الأخرى على الإنترنت، منها أنّ المنفّذ يساريّ متطرّف أو اشتراكي، مع العلم أنّ لغة البيان تشير بوضوح إلى عكس ذلك. كذلك، برزت في دوائر النازيين الجدد نظريّةٌ تقول بأنّ مطلق النار عميلٌ فيدرالي للتأثير على قوانين الأسلحة وخطاب الكراهية. أمّا “الدليل” على ذلك فهو أنّ الضحايا ليسوا جميعاً من السود (11 من 13 ضحيّة كانوا من السود)، وأنّ المجرم استنسخ بيان مطلق النار في كرايستشيرش. انعكس ذلك انقساماً في دوائر اليمينييّن بين داعمين للقاتل ومعارضين له.


بدوره، يقول رئيس قسم الاتصالات والتحرير في معهد الحوار الاستراتيجي تيم سكويرل لـ”فايس” إنّ “الرغبة في ربط هجوم قوبل بالرعب وبالإدانة بأشخاص لا تحبهم أيضاً أمرٌ عابرٌ للحدود السياسيّة”.




يتابع: “الجهات المؤيّدة للكرملين لها مصلحة واضحة في تقويض موقف حكومة الولايات المتحدة من أوكرانيا، وذلك في محاولة لوضعها في موقف تبدو من خلاله كما لو أنّها تدافع عن المنادين بتفوّق البيض خارج الحدود، وتدين هجماتهم داخل الولايات المتّحدة”. ويضيف: “الأمر نفسه ينطبق على بعض مؤيدّي ترامب الذين يرون في ذلك فرصة لجعل الحكومة غير مرتاحة. أما بالنسبة لليساريّين الذين يضخّمون هذه الادعاءات، فإن الأمر متعلّقٌ بمحاربة ما يرونه إمبريالية أميركية، والتي تدعم حسب رأيهم تفوّق البيض في الداخل والخارج”.


حدّد المعهد العديد من المروّجين الرئيسيّين لهذه النظرية، منها صفحات “تلغرام” تضم أكثر من 400000 متابع، ومؤثّر مؤيّد للكرملين يملك قرابة 48 ألف متابع، إضافةً إلى صفحات تدّعي أنّها وسائل إعلامية. كذلك حاول مؤثّرون وصحافيون غربيّون مرتبطون بوسائل إعلاميّة تابعة للحكومة الروسيّة ربط هجوم بوفالو بالحرب الدائرة في أوكرانيا.


من جهتها، تقول كارولين أور: “إنّه أمرٌ ماكر ومخادع وغير مفيد أبداً. لم يذكر مطلق النار آزوف مطلقاً في بيانه، ولا يوجد دليل يربطه بآزوف”. تضيف: “يجب أن نتحدث عن الأشخاص والأفكار والمنصّات التي حفزته على القيام بفعلته. الكثير من هؤلاء الأشخاص موجودون هنا في منازلهم، في الولايات المتحدة. لسنا بحاجة إلى نسج رواية معقّدة وخاليّة من الأدلة تحاول ربطه بمقاتلين أجانب، في الوقت الذي يبدو فيه أنّ تطرّفه حدث هنا عبر الأفكار المنتشرة في الإنترنت”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً