ما الطريقة الأمثل لنقل وحيد قرن؟

كل عام، ينتظر العالم والمجتمع العلمي، جائزة نوبل البديلة أو ما يعرف باسم Ig Nobel prizes التي تُعطى لتكريم الإنجازات التي تجعل الناس يضحكون ثم يفكرون. وبالطبع، الجائزة قائمة على أساس محاكاة ساخرة لجائزة نوبل، وإنجاز “أبحاث” و”تجارب” لا تفيد بشيء تقريباً، لكنها توظف التقنية العلمية للوصول إلى نتائج كالآتي: “هل يؤثر مواء البشر على القطط وهل يفهمونه؟” أو ما هي العلاقة بين “بدانة السياسيين والفساد في البلدان ما بعد السوفييتيّة؟”.


هذا العام، التجربة التي نالت الشهرة الأكبر وجائزة نوبل البديلة، كانت عن فئة “النقل”؛ إذ تتمحور حول التأثيرات التي تقع على جسد وحيد القرن حين نقله معلقاً من قدميه مقارنة بنقله مستلقياً. الدراسة أنجزت في عدد من البلدان الأفريقية، وقام بها عدد من العلماء؛ إذ علقوا 12 وحيدَ قرن لمدة عشر دقائق، بهدف دراسة معدلات الاستقلاب وتدفق الدماء في أجسادها، خصوصاً أن هذا التقليد متبع في المنطقة، حيث ينقل وحيد القرن بهذا الشكل بعد تعليق قدميه أسفل طائرة حوّامة.


وأظهرت الدراسة، في نهاية الأمر، أن هذه الوضعية هي الأفضل والأقل إيلاماً لوحيد القرن؛ أي أن عنوان هذا المقال ليس نكتة، وإنما هو سؤال علمي جاد. لكن، لنتأمل الصور قليلاً: وحيد القرن يتدلى من قدميه، لا ضرر عليه حسب الدراسة، لكن هناك قشعريرة ونوع من الغرابة نشعر بهما حين نشاهد الصور. لماذا، أساساً، يُنقل وحيد القرن؟ ما هو الحال الذي وصل إليه الكوكب إلى درجة أننا بحاجة إلى نقل وحيد القرن من مكان لآخر على متن طائرة حوّامة؟


الصور، على الرغم من أنها لطيفة، وأحياناً قد تبدو مضحكة، إلا أنّها، أيضاً، تعكس عطباً عميقاً في النظام البيئي. والأهم، تخبرنا عن ضرورة التدخل البشري وأسلوبه الذي يجعل كائناً يزن أطناناً يتأرجح في الهواء كلاعب خفة. هذه الصور تعكس علاقتنا مع الطبيعة؛ إذ نأتي بـ”آلاتنا”، ونغير أسلوب الحركة التقليدي للكائنات، ونعيد ترتيب المكونات والأحياء، ليس فقط من أجل متعتنا، بل أيضاً لحمايتها، وكأنه بسبب الخراب والتلوث، أصبحت هذه الكائنات عاجزة حتى عن النجاة بنفسها، من دون تدخل منا، نحن الأفضل في تخريب الكوكب من دون منازع.




الأهم، وهذا ما أغفلنا ذكره، أن وحيد القرن الذي يتم نقله بهذا الشكل، يخضع إلى التخدير؛ أي ربما هو لا يعي ما يحصل، ولا يمتلك أي إرادة في هذا الأمر. لكن، إن امتلك إرادة؛ فهو عاجز، ولا رأي له في ما يحصل. ولا نحاول، في هذا السياق، أن ننتصر لحقوق الحيوان فقط، بل نحاول مناقشة الوضعية البشريّة وعلاقة العالم مع الحيوان، أو موضوع بحثه؛ فالصورة تخفي وراءها ممارسة غير علميّة.


في هذا السياق، اكتشف أخيراً بعض العاملين في حماية الحيوان في ناميبيا، “ضرورة” معرفة أخطار هذه الممارسة؛ ما أدى إلى إنجاز الدراسة العلميّة. لكن اللغة العلمية وتلك الشعبية، كلتاهما لا تنفيان المشكلة، وصلنا إلى مرحلة في علاقتنا مع الطبيعة، أننا مضطرون إلى تركيب أجنحة لكائنات يصل وزنها إلى أطنان.


المحزن أن وحيد القرن مهدد بالانقراض، ونقله إلى مساحة مسيجة ومراقبة هو الحل الوحيد أمام طمع الصيادين، لكن الصدمة التي يخضع لها الحيوان أثناء نقله إلى بيئة جديدة غير محسوبة، ونتحدث بدقة عن تلك النفسية، ما يحصل حقيقة أننا نحاول إنقاذ ما تبقى من الكائنات عبر خلق “فراديس” أو حدائق مسوّرة حسب المعنى اللغويّ، لحماية من تبقى، وخلق بيئة مثالية ومناسبة لهذه الكائنات. هذا التدخل البشري، أيضاً، غير محسوب النتائج، يهدف إلى الحفاظ على الكم العددي للحيوانات، لا نوعية الحياة ولا غيرها من الشروط، وكأننا أمام “منتجات” نادرة نحاول الحفاظ عليها بأي شكل ممكن، من دون الاهتمام، حقيقةً، برغبتها هي، وما هي الشروط التي تدفعها إلى الاستمرار في الحياة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً