"لم تبق سوى الكلمات": والدُ ضحيةٍ أمام والدِ جانٍ

في كتاب “لم تَبق سوى الكلمات”، الصادر منذ أيامٍ عن “دار روبار لافان”، يُحاوِر جورج سالين – الذي قَضَتْ ابنتُه لُولا، ذاتُ الثمانية والعشرين ربيعًا، في أحداث الباتاكلون بباريس يوم 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 – عزَّ الدين عَميمور، والدَ سامي، أحد المهاجمين الثلاثة الذين نَفّذوا تلك العملية الدامية التي راح ضحيَّتها تسعون شخصًا. الكاتِبان أو المُتحاوران والِدان كُلِما في فَلذتَيْ كبديهما، في ظروف درامية. ومع ذلك، أخذا في شجون الحديث بغرض تجاوز الأحقاد والبحث عن جوابٍ ما، يساعدهما على استيعاب فظاعة ما حصل.

المُبادرة في جُملتها، بعد أن تجسّدت كتابًا، جريئةٌ جدًّا، تحفُّها المخاطر، لأنها تتجاوز مفاهيم “العفو” التقليدية، وحتى شِعارات “الحوار” و”تقارب الثقافات”؛ فهي تَلجُ، دون تهيّبٍ، عتبة الفهم الوجودي، بما هو فعل ذهني هادفٌ إلى إدراك الأسباب العميقة التي تدفع شابًا، في مقتبل العمر، إلى ارتكاب مَجزرة قاسية، وتسعى إلى استجلاء عاطفة الأبوّة أمام عبثية الموت وابتذال الإرهاب، في ظل عولمة الرعب.

“لا توجد تراتبيّة في الألم، ولا تفاضُلَ في الفجيعة، كلانا مفجوعٌ أمام هول الكارثة”، يضيف سالين: “لستُ مقتنعًا أنَّ أَلَمَ عائلات الضحايا أكبر، جوهريًا، من ألم عائلات الإرهابيّين. كلاهما يحمل فجيعَة الموت”.

بدأت قصّة الكتاب ذات يوم من سنة 2017، عندما بادرَ عزّ الدين عميمور، والد سامي (الذي مارس عدّة مهنٍ ومنها التجارة والسينما والرياضة) بالاتصال بجورج سالين، ودعاه إلى الالتقاء به في مقهىً بساحة “الباستيل”، في مدينة الأنوار. أجاب جورج بسؤال إنكاري: “ولماذا اللقاء؟”. كان ردُّ مخاطِبِهِ قاطعًا: “أشعر أنني، أنا ذاتي، من ضحايا ابني”. لم يصدم هذا الجوابُ سالين البتَّة، فقد سبق له أن نشر كتابًا بعنوان “الذي لا يمكن قولُه: من الألف إلى الياء”، (سوي، 2016)، حيث بَرهن على أنَّ عائلات الإرهابيّين هي أيضًا ضحايا لأبنائها، تَألم مثلما يَألم أهالي القتلى. وكان قد توصّل إلى هذه النتيجة بعدما التقى بالعديد من الأمّهات اللواتي فَقدْن أبناءَهن، ولامس فيهن مواطن الشَّجن. ويذهب سالين إلى أبعد من ذلك، فيرى أنّ الإرهابيّين هم أيضًا ضحايا، “ضحايا لجنونهم الذاتي، لأنهم أضاعوا حياتهم هدرًا خلف وهْمٍ”. ومع ذلك، لا يستطيع العفوَ عن جرائمهم القاتلة، ولا أن يتجاوزها.

وأمّا العامل الرئيس الذي أسهم في إنجاح هذا الحوار واستوائه نصًّا متينًا، يُسائل كلَّ أبٍ فينا، فهو السمات المشتركة بين هذين الوالديْن، فلهما نفس السن تقريبًا، وكلاهما عاشق لمصر ولتاريخها العريق، ثم معاناة هذه الفجيعة التي لا اسم لها: فقدُ فلذة الكبد “لولا” و”سامي”، الضحية والمهاجم. ولم يستطع أحدٌ منهما العبور نحو الضفّة الأخرى.

بعد ذلك اللقاء الأول، حَصل ما لم يكن متوقّعًا: سلسلة من الحوارات التي استعانت بالتحليل والمراجعة لفَهم ظاهرة الإرهاب الذي أدمى فرنسا عبر قِصتيْ الابنَيْن اللذين لا يجمع بينهما شيءٌ. ومن مادتها الحوارية، تَولَّد نسيج هذا الكتاب الذي ارتكز على قناعة واحدة: شجاعة الفهم وضرورته عبر الحوار. في ذلك المقهى البسيط، أصغى كلُّ واحدٍ منهما إلى كلمات الآخر التي تحاكي ما عانياه من مشاعرَ وأفكارٍ، طيلة السنوات الماضية، وهو ما يقتضي جرأةً كبرى في مواجهة الذات وفهم الدواعي التي دفعت بشبابٍ يانع نحو الموت.

ومع ذلك، لم يستطع عز الدين عميمور، إلى حد الساعة، تجاوزَ هذا الهجوم الدموي الذي “يؤرقه ويَسكنه”، والعبارة له، كما أنه لم يتمكّن من فَهم الخيوط المعقّدة التي نُسجت منها فاجعة ابنه. يغالب دون جدوى شعورَه بالذنب. ولذلك، تكتسي هذه الحوارات، بالنسبة إليه، طابعًا استشفائيا thérapeutique بعد أن نهشه الندم، فقد أراد أن يجنّب ابنه الكثير ممّا عاناه هو في حياته. ولكنه يعترف في حديث إذاعي: “لا نقدر على التحكّم في كل العوامل”، ومنها ما دفع بابنه إلى سلوك طريق الإرهاب والتقتيل. “تربط اليوم بيننا قصة ثقة وصداقة.

تعلّمْنا كيف يحترم أحدنا الآخر وكيف نفهم الإرهاب معًا لنُحصّن أنفسنا ضده. عدنا أدراجَ الزمن ونسجنا خيوط حياتنا وحياة أبنائنا حتى لا يُصار إلى ارتكاب مثل هذه الفظاعات أبدًا”.

وبلهجة حذِرة، توالت الصفحات المائتان والست عشرَة للكتاب، دون أن تدّعي تقديم أيّ جوابٍ عما حصل، ولكنها جَرُؤت على طرح الأسئلة وإثارة المعضلات بلغة بسيطة صادقة، حول التربية والقيم التي تقدّمها عائلة مسلمة، من أصول جزائرية، ضمن نسيج المجتمع الفرنسي. كما جهدت لتحليل دوافع شاب، مثل سامي، إلى مغادرة باريس في اتجاه الأرياف السورية للجهاد ضد عدوّ غير محدّد، وهو الذي كان أبناء عمومته يَدْعونه، أيامَ طفولته: Oui, Oui أي: نعم، نعم، لأنَّه لم يكن يقدر على قول: لا، من شدة طيبتِهِ.

وأمّا المغزى العميق لهذا الكتاب فهو إتاحة فرصة نادرة للحوار والتفكيك، من أجل هدم حيطان الريبة والتنافر التي تفصل بين الحساسيات والعقليات، بين ثقافات أوروبا والإسلام، وما يتولّد عنها من عدم الفهم وسوئه، بقصدٍ وبغير قصدٍ، وهي ريبة قد تَصل إلى حدَّ الكراهية والعنف.

ويبقى أنّ هذه “المحاورة”، على نُبل مقاصدها، لا تُشير إلى بعض عِلل الاعتداءات الباريسية، التي ضربت الضحايا والمهاجمين على حدٍّ سواء، وهي بعض السياسات الفرنسية المسجّلة في الداخل والخارج. وخلاصتها، حسب مراقبين، تهميشٌ منهجيٌّ لأبناء الجاليات العربية وأحفادها، بعد أن صاروا فرنسيّين كغيرهم، بالمنشأ واللغة والقانون. وكذلك الانحياز الآلي، ضمن الصراعات الإقليمية التي تهزّ “الشرق الأوسط”، ولاسيما ضدّ القضية الفلسطينية، فضلاً عن الإرث الاستعماري الذي ترفض السلطات الفرنسية، إلى حدّ اليوم، الاعتذارَ عنه، والشروع في محاسبة المسؤولين عنه، وبعضهم لا يزال بيننا.

فما عشّش في فكر سامي ليس جنوناً محضاً، كما تصوّره جورج سالين، بل هو تراكم نفسي، قد يكون مَرَضيًا، نتج من عقودٍ من عدم التوازن بين القوى العظمى وبقية العالم. ثمّة ما هو أكبر من الكلمات وما هو أبعد من التعبير: سلوك سياسة أكثر توازنًا بين أوروبا ومستعمراتِها السابقة وتصفية الإرث الاستعماري إلى الأبد.

وحين نفكّر نحن العرب في عدد القتلى بأرجاء عالمنا الجريح، ولاسيما في سورية التي قارب عدد الضحايا فيها نصفَ مليون قتيل، يحقّ لنا التساؤل عن حجم الكلمات التي ستبقى لنا أو عن تلك التي يمكنها الصمود لتروي فظاعة هذه الحرب. وأقل فجائعها الخلط بين الضحية والقاتل ضمن صراع إقليمي شديد التعقيد. نشكّ في أنّ الكلمات ستقدر يومًا على فهمه وعلى التعبير عن أدنى لوحاته الخاصة. ثمة شيءٌ أبعد من الكلمات حتى وإن بَقيت.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً