مثل شتاءِ هُلدرلين

أكتب من هذه العزلة الهولندية. في هذه الأيام المطيرة، ها أنا في ظلمة الخريف؛ أمستردام سماواتٌ تحجبها ستائر الأمطار الشماليّة الداكنة، خيوط المطر الكثيفة الشاقولية تحجب الرؤيا، سوى أضواء نوافذ البنايات التي تشتعل انعكاساتها في مياه القنوات والتي تبدو في رداء ضبابي مثل لوحات كلود مونيه وكامي بيسارو التعبيرية. أتذكّر كآبة بودلير تحت سماء فرنسا التي كان يقاومها بالأفيون، وأرى هُلدرلين في مشغل النجار تسيمر؛ هلدرلين جالساً في جنونه الهادئ، شاخصاً ببصره يتأمّل هذه الطبيعة الشمالية نفسها من وراء مربّعات زجاج نوافذ البرج الصغير الملحق ببيت راعيه تسيمر على ضفّة نهر النيكار الذي تغنّى به في قصائده. هناك، في ظلمة الجنون، كتب قصائدَ النافذة. أحياناً تشرق الشمس كما في هذا الصباح وتمتلئ الحديقة الخلفية بالطيور؛ يعود الحمام الذي يتسوّل الفُتات في نافذة المطبخ، تعود عصافير الدوري والشحارير السوداء والببغاوات الصغيرة الخضراء تتقافز في شجرةِ تمر حنّة ضخمةٍ تملأ الباحة الخلفية؛ الببغاوات التي لا أدري من أين جاءت.


قالت آنيت: “ظهرت فجأةً في هذه السنوات الأخيرة. أكيدٌ أن أحدهم أطلق زوجاً في المدينة وتكاثرت؛ تتذكّر تلك السنة في برشلونة؟ لم نكن نرى في سمائها سوى الببغاوات التي تحفر أعشاشها في أعالي جذوع النخيل”. 


قطع سيراميك عليها رسومٌ دقيقة لقوارب مائلة ومهرجين


حضرني صديقي باسم النبريص، الشاعر المتغرّب هناك، والذي أخذني إلى زوايا المدينة المجهولة. لباسم حسٌّ عميق بشاعرية الأمكنة. أخذني إلى متحف بيكاسو في المدينة القديمة، داخل زقاق ضيّق مظلم؛ في تلك البناية الجهمة الشبيهة بأديرة القرون الوسطى، ذات الحوائط الحجرية السميكة والمدرّجات والسقوف الواطئة ذات العقود. البناية الصلبة الداكنة المفارقة لرهافة فخاريات بيكاسو وسيراميكه، تلك المخلوقات الطينية السريالية: أباريق في شكل ديَكةٍ وخيول جامحة ذات قسَمات مستنفرة، ثيران أسطورية بعيونها الوسيعة توحي بطاقةٍ أرضيّة عاتية؛ مزهريّات رُسمت عليها وجوه البومة بعيونها الدائرية الفظيعة؛ ثمة شبَهٌ سرّي ببؤبؤي عيني بيكاسو؛ قطع سيراميك بيضاء عليها رسومٌ دقيقة لقوارب مائلة ومهرجين وشخوص دونكيشوتية مرسومة بضربات فرشات سوداء، وطيور بالأزرق والأحمر وشمسٌ عبارةٌ عن بضع خطوط صفراء برتقالية دقيقة متوازية في شكل دائرة. بيكاسو الذي يشوّه الوجوه ويحوّر أشكال الواقع ليقول الواقع الأعمق.


غادرنا متجر المتحف. أخذني باسم إلى حيٍّ كلُّ أسماء شوارعه توراتية. آه، برشلونة المسيحية الكاتالونية الإسبانية اللاتينية المتوسطية، التي تصعلكَ فيها بيكاسو قبل أن يسافر إلى باريس، ومن بعده سلفادور دالي. برشلونة التي شهدت فظائع الحرب الأهلية. هناك حضر همينغواي وجورج أورويل ورفائيل ألبرتي وميغل هرنانديز، الشاعر الثوري الذي بدأ راعياً لقطعان ماشية أبيه وانتهى أسيراً لدى الفرانكيين ومات في سجن مدينة أليكانتي. هم الكتّاب الذين صنعوا أسطورتها الحديثة. بدا لي باسم كما لو جاء يبحث عن سيرتهم. سرنا في الليل الصيفيّ تحت ظلال النخيل في الشارع الذي يمتدّ وراء بوّابة قوس النصر؛ أخذني إلى الحواري القديمة الضيقة وراء السور الروماني؛ بيوتٌ ذات بوّابات واطئة كما لو أنّك في مراكش. 


عبرنا حي البورن حيث سهرنا عند الصديق داواي، ثم إلى قصر الموسيقى المشتعل بالأضواء الملوّنة. قال لي “هذا القصر بناه الأهالي من عمّالٍ وطبقة متوسطة”. عمارة كيتش كاتالوني؛ بناءٌ ملون يذكّر بمناخات غاودي الفسيفسائية، أغاني البوندولينو الشعبية والراقصات الإسبانيات الملتفّات في الدنتيلا السوداء؛ الراقصات بأحذيتهنّ السوداء ذات الكعوب العالية  وعيونهنّ السوداء المخيفة وأحمر الشفاه القاني وأصواتهنّ الجارحة. ثمّ وجدتني في شارع رمبلا، وسط جموع تتكلّم كل اللغات.


أمستردام سماواتٌ تحجبها ستائر الأمطار الشماليّة الداكنة


كان باسم يسير ويتحدّث عن المدينة بحماس غنائيّ، ملتفتاً إليّ بكلّيّته، يتحدّث كما لو كانت المدينة نصّاً شعرياً. برشلونة التي كتب حولها نصوصاً هي يومياته هناك. نقل بعضها إلى الكاتالونية. بدا لي يسيرُ بلا مبالاةٍ بالعالم، كما أبطال جورج أورويل الشباب من الجماعات الفوضوية والشيوعية الذين قدموا من كل أوروبا ما بين الحربين مدفوعين بحسّ ثوري رومانسي للمشاركة في الحرب الأهلية إلى جانب الجمهوريّين. هو مثلهم، الرجل القادم من فلسطين، أرض المعاناة والدم؛ مثلهم، ذهب رأساً إلى الهامش، أصدقاؤه الفقراء والمتسوّلون والمهمّشون؛ الناس الذين أعطبتهم الحياة. كنا نسير في ظلمة الليل الزرقاء. استوقفتنا المرأة المختبلة؛ كانت تقف تستجدي المارّة هناك، قرب كشك السجائر والحلوى وألعاب الأطفال الملوّنة. 


رأيتني آخذ صورَ تلك البناية على جادة كاتالونيا بحجارتها الرمادية الضاربة إلى بياضٍ وعمارتها العربية الموريسكية، ذات الأقواس والعقود؛ البناية نفسها في شارع الجزيرة رقم 12 قرب باب البحر في تونس. هناك كانت شقّة الكاتب الإيطالي التونسي غيدو مِدينا، الشبيه ببول فاليري؛ بدا لي يمثّل تونس الكولونيالية. بطاقات البريد البيضاء والسوداء والترامواي الكهربائي الأبيض وصفير البواخر في الميناء يتردّد في بيوت المدينة. وذاك الرجل الإسباني غريب الأطوار الذي كان يجلس وحيداً ظهيرة كلّ يوم على رصيف مقهى لونيفير على الشارع الرئيسي، شارع جول فيري، بطقمه الأزرق البروليتاري؛ الرجل الأبيض ذو الشعر الأسود والحاجبين الكثيفين الأسوَدين. الرجل قوي البُنية، الذي يجلس جامداً سوى حركةٍ عصبيّة متكرّرة لفَمه وأنفه، ويرمش كأنّه يطرد ذباباً من على أرنبة أنفه. تدور حكاياتٌ حوله، أنه شارك في الحرب مع الجمهوريين ولما انتصر فرانكو هرب مع من هرب إلى تونس حيث تعيش جاليةٌ إسبانية كبيرة منذ أواسط القرن التاسع عشر.


يتحدّث عن برشلونة بحماس غنائيّ كما لو كانت نصّاً شعرياً


تعودني الصورة الجدارية الكبيرة التي تمثّل صورة مهرّج بلباسه الملوّن بالمربّعات الحمراء والصفراء والخضراء والزرقاء،  وتمثّل إعلاناً كبيراً لساعات بايار الشهيرة. صورة تغطي كامل حائط البناية المواجهة لسفارة إنكلترا، قصر الجنرال سليم سابقا. تأتي للذاكرة، في ظلمة أمستردام، المرآة ذات طراز آر ديكو، المعلّقة على جدار بيت خالي بشير، والساعة الخشبية الكبيرة، من طراز آر ديكو هي أيضاً، ببندولها الأسطواني الفضي الذي ينوس تحت بلور الصندوق. صورُ أبنائه والنيشان الملكيّ، نيشان الافتخار الذي حصل عليه وُضع في إطار خشبي تحت الزجاج وقد كُتب تحت كلمة نيشان الافتخار وبخط زخرفي دقيق “يا صاحب الألطاف الخفية ألطف بهذه المملكة التونسية”؛ وقربه صورةٌ في إطار للعَلم المصري الأخضر بنجومه البيضاء الثلاث. وفي أعلى الجدار تتوسّط كل هذا صورة خالي بالأسود والأبيض. نظرته الجادة وراء عدستي نظارته. كان ينتمي للحزب الشيوعي التونسي. بيتهم قرب بيت عبد العزيز الثعالبي. كبُر أمام الشيخ عبد العزيز الثعالبي؛ كان ذلك بين الحربين، بيد أنه مال إلى ابن حيّه أحمد الدرعي؛ كان يشتغل مع عمالٍ إيطاليين وإسبان يسكنون الحي الشعبي، وكلّهم تقريباً في الحزب الشيوعي الذي يشكّلون قاعدته.


الصور مادة الذكريات، تتتالى في الكتابة، تعود حسب نظامها السرّي وتكتشف مرّة أخرى حياتَك التي انفلتت منك، تكتشفها في ضوء الكتابة التلقائية، حيث ترى الأحداث مثل أمواج البحر التي تأتي بيضاءَ عاتية ثم تختفي في ظلمة الزمن.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً