ماذا حدث لـ"أخلاق الناس"؟

انتهت معركة التعديلات الدستورية في مجلس النواب الأردني بإقرارها جميعاً، لكن بعدما أوسع نوابٌ بعضهم ضرباً، وأوسعت النخب السياسية بعضها شتماً وتخويناً وتهماً معلّبة جاهزة. وعلى الرغم من أنّ مجلس النواب قام بسابقة في التشريع الأردني، بأن حصّن قانوني الأحوال الشخصية والجنسية، ورفعهما إلى مرتبةٍ شبيهة بالدستور، فلا يتم تغيير أي بندٍ إلّا بثلثي النواب والأعيان، فإنّ ذلك لم يُنه الجدل والنفخ في هواجس الهوية، بشقّيها الديني والسياسي، من نخب سياسية وإعلامية.


الخطاب المهيمن على البلاد اليوم هو خطاب المظلوميات، فأمام شركة مياه معان كان هنالك اعتصام احتجاج على الفواتير من المواطنين. وفي السلط اعتصام لحراكيين من مناطق مختلفة احتجاجاً على التعديلات الدستورية، بينما كانت هنالك احتجاجات واعتصامات صغيرة وفردية لعاطلين في مناطق مختلفة ومتعدّدة في البلاد.


مثل هذه الخطابات خطيرة، على الرغم من أنّها تستند إلى وقائع وحيثيات وسياقات مفهومة يمكن تحليلها وإدراك أسبابها، فالأزمة الاقتصادية تساهم في إذكاء المظلوميات الهوياتية، من كل الأطراف، كما أنّ غياب المشروعات التنموية الوطنية الكبرى، بالإضافة إلى ضعف الديمقراطية والتعدّدية فيستبدل الناس الهويات بالخلافات السياسية والفكرية، لكنّ الظاهرة التي تستدعي التوقف والاهتمام والقلق بدرجة أكبر هي الانحدار في مستوى الخطاب والحوار على مواقع التواصل وبين النخب السياسية والمثقفة التي يفترض أن تكون حريصةً، في الحدّ الأدنى، أن تغلّف خطابها بلغةٍ مخاتلةٍ لا تفصح عن الاتهام والتخوين والشيطنة بصورة مباشرة، لكن ما يحدث هو العكس تماماً، فنجد أنّ الخطاب الاتهامي والتخويني سافرٌ إلى أبعد مدى.


يمتاز الأردن بنسبة عالية من المتعلمين، ونسبة جيدة من المسيّسين المتابعين لما يدور في البلاد، بل في العالم، لكن منذ الربيع العربي، ومع انتشار مواقع التواصل، وبروز ما تسمى “الشخصيات الرقمية” برزت ظواهر عديدة، وتضخّم الخطاب الإقصائي والهوياتي والتخويني، بل وحالة الاستقطاب الشديد التي تحدُث مع كل حدثٍ جدلي، مثلما كان الموقف مما حدث في سورية وتركيا والعراق، وفي مسائل داخلية كثيرة.


دعك من أن هنالك اجتهادات وآراء ومواقف متعدّدة في ما يتعلق بالتعديلات الدستورية، وانقسام النخب الإصلاحية والمسيسة تجاه العديد من هذه البنود (مثل إضافة مصطلح الأردنيات على عنوان أحد الفصول، ومثل صلاحيات الملك، وتأسيس مجلس الأمن الوطني، والفصل ما بين النيابة والوزارة). لكن كان واضحاً أنّ سقف التشكيك والتخوين والاتهام في النقاش الدائر عالٍ جداً هذه المرّة، ولم يسلم أحدٌ من ذلك. بالطبع وصل الأمر، في أحيانٍ كثيرة، بين نخب عديدة إلى القصف الشديد بالتهم القاسية المرعبة.


بيت القصيد وما يؤلم حقّاً أنّ الجميع يتحدّث عن الديمقراطية، وأيّ ديمقراطية، يا سادة، لا يمكن أن تنمو وتتجذّر في مثل هذه المناخات المرعبة، إذا حذفنا بالكلية المساحات المطلوبة من التعدّدية والقبول بوجهة النظر الأخرى. والأهم من ذلك كله التسامح، التسامح، التسامح، فلا يمكن أن نقطع أي خطوة إلى الأمام من دونه. نعم، التسامح، وهو الأمر الذي ميّز الأردن خلال العقود السابقة .. أخطأت طالبة جامعية بالحديث عن النظام الأردني واتهمته بالخيانة، لكنّ ردود الفعل بعد ذلك مرعبة وقاسية جداً، إذ أصبح الكلّ يحرّض على طرد الطالبة، وتصدر وسم (هاشتاغ) هذه المطالبات على “تويتر”، واستبيحت، بينما لو ناقشها أستاذها في الجامعة بلغة هادئة عاقلة وأقنعها، لما كان الأمر يتطلب هذه العاصفة الهوجاء.


لن نمضي خطوة واحدة إلى الأمام بمثل هذه الثقافة والمناخ العُصابي الجديد، وسنفقد الأمل ليس بالوصول إلى تحقيق إصلاحاتٍ ديمقراطية فحسب، بل بالمجتمع أيضاً. وشرخ الثقة لن يقف عند العلاقة بين الشارع والحكومات، بل سيصل إلى كلّ بيت وكلّ حارة وكلّ شارع. هذه الخطابات والمناخات خطيرة، ومن ينفخون فيها إنّما يحرقون الأخضر واليابس.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً