لويس أرمسترونغ… ابتسامة سوداء في عالم شديد البياض

​ في زمن شاعت ثقافة الغناء الرباعي بشكل واسع، عبر ما كان يُعرف سابقًا بجوقة صالون الحلاقة؛ وهو نمط من التناغم الوثيق للكابيلا، أو الموسيقى الصوتية غير المصحوبة، نشأ لويس أرمسترونغ، ليغدو واحدًا من أكثر الموسيقيين المنفردين (اسولويست) شهرة عبر التاريخ.


تمتد ديسكوغرافيا أرمسترونغ لقرابة الخمسين عامًا، وتتضمن ألحانًا كلاسيكية مثل Heebie Jeebies وWest End Blues وAin’t Misbehavin، بالإضافة إلى الأغاني المنفردة مثل Hello, Dolly وWhat a Wonderful World وأغنية فيلم “جيمس بوند” الشهيرة We Have All the Time in the World.


كان من حسن حظ أرمسترونغ أن ترافق صعوده كموسيقي بارع مع ظهور وسائل الإعلام الحديثة، كالتسجيلات الصوتية والراديو، إذ ساهم عازف الترومبيت بشكل كبير في تعميم موسيقى الجاز السوداء على الراديو الأميركي، حيث بث الموسيقى الحية من قاعة Savoy Ballroom في شيكاغو مع فرقة كارول ديكرسون، في أواخر العشرينيات من القرن الماضي.


ولكنه لم يكن محظوظًا تمامًا في ما يتعلق بالظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بنشأته، إذ تحول الفنان، الذي عاصر الهجرة الكبرى من الجنوب إلى الشمال، وما تلاها من تغيّر ديموغرافي هائل، إلى شخصية مثيرة للجدل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فرُحب به في بداية ظهوره، بوصفه “الفنان الأسود” الناجي من حتمية الظلم، والذي يشكل وجوده صفعة ثقافية لعالم اللاعدالة الأميركي، ثم سرعان ما انقلب التصفيق إلى استنكار قاده جمهور ملون، بات ينظر إلى أرمسترونغ بوصفه “الفنان الأسود المبتسم”، الأداة التي يُمارس عبرها الغسيل الأبيض، والصورة المتفائلة التي تختزل كل المعاناة الجمعية بقصة نجاح واحدة، بطلها أرمسترونغ.


ولعل الانتقاد الأشد الذي تعرض له عبر مسيرته، هو قبوله العزف أمام جمهور مفصول على أساس العرق. وحين يختلف البعض حول شخص أرمسترونغ، أو دوره السياسي والثقافي في تلك الفترة المضطربة من تاريخ الولايات المتحدة، يجمع النقاد على أهمية نتاجه الفني في مجالي العزف والغناء المنفرد للجاز والبلوز، وغيرهما من الأنماط الموسيقية التي احترفها.


بعيدًا عن عالم التأليف الموسيقي، نشر أرمسترونغ سيرتين ذاتيتين، وعُرف بتركه إرثًا ضخمًا من المراسلات والصور والملاحظات والمناقشات التي وثّق عبرها حياته الغنية بالأحداث والتحولات. ولعل مصطلح “السيرة الذاتية الصوتية” أو “السيرة الذاتية المقدمة عبر الوسائط”، كان لا يزال غير مكتشف عندما بدأ أرمسترونغ بالتنقل حاملًا معه مسجله الصوتي أينما ذهب، مسجلًا آلاف الساعات من المحادثات التي احتوت على كل ما اختبره في غرف الفنادق والبارات وخلف الكواليس وعلى خشبات المسارح.


أراد أرمسترونغ أن يكتب قصته بنفسه عبر سلسلة لامتناهية من السرد، أن يخلّف “تركة” تمكّن الآخرين من التعرف على تاريخه الشخصي بموثوقية، وإن بدا الأمر غير مهم بالنسبة للكثيرين، إلا أنه كان يشكل لأرمسترونغ وسيلة تواصل غير مادية تربطه بالأجيال اللاحقة وتمنح حياته الفنية الاستمرارية، وطريقة يمكن عبرها ربط الموسيقى بالفنون التعبيرية الأخرى، وخاصة النصوص الأدبية، فضلًا عن أن الكتابة والتسجيل المستمرين جعلاه في مواجهة دائمة مع ماضيه وحياته اليومية بما هما المادة الخام لإنتاجه الفني، ويصف أرمسترونغ رحلة كتابة سيرته الذاتية بعنوان “ساتشمو: حياتي في نيو أورلينز” بالعبارات التالية: “يجب أن أكتب بين العروض… لك أن تتخيل محاولة الكتابة ومصافحة معجبيك في نفس الوقت! لكنني تمكنت من فعلهما، وهما نفس الشيء. لذا، يمكنك إخبار الجميع أن لدى العجوز ساتشمو أيدي أخطبوط. لدي مسجل الشريط الخاص بي هنا على جانبي الأيمن، وكل تسجيلاتي موجودة على بكرات. لذلك، عندما أستمع إلى تسجيلاتي، يمكنني الحصول على طعام للأفكار، لأنني أكتب قصة حياتي…”.




ومن المثير للاهتمام، أن كتابات أرمسترونغ ومقالاته قورنت بالموسيقى التي أنتجها على مدى مسيرته الفنية؛ إذ يشير كثير من النقاد إلى أن قطع أرمسترونغ الأدبية تحاكي موسيقاه من ناحية الأسلوب والهيكل والأشكال الإيقاعية والسرعة، وعلاقة الكلمات ضمن النص، تشبه إلى حد كبير علاقة العلامات الموسيقية ضمن ماسورة واحدة، فالموسيقي الذي “جعل الآلة الكاتبة تغني مثل بوق”، تمكن من جعل صوته الكتابي متميزًا كصوته الغنائي الجهوري.


والمفارقة، أن الموسيقي الذي أمضى حياته وهو يكتب، أحيا نمطًا غنائيًا لا يعتمد على الكلمة. فبصفته مغنيًا، صدم أرمسترونغ العالم بارتجاله الغنائي، فكان رائدًا في تقنيات السكات scat الصوتية، والتي سيكون لها الأثر الأكبر على مغنين كبار، مثل بيلي هوليداي، وأيلا فيتزجيرالد، ونات كول كينغ، وألفيس بريسلي، وكثيرين غيرهم.


ويعتمد غناء السكات على أن يُسقط المغني كلمات الأغنية، ويستعيض عوضًا عنها بمقاطع صوتية غير مفهومة مثل da de doo dada. رأى أرمسترونغ أن المقاطع الحرفية التي توصف بأنها “خالية من المعنى”، تتخطى المعنى المحدود الذي قد تحمله كلمة ما، وتنفتح على معان متعددة، يحددها المستمع بحسب تلقيه للأغنية. إنها اللحظة التي يتقشر بها صوت المغني الرئيسي عن الجوقة الجماعية ويبدأ بالغزل حول الكلمات وما بينها.


إلا أن حرفة أرمسترونغ الهائلة تجلت في قدرته على تحويل الكلام الشفوي إلى كتابة، إذ أعاد استخدام القصص الشعبية والمحكية عبر بعض من أغانيه، أما كلمات أغانيه الأخرى، فكانت مزيجًا بين اللغة القياسية الإنكليزية واللغة العامية المصبوغة بلهجة جنوبية، حتى أن أرمسترونغ صاغ مصطلح S’language الذي يشكل مزيجًا بين كلمتي slang أي العامية، وlanguage أي اللغة. هكذا، ترك المجال مفتوحًا أمام الممارسة الشفوية التي تُعرف بـ “اللهو اللفظي”، المستخدمة على نطاق واسع وشعبي في موسيقى الجاز، ويتم فيها تحوير الكلمات وإنشاء صيغ تصغير لها بغية إحداث تناغم في ما بينها وبين اللحن.


إضافة إلى كل ما سبق، صاغ أرمسترونغ كلمات أغانيه معتمدًا بشكل أساسي على الارتجال، بأسلوب يفيض بالفكاهة والعفوية، إذ كان يلتف على اللغة العامية ليعطيها بعدًا جماليًا وشاعريًا، ويضيف إليها روحًا أدائية، ويقلل من تخشب وصلابة اللغة القياسية عبر قواعد الإملاء والطباعة غير التقليدية والمرنة، فينتج بذلك شتائم وتعليقات ساخرة من العنصريين ومنتقدة للمتدينين، وينخرط في لعبة الألفاظ المهينة والعنصرية، بغرض تقويضها وتخريبها. وميزة هذا الارتجال أنه لغوي وموسيقي في آن، فاللعب بالكلمات يوازيه اللعب بالنوتات الموسيقية، وكما تستخدم اللغة الكناية والاستعارة والتشبيه، تستخدم الموسيقى الأداء المنفرد لآلة ما، وتُطلق النغمات العالية وتمزج الأنواع الموسيقية والأشكال الإيقاعية، وتثير عبرها الضحك والاستغراب.


شكلت موسيقى لويس أرمسترونغ ثورة لا يزال أثرها ملموسًا حتى اليوم، موسيقى تخترق غرف المعيشة والقلوب الخائبة والمبتهجة في آن، يقودها رجل آمن بالصلات الوثيقة بين المقطوعة اللحنية والأدبية، ودور هذه الأخيرة في إغناء تجربة الاستماع، من دون أن تتمسك بأشكالها التقليدية الجامدة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً