مايكل جاكسون: محاكمة تاريخية مفتوحة

صدَق الرئيس الأميركي السابق وعراب اقتصاد السوق، رونالد ريغان، عندما وصف أسطورة البوب مايكل جاكسون (1958 – 2009) بأنه “قد جعل من الحلم الأميركي حقيقة”. أتى كلامه خلال مراسم تقليد الأخير وسام “السلامة العامة” في البيت الأبيض عام 1984 إزاء بادرة منه، وهب فيها إحدى أغانيه لصالح التوعية ضدّ مخاطر قيادة السيارة تحت تأثير الكحول.

بتأويل مجازيّ، إن مزاعم الاغتصاب المُمنهج الذي ارتكبه جاكسون دهراً من الزمن بحق العديد من الأطفال التي أعيد الكشف عنها في الوثائقي الطويل “ليفينغ نيفرلاند” Leaving Neverland من إخراج البريطاني دان ريد، وافتتح عرضه في “مهرجان ساندانس” نسخة هذا العام، تبدو كما لو أنها تحاكي سردية الحُلم الأميركي وسيرورته الإيديولوجية الكامنة والمستترة بين ثُنائية السموّ والهول.

فاللقطة الحوّامة لكاميرا مُثبتة على طائرة مُسيرة Drone تُحلّق فوق جبال كاليفورنيا كما لو أنها الأولمب، جبل آلهة الإغريق، تصوّر من زاوية أرض الحلم بنعيم الشهرة والمال الذي استدرج به جاكسون ضحاياه. ومن زاوية أخرى، تصوِّر كمروحية شرطة ترصد مكان الجريمة، حيث المزرعة التي اغتُصب فيها الأطفال في صمت وعلى مدار أعوام، وفي غفلة مُدهشة ومُشينة من أهلهم وذويهم.

كذلك تماماً، تفتك الرأسمالية الأميركية بضحاياها؛ ففي منسوب علوي يُصوَّر الثراء والشهرة والعيش الرغيد كفصولِ حلم يَحقُّ لكل إنسان أن يحياه وإن سرنمةً (السير نوماً)، وفي منسوب سُفلي، قاهر وقاتم، تُبتزّ البشر وترزح تحت نير فوائد القروض وسطوة المصارف وجبروت مجالس إدارة كُبريات الشركات، ليُمسي الناس عبيداً عُقلت رقابهم بأربطة حريرية عوضاً عن سلاسل حديدية.

ثلاث كاميرات أُخرى تسيّر الفيلم بساعاته الأربع؛ واحدة تقابل كرسياً بذراعين، تجلس فيه الضحية أو قريب لها، يذكّر بمشهد الاستجواب الشهير للممثلة شارون ستون في فيلم Basic Instinct، تَروي الضحية بقدر ما تبدو وكأنها في جلسة علاجية، في لقطة أخرى، تقترب الكاميرا بمنظور حميم، علوي وجانبي باقتراب الرواية من البوح، فيما تستعيد لقطةٌ الأرشيف ضمن إطار أسود.

الضحيتان شابان كانا طفلين حين التقيا بمايكل جاكسون. تمرّ شهاداتهما خلال الفيلم بأطوار ثلاثة؛ الأول ظروف اللقاء، والثاني تفاصيل الاعتداء، والأخير كتمان الأمر، وما صحب ذلك من آثار نفسية واجتماعية، وشتّى الضغوط التي مارسها جاكسون، بحسب رواية الضحيتين التي وصلت إلى حد إدلائهما بشهادات زور، حين ادّعى طفل عليه بتهمة الاعتداء الجنسي في محاكمة انتهت بتبرئته.

يُقدّم الفيلم صورة للاعتداء الجنسي تختلف عن السائد في المخيلة الجمعية؛ فعوضاً عن الإكراه والعنف، يبزغ الحب، لا كقيمة، وإنما كأداة استدرج جاكسون بواسطتها، ليس المعجبين من الصغار فحسب، بل ذويهم أيضاً. حبٌ مُلتبس بين حب النجم وحب النجومية، حب الآخر وحب الذات، حب المال وصاحب المال، حتى ينطلي الحب خدعةً، سلعةً وشعاراً تمارس باسمه شتّى صنوف الفظاعة.

من منظار “الحب” هذا يأتي الأثر الصادم، فالفيلم في الأخير يروي قصة حب؛ حب الطفل/ الضحية للنجم المفترس، وحب النجم المفترس لذاته مُسقطاً على الطفل/ الضحيّة، فالصغير الذي لم تُستكمل مداركه بعد، ظن في شر ما يقع عليه أنه صنفٌ من صنوف المحبة. أما النجم الكبير، المُفترس والمنحرف، فقد سوّغ بدوره لنفسه ما اقترفته يداه جرّاء معاناة العزلة والوحدة وولهاً بالبراءة والطفولة.

فالجريمة، إن وقعت، لم تتم بالإكراه، وإنما بالرضى، ليُضاف جرم الاستغلال على جرم الاغتصاب؛ فالمُعتدي يستغلّ نفوذه ومكانته لدى الضحية وذويها، كما يستغلّ مجال الوعي الضيّق لدى الطفل في تمريره لاعتدائه، ومن ثم تطبيعه؛ تصويره على أنه سلوك مُحبٍّ عادي، يلعب عامل القوة والسلطة هنا دوراً في تهيئة بيئةِ نفسية لاغتصاب لا عُنف فيه، يُرتكب بالاستقواء وبسلاسة سلاح الإيحاء.

بما أن الاستقطاب المعرفي واليقينيّات المتوازية باتت عناوين المرحلة الراهنة، انقسم الرأي العام عقب بث الفيلم إلى مصدوم ومستنكر لأفعال مايكل جاكسون، وفريق من مُحبّيه ومُعجبيه ناكرٌ وناقضٌ لكل ما جاء على لسان الشاهدين، مُتهماً كليهما بالتزييف والفبركة، مُحذراً من مؤامرة أبطالها المُنتج والمُخرج والضحايا المزعومين، تستهدف أيقونة فنيّة وموسيقية خالدة ابتغاءً للمال والشهرة.

لربما الآتي أشدّ، فبالرغم من أن القضاء كان قد برّأ جاكسون مرتين، نتيجة امتناع البعض، بحسب الفيلم، عن الشهادة وإدلاء آخرين بشهادات زور، فضلاً عن أن الوثائقي قد استند إلى شهادتين فقط، وهو ليس بتحقيق جنائي ولا يُقدّم أدلّة ملموسة، إلا أن “شركة سوني للترفيه” تبدو بصدد مراجعة عقدٍ قيمته 250 مليون دولار وقّعته مع وُكلاء جاكسون عام 2017 لإعادة توزيع إرثه الموسيقي.

وفي جوّ تعصف به الأخبار من كل الجهات عن اعتداءات مُستمرة ظلت مستورة ومسكوتاً عنها لعقود، سواء من مؤسسات دينية أو رياضية في الغرب والعالم، ومع علوّ صوت الحركة النسويّة “مي توو” Me Too على منابر الإعلام ووسائل السوشال ميديا، وكشف الفضيحة تلو الفضيحة لنجوم ومشاهير كبار مُتهمين بشتى أنواع التحرش والاغتصاب، اكتسب بكل هذا وثائقي جاكسون زخماً خاصاً.

يبقى السؤال هنا: هل يُجرّم فن الفنان ويحرّم إن أجرم الفنان؟ أم يتوجب الفصل بين النفس الأمّارة والروح الخلّاقة؟

من نافل القول إن الراحل مايكل جاكسون فنانٌ تاريخي، أحدث تغييراً نوعياً في أداء أغنية البوب وشكلها، كما أرسى مدرسة رقص جديدة وفريدة ألهمت أجيالاً تلته، اقتدت به وأحبّته، وعليه، تندرج إبداعاته ضمن الإرث الفني الإنساني لثقافة البوب المميزة لليبرالية ما بعد الحداثة.

كان جاكسون، أيضاً، كما كانت حياته، نموذجاً لصناعة النجم الأيقونة والأسطورة، تراه العين على خشبة المسرح، فتحسبه مرّات من أشباه الآلهة، كأنه مُسقطٌ هولوغرامياً، أو أنه مخلوقٌ لا أرضي آتٍ من كوكب آخر، اقترن اسمه ببلايين الدولارات، وخُلقت له وحوله طقوس عبادة، يُطلّ على الحشود، فتتداعى وتتساقط، يُغمى على المتيّمات ويجهشن بالبكاء، وقد يقتلن أنفسهن لأجله ولهاً وهياماً.

لهذا، قد تسمو إبداعات جاكسون الفنان فوق فظاعاته وتجتاز اختبار الزمن، أما جاكسون الإنسان فلن يسمو بها. إن صحّت مزاعم الفيلم، فإن انتهاكاته بحق أطفال أحبوه واقتدوا به ستجتاز بدورها أيضاً اختبار الزمن، وستبقى أشبه بمحاكمة تاريخية مفتوحة، ليس لشخصه فقط، وإنما لحقبة تماهت به، سلّعت الحجر والبشر، وأعلت شأن اللذة فوق كل شأن، وإن كان حُرْمة وكرامة الإنسان.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *