ليلى مراد… المغنية التي سبقت صوتها

حطت ليلى مراد على الأغنية العربية مثل ومضة ساحرة، لكنها قررت الاعتزال قبل الأوان، محتفظة بأسبابها. تركت لنا فقط الملهاة الجميلة، وتجرعت ألمها وحيدة، بحنين لزمن لن يعود.


في الذكرى الخامسة والعشرين لرحيلها ما زال هناك الكثير من ما لم يُقل عن قيثارة الأغنية العربية. بلغت ليلى مراد القمة لتصبح الأعلى أجراً في السينما المصرية خلال الأربعينيات وبداية الخمسينيات، عدا أن فيلمها الأخير، “الحبيب المجهول”، لم يحقّق الإيرادات المطلوبة.


تضاءلت حظوظها أمام جيل أقل موهبة، فقررت أن تتوارى بضع سنوات. وعندما حاولت العودة، لم تتقبل معاملة أقل من ما يستحقه اسم ليلى مراد. كم هو صعب لإنسان عرف القمة أن يشهد تهاويه. وبالنسبة لمراد، فضلت أن ترى ذلك وحدها. لم يكن لها ذنب سوى أن قيم العصر تغيرت.


فعندما اتفقت مع الملحن كمال الطويل على أغنية “ليه خلتني أحبك”، فوجئت بنجاة الصغيرة تشدو بها في الإذاعة. وقتها كانت نجوميتها لم تزل مُعترفاً بها لدى صُناع السينما، وذهبت إلى المحاكم لتستعيد ما هو حقّ لها. ومن مساوئ الأقدار أن هذا اللحن الرقيق على مقام العجم اشتهر أكثر بصوت نجاة.


مرة أخرى اتفقت مع بليغ حمدي الذي كان وقتها يبحث عن طريق المجد على أغنية “تخونوه” عام 1956. لحن شجي على مقام الكرد، يتماشى مع التيارات الجديدة في الغناء، حاولت أن تجد لها موطئ قدم فيه. لكن عبد الحليم حافظ سمع اللحن وأُعجب به، فأرسل بليغ حمدي ليطلب تنازلها عنه.


جاءها بليغ ليستعيد فرصته في المجد. لم يأبه أحد بالمرارة التي شعرت بها وهي تتنازل بنبل عن حقها في الغناء، في رسالتها إلى عبد الحليم التي يطفو جرح مؤلم. وأمام إغراء النجاح، تذوب مشاعر الإنسان، لتصبح مجرد لحظة حرج موعودة بآمال الشهرة.


بالنسبة لجيل مطربات صاعدات مثل وردة أو فايزة أحمد أو نجاة كن سيدافعن عن أنفسهن بأظافرهن وأسنانهن عمّا أصبح حقاً لهن. حينها، كانت مراد في التاسعة والثلاثين، أي في لحظة يصل الفنان فيها ذروة نضجه. أحست أنها الحلقة الأضعف، والأرجح أنها تنازلت عن الأغنية للملحن الشاب، من أجل نجاح لم يعد مضموناً بصوتها.


ربما حاولت مرات أخرى، ثم أقرّت بتعثر حظها. مجازياً، تصرفت بطريقة آنا كارنينا في رواية الروسي تولستوي؛ فحين أحست تلك بإهمال حبيبها، ذهبت وألقت بنفسها تحت عجلات القطار لتحافظ على حبه حتى النهاية.




كانت ليلى الأكثر رومانتيكية في عصرها. فعلت ذلك بطريقتها، وألقت بما كانته تحت عجلات الوقت، لتُبقي على حب الجمهور الأول الذي لا يقبل المُزاحمة. ربما، في لحظة حين شعرت مثل آنا كارنينا ورأسها مدفون تحت القطار: ما الذي فعلتُه؟ في وقت لم يعد يمكنها العودة. وجدت أنها بين مفترق طرق، تركت الجزء الأكثر حميمية منها للتاريخ، وغاصت في هامش القاهرة.


غير أن التاريخ تركها كما كانت عليه، مغنية كبيرة وممثلة متوسطة الموهبة.


وفي أول أفلامها عام 1938، لم يكن المخرج محمد كريم مقتنعاً بأدائها لولا أن عبد الوهاب فرضها في ثالث أفلامه، “يحيا الحب”. هناك مزايا أخرى جعلتها النجمة الأولى في السينما والأعلى أجراً؛ صوتها الجميل وحضورها البهي على الشاشة. حيوية تعبيرها وذروة الصدق في مشاهد الغناء. وإذا استثنينا عظمة شادية في التمثيل، لم يكن لمعظم المطربين والمطربات موهبة أداء تستحق الاهتمام.


وعلى سبيل المثل، قدمت مراد واحدة من أجمل المشاهد الغنائية في واحد من أبرز الأفلام المصرية، “غزل البنات”؛ وهي تغني “عيني بترف” مع نجيب الريحاني. تشكل الأغنية تكثيفاً تتقاطع فيه الدراما والهزل. فاللحن يعلن عن مساري حب لا يلتقيان؛ دويتو الفتاة والشيخ.



لكن هذا النوع سيسقط لاحقاً في إفيهات حركية مُبتذلة غايتها استلاب الضحك. كانت إيماءات الريحاني الباسمة، مراوحته بين التوتر والسقوط في المحظور، كافية لصناعة واحدة من ألمع لحظات السينما الغنائية هزلاً. وينتصر الهزل على مقام الكرد في ذروة تعبير الأغنية درامياً، والأستاذ حمام يغني ببحة الشيخ “علشانك إنت أنكوي بالنار… وألقح جتتي”. لحن نابض بالمرح والتعبير. تُرى ما هو مصدر تأثير محمد عبد الوهاب في تلك الخفة؟


والأهم أن الأغنية كانت فاتحة لنوع من الأغاني الدرامية. عبر صوت ليلى مراد عن أناقة عهد ولى؛ إذ جاءت من مدرسة الإتقان، وبصوت من طبقة السوبرانو أجادت المقامات الشرقية والغربية على حد سواء. فكان صوتها متفجراً وبراقاً على مقام العجم في واحد من روائع ألحان السينما “أنا قلبي دليلي”.



ولم تكن أقل إجادة وهي تؤدي لحن للشيخ زكريا أحمد، “إن كان فؤادي”، على مقام البيات، فتعيد بصوتها الشجي روح الغناء العربي القديم وطربه الجميل. وفي لحن آخر على مقام البيات أيضاً لعبد الوهاب، “ياما أرق النسيم”، تعلن تطريزاً لعصر ارتبطت فيه الذائقة بروح الصالونات.


لكن في مصر، كان لا بد لشيء أن يحل مكان آخر. ازدهرت السينما الغنائية، فلم يعد هناك مكان للمسرح الغنائي. لاحقاً، استُبدل الانضباط والإجادة بالإفراط العاطفي، مع ذلك كان وسيلة لإخفاء بعض العيوب، ما أدى إلى إغراق المُستمع في نشيج من دون إجادة الشكل. هكذا، استبدلت روح العصر ليلى مراد بأصوات أخرى أقل موهبة منها.



في تلك اللحظة، حاول الملحنون إيجاد محطات تعبيرية تُجسد روح الدراما، وكان لصوت ليلى مراد دور لافت. بعد رحيل أسمهان المُبكر، وجد فيها كبار الملحنين وريثة لها، وإن لم تتمتع بمساحة صوتها العريض. فالسمة المُشتركة تتعلق بطبقة السوبرانو، لكن مراد حيوية بينما الأخرى قاتمة.


وحين غادرت ليلى مراد مسرح الغناء والسينما، تركته من دون وريثة لها.


يتضح ذلك الارتباط بين الفنانتين، بلحن أسمهاني قدمه رياض السنباطي لليلى مراد هو “احنا الاتنين والعين في العين”، إذ يمكن منه استشفاف محاكاة لأغنية “ليالي الأنس في فيينا”، من ألحان فريد الأطرش، وتحديداً في إيقاع الفالس ومقام النهاوند المُشترك بين اللحنين.


لحن تانغو آخر لمحمد القصبجي، أدته مراد في فيلم “ليلى”، المبني على رواية الفرنسي ألكسندر دوما الابن. يبدو العمل امتداداً لأغنية أسمهانية بألحان القصبجي أيضاً، هي “إمتى حتعرف”، وإن اقتصرت على اللازمة الموسيقية فقط.



لكن أغنية ليلى مراد، “بتبصلي كده ليه”، تُعلن سمة درامية ربما لم تكن مسبوقة. وبصرف النظر عن طابع اللحن المترقرق، ثمة تضمينات خفية لصورة فتاة ليل وسط صالون لطبقة الذوات. الجسد والرغبة، الحاجة واللامبالاة، ثنائية تتماهى فيها الأغنية يُجسده فكر القصبجي التلحيني.


من المعروف أن إيقاع التانغو وليد الحانات السفلية في موطنه الأرجنتين، وحاكت فيه مصر أوروبا للتعبير عن روح الصالونات. يستخدم القصبجي ببراعة هذا التفاوت الطبقي ضمن تحولات مقامية، بنسيج لحني يعزز هذا الطابع. كانت أغنية تهكم تُحاكم فيها فتاة الليل ليلى تلك الطبقة. لازمة موسيقية تتكرر بين المذهب والأغصان. فالنهاوند ربما تجسيد لطبقة مخملية لامبالية، وعصرنتها، بينما تشكل الانتقالات إلى النوى أثر والزنجران محاولة رفيعة لتضمين غناء طبقة العوالم التي جاءت منها ليلى مراد، كما يروي الفيلم.


تعود ليلى مراد بعد 23 عاماً من اعتزالها في لقاء تلفزيوني نادر بمصاحبة الملحن بليغ حمدي، وهي تؤدي لحنه “مسا الجمال”. اللافت أن صوتها تعرض لاضمحلال فاجع في صورة تروي معاناتها. حتى أن الأسلوب اللحني الذي أصبح ثيمة يكررها بليغ بابتذال، لا يعبر عن ليلى مراد أو زمنها.



تغير الغناء، وليلى مراد لم تمرّ سوى كطيف متألّم. مع هذا، كان بمقدورها أن تغني سنوات أخرى. في لقاء مع الملحن محمد الموجي، يصف صوتها بالمترقرق كقطرات من الماس، قال إنه سيئ الحظ لأنه لم يلحن لها كثيراً، وكان الغناء سيئ الحظ لأنه خسر محبوبته في سنوات النُضج. مع هذا، تركت أكثر من ألف أغنية و28 فيلماً، ما زالت بحضورها الجميل تطغى على بعض العيوب في أدائها.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً