ما فعلته فرنسا بالأمم المتحدة

عاد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ينتقد الأمم المتحدة، لكنه هذه المرّة خص مجلس الأمن، ففي مقابلة أجراها، أخيرا، مع موقع “لوغران كونتينان” الفرنسي، صرّح إن “مجلس الأمن الدولي لم يعد ينتج حلولاً مفيدة اليوم”. ولم يسبق لرئيس فرنسي أن عاتب المنظمة الأممية بهذه الحدّة، وكان ماكرون، قبل شهرين، قد وصفها بأنها غارقة في “حال فوضى، على غرار عالمنا اليوم”. وعاب عليها عجزها عن فرض عقوباتٍ على الدول التي انتهكت الخطوط الحمراء، وارتكبت جرائم “حرب الضمّ واستخدام الأسلحة الكيميائية والاعتقال الجماعي”، في تلميح واضح إلى روسيا وسورية وتركيا.

يحاضرنا الرئيس الفرنسي، بين الفينة والأخرى، عن “إخفاقات” الأمم المتحدة، وكأنه لا يرأس بلادا ساهمت، إلى حد كبير، في فشل المنظمة، ونشرت الدمار والفوضى من سواحل ليبيا إلى رمال مالي والنيجر ونيجيريا. أما عن فوائد مجلس الأمن، فكانت فرنسا، وما زالت، أكبر مستفيد منه. ولولا إصرار رئيس الوزراء البريطاني من 1940 إلى 1946، ونستون تشرشل، لما ولجت باريس دائرة الخمسة الكبار وتربعت على مقعد دائم بمجلس الأمن وتمتعت بحق النقض (الفيتو). وفي انتقادات ماكرون من المغالطة والجحود ما يضطرنا للعودة إلى تاريخ نشأة المنظمة الأممية التي لم يكن فيه لفرنسا محلّ من الإعراب.

تدين الأمم المتحدة بوجودها للرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، الذي بلور مشروعها حول فكرة “رجال الشرطة الأربعة” في 1943، وكان يعني بهم الحلفاء الرئيسيين في الحرب العالمية الثانية، أميركا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي والصين. ووفقًا لتلك الأطروحة، ارتأى أن تتولى هذه القوى مسؤولية الحفاظ على النظام والأمن في “مناطق نفوذ” كل واحدة منها، واقترح نزع سلاح كل الدول، ما عدا التي يمثلها الحلفاء المنتصرون. ونظرا لخضوع نظام فيشي الفرنسي لألمانيا النازية بين 1940 و1944، وزجّه 75 ألف يهودي في معسكرات الإبادة، لم يكن الرئيس الأميركي ونظيره السوفييتي، جوزيف ستالين، يعتبران فرنسا دولة منتصرة، بل كان روزفلت يعتزم نزع سلاحها وجعل مصيرها مشابها لألمانيا. وبناءً على ذلك، لم تكن فرنسا ضمن الدول الـ 26 التي وقعت في 1942 على إعلان واشنطن المؤسّس لمشروع المنظمة الدولية. حرِص الحلفاء على استبعادها من المفاوضات اللاحقة، ولم يتم قبولها طرفا مفاوضا في مؤتمر دومبارتون أوكس في 1944، أو في مؤتمر يالطا الذي انعقد السنة التالية، واجتمع فيه روزفلت وتشرشل وستالين، واتفقوا على تقاسم مناطق النفوذ في عالم ما بعد الحرب، ووضعوا خريطة لدور الشرطي المنوط بكل واحد منهم داخل منظمة الأمم المتحدة. وفي المؤتمر، نجح تشرشل في فرض فرنسا شرطيا خامسا في مجلس الأمن. كان ثعلب السياسة البريطانية حريصا على إعادة بناء فرنسا لتصبح دولة قوية في قلب أوروبا، تقي بلاده شر الاتحاد السوفييتي في المستقبل. تنازل روزفلت، وقَبِل فرنسا في مجلس الكبار، وعزف عن فكرة نزع سلاح بقية دول العالم. تبلور مشروع الأمم المتحدة وتغيّر، ولكن الهدف الأساس ظل الحفاظ على المصالح الإمبريالية للدول العظمى في مناطق نفوذها.


يحاضرنا ماكرون عن “إخفاقات” الأمم المتحدة، وكأنه لا يرأس بلادا نشرت الدمار والفوضى من سواحل ليبيا إلى رمال مالي والنيجر ونيجيريا


على مدى الـ 75 سنة الماضية، سخّر الخمسة الكبار مجلس الأمن، وباقي أجهزة المنظمة الدولية ووكالاتها، لخدمة مصالحهم قبل كل شيء. ومن أكثر الأخطاء شيوعا في العالم اعتبار أميركا أكثر الدول استغلالا لمجلس الأمن الدولي، في حين أن فرنسا تفوّقت عليها في استصدار قرارات المجلس التي شرعنت حروبها النيوكولونيالية في أفريقيا، فإن كان مجلس الأمن قد أجاز استخدام القوة العسكرية من تحالفاتٍ قادتها أميركا أربع مرات (في كوريا والعراق والصومال وهايتي)، فإنه منح فرنسا الضوء الأخضر للتدخل العسكري في رواندا، وليبيا، ومالي، وساحل العاج، وأفريقيا الوسطى، والكونغو الديمقراطية.

زاد نفوذ فرنسا في الأمم المتحدة مع سطوتها على إدارة عمليات حفظ السلام بحلول العام 1997، وتوالي خمسة مسؤولين فرنسيين على رئاسة هذه العمليات، على الرغم من محاولة الأمين العام، أنطونيو غوتيريس، كسر احتكار فرنسا منصبا يفترض أن تتنافس عليه كل الدول الأعضاء. وعلى مدى الـ 23 سنة الماضية، سخّرت فرنسا موارد هذه الإدارة المادية والبشرية لخدمة عقيدتها العسكرية التي تقوم على ضرورة اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لشرعنة عملياتها العسكرية، واستخدام عمليات حفظ السلام إحدى الأدوات لتعزيز موقعها دوليا. ولم يكن عدد عمليات حفظ السلام الأممية في أفريقيا في 1997 يتجاوز ثلاث بعثات، تنتشر في ليبيريا وأنغولا و”الصحراء الغربية”. ولكن بعد ترؤس فرنسا الإدارة المشرفة على هذه العمليات أنشأت، بتفويضٍ من مجلس الأمن، أربع بعثات جديدة وضخمة في مالي، والكونغو الديمقراطية، وساحل العاج، وأفريقيا الوسطى، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استعمال القوة. وانتشرت بعثات السلام بلا سلام، مباشرةً بعد التدخل العسكري الفرنسي الذي عقّد الوضع في هذه البلدان أو زاده تعقيدا.


زاد نفوذ فرنسا في الأمم المتحدة مع سطوتها على إدارة عمليات حفظ السلام بحلول العام 1997، وتوالي خمسة مسؤولين فرنسيين على رئاسة هذه العمليات


نسف هذا الجيل من العمليات الأممية المبادئ الثلاثة التي كان يقوم عليها حفظ السلام التقليدي من ضرورة موافقة الأطراف، وضمان عدم التحيز، وعدم استخدام القوة إلا من أجل الدفاع عن النفس. تحوّلت القبعات الزرق الأممية إلى قواتٍ مقاتلة، ليس لحماية المدنيين، وإنما لحماية مصالح فرنسا قبل كل شيء، ففي ساحل العاج، قاتلت قوات حفظ السلام إلى جانب الجنود الفرنسيين، بعد أن رفض الرئيس المنتهية ولايته، لوران غباغبو، نتائج انتخابات 2011، وقصفت القصر الجمهوري بمروحياتها البيضاء، إلى أن اعتقلت فرنسا غباغبو وسلمته لمرشحها المفضل، الحسن واتارا، بيدٍ، وسلمته السلطة باليد الأخرى. بتفويض أممي وجنود أمميين، قادت باريس انقلابا باسم حماية المدنيين والدفاع عن الديمقراطية، وما زال واتارا تحت حمايتها يحكم عنوة، بعد أن انتهك دستور بلاده الذي يمنع ممارسة أكثر من عهدتين رئاسيتين. وفي جمهورية الكونغو، حاربت قوات حفظ السلام جماعات حركة إم 23 المتمرّدة في 2013، مستخدمة مدافع الهاون وطائرات الهليكوبتر ومروحيات هجومية ودبابات قتالية ونيران المدفعية، ثم عزّزت حربها باستعمال طائرات بدون طيار لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة. وهذا كله دفاعا عن نظام الرئيس جوزيف كابيلا، الذي كان يتيح لفرنسا، ولرجال الشرطة الأربعة الآخرين، استغلال كل موارد البلاد من حجر الألماس، وذهب، ونفط، ويورانيوم، وكوبالت، ويسهّل عمل شركاتهم العملاقة في البلاد.

لم يتذكّر ماكرون الذي يتحدث عن الفوضى أن بلاده كانت أول من قصف ليبيا وزعزع استقرارها ونشر الفوضى في جزء كبير من أفريقيا، بعد أن نجحت في استصدار قرار مجلس الأمن 1973 الذي فسح المجال أمام التدخل العسكري الأجنبي. حققت باريس أهدافها بعد مقتل معمّر القذافي، وتسليح جهاديين حوّلوا مشروع انتفاضة ديمقراطية إلى حربٍ أهلية، ثم عاد مئات المقاتلين الطوارق بأسلحتهم إلى إقليم أزواد في شمال مالي، وقادوا هناك تمرّدا ضد الجيش النظامي. صوّرت باريس الاقتتال إرهابا، وأقنعت مجلس الأمن بضرورة وقف زحف الجماعات الإرهابية. وكعادتها شنّت قواتها الخاصة حربا سريعة، أسمتها عملية “القط المتوحش” في 2013، ثم انسحبت بعد 22 يوما، وسلّمت مشعل الحرب ضد الإرهاب للقبعات الزرق الذين يدفعون ثمنها بحياتهم، ويؤدي كلفتها دافعو الضرائب عبر العالم.


لم يتذكّر ماكرون الذي يتحدث عن الفوضى أن بلاده كانت أول من قصف ليبيا وزعزع استقرارها ونشر الفوضى في جزء كبير من أفريقيا


حماية المدنيين آخر هموم المسؤولين الفرنسيين الذين حرّكهم حرصهم على نفط ليبيا، وبيع أسلحة الدمار، واحتكار موارد الصحراء الكبرى من ذهب ويورانيوم ونفط تحصل عليها باريس بأبخس الأثمان، وتوفير المواد الخام لتطوير الطاقة النووية التي تعتمد عليها فرنسا، فضلا عن الدفاع عن هيمنة “توتال” و”أريفا”، وغيرهما من الشركات الفرنسية العملاقة في المنطقة.

.. يواصل بلد الأنوار سياساته الاستعمارية في أفريقيا تحت راية الأمم المتحدة، ويحاضرنا ماكرون عن الحريات والحقوق، وما زالت بلاده تُرغم 15 دولة أفريقية، تنتمي لمنطقة الفرنك الأفريقي، على إيداع 50% من احتياطها النقدي لدى الخزانة الفرنسية كضمان لعملتها، من دون أن تستفيد هذه الدول من الفوائد العائدة من هذه الأصول التي تستفرد بها فرنسا. والأسوأ أن دولة حقوق الإنسان تفرض على هذه الدول قروضا بالفائدة، إن رغبت في الاقتراض من احتياطاتها المودعة رغما عنها في باريس. ولا تسمح أيضا لهذه الدول التي توهم نفسها بأنها مستقلة بتحويل الفرنك إلا إلى اليورو فقط، وبدون تحديد الكمية التي يمكن تحويلها دوريا. هذا جزء من ممارساتٍ لا إنسانية ما تزال تقوم بها فرنسا المتحضرة، على الرغم من إعلان ماكرون عن التخلّي عن الفرنك الاستعماري، ونشأة عُملة بديلة تسمى “إيكو” لم تُفعّل بعد.

لقد شاءت سخرية القدر أن يتحول الشرطي الخامس غير المرغوب فيه إلى أول شرطي في مجلس الأمن. ولعل أفضل جواب لنفاق ماكرون وجحوده ما جنته بلاده من الأمم المتحدة رضوخه لطلب ألمانيا، أن تتخلى فرنسا عن مقعدها الدائم بمجلس الأمن لمصلحة الاتحاد الأوروبي.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً