محمد كِرّو: سياسات علم الاجتماع وعزلتُه

ليس الباحث التونسي، محمد كِرّو، ممّن ينغلقون في الدرس الجامعي، مستفيداً من تخصّصه أيضاً في العلوم السياسية، مقدّماً طرحاً يربط بين عدة ظواهر تبدو متباعدة. في حديثه إلى “العربي الجديد”، يتناول واقع علم الاجتماع في بلاده، ويفسّر عزلته.

■ كثيراً ما نسمع حديثاً عن أزمة في علم الاجتماع في تونس، كيف تجد هذا القول؟ وانطلاقاً منه، كيف ترى واقع الدراسات في علم الاجتماع في تونس؟
– كانت هناك تقاليد سوسيولوجية في تونس منذ ستينيات القرن الماضي، تأسّست بين الجامعة ومركز الأبحاث الذي أسّسته الدولة، “مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية”، وقد تمّ وقتها إرساء تقاليد بحثية تواصلت إلى منتصف الثمانينيات وبعدها حصل الانقطاع، فقد أفرغت المركز من الباحثين لأسباب إدارية وسياسية لأن السلطة آنذاك اعتبرت المركز “وكراً للشيوعيين” فتمت إحالتهم على التقاعد أو ألحقوا بالكليات. تواصل المركز كمؤسسة، ولكن بفعالية أقل، فقد أصبحت البحوث تُجرى عن طريق التعاقد مع الجامعيين، فانقطع البحث السوسيولوجي الجماعي المعمّق، وأصبح اجتهاداً فردياً في الجامعات والمخابر. ومنذ تلك الفترة أصبحنا نتحدّث عن أزمة البحث السوسيولوجي في تونس. إجمالاً يعيش البحث السوسيولوجي أزمة وجود منذ أكثر من ثلاثة عقود، لأنه انتقل من بحث جماعي ومؤسساتي إلى أبحاث فردية شخصية هي أقرب إلى “ترميق حِرفي” bricolage، بمعنى أنه لا توجد استراتيجيات بحث، واضمحلت روح الجماعة العلمية scientific community.

■ نفهم من كلامك أن البحوث الموجودة الآن لا تغطّي حاجيات المجتمع والدولة والمجتمعين المدني والاقتصادي؟


– طبعاً، هي لا تغطّي كل ذلك، بل هي لا تكاد ترصد حتى التحوّلات التي عرفها المجتمع. هنالك محاولات من قبل عدد من المؤسسات الرسمية، مثل “ديوان الأسرة والعمران البشري” أو “مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة” (الكريديف) أو “مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية” نفسه كمؤسسة ما زالت قائمة، والجامعة. هناك مجهودات لهذه المؤسسات لكنها لا تغطّي حاجة البحث، وقد بدا قصورها واضحاً مع اندلاع الثورات العربية؛ حيث اتضح أنها عاجزة عن تفسير تحولات وتغييرات سياسية واجتماعية وثقافية وأيديولوجية وأسباب ظهور حركات اجتماعية جديدة وتطورّها. ولا يخفى أيضاً ما لغياب الدعم المادي من أثر على تدّني البحث العلمي، ناهيك عن أسباب منهجية، مثل عدم توفر مجموعة بحث متعددة الاختصاصات، باعتبار أن التحوّلات لا يمكن مقاربتها عبر الاقتصار على تخصص وحيد.

■ أنت من الباحثين السوسيولوجيين القلائل الذين يشاركون في النقاش العام. برأيك، ما سبب غياب معظم علماء الاجتماع عن الفضاء العام؟
– أولاً لا توجد مدرسة سوسيولوجية في تونس، وهذا يعني انقطاع السند العلمي للمقولات التي يمكن أن يقدمها علماء الاجتماع حول الفضاء العام، وثانياً لا يوجد – كما ذكرت آنفاً – بحث جاد وعميق وجماعي حول فهم التحولات. أما السبب الثالث فهو عام أكثر، يتمثل في كون المثقف في تونس يرنو إلى أدوار إدارية وسياسية، ويحصل ذلك طبعاً على حساب البحث. وهذا مفهوم نظراً لعدم تكافؤ نظام الامتيازات بين الأدوار السياسية والأدوار العلمية.

■ في مسيرتك كباحث في علم الاجتماع كيف تعاملت مع هذا الواقع؟
– اخترت منذ البداية أن أقتصر على دوري كباحث علمي وليس كسياسي وهذا اختيار فكري، نابع من اقتناع بمقولة ماكس فيبر الذي يميّز بين العالِم والسياسي، على أساس أن الأول يشترط التواضع والاستعداد الذهني، بينما يجد الثاني نفسه متناقضاً بين إيتيقا الاقتناع وإيتيقا المسؤولية. أقول فقط ما أفكر به، وعندما أقوم بتشخيص وضعية لا أعطي أي اعتبار للضغوطات السياسية، دون أن يعني ذلك أنني معارض سياسي. أنا أقوم فقط بواجبي في ما يخص البحث العلمي.

■ هناك مستوى آخر يعبّر عن قطيعة علم الاجتماع مع الفضاء العام، وهو غياب ديناميكية للنشر. كيف تجد علاقة دور النشر بعلماء الاجتماع؟


– بداية، فإن قلة البحوث السوسيولوجية تنتج بالضرورة ضعفاً على مستوى النشر. ومن جانب آخر، فإن النشر لا يجلب عائدات بالنسبة للمؤلف في مضمار علم الاجتماع، ولكي ينتج يبحث السوسيولوجي عن تمويل للبحث ثم النشر من خلال مؤسسات أجنبية في غالبها أوروبية، وفي السنوات الأخيرة بدأ يظهر الدعم من جهات عربية. ولولا هذا الدعم من الخارج لما وُجد نشر للبحوث السوسيولوجية في تونس. وبعد كل ذلك، نجد أن تسويق المؤلفات السوسيولوجية ليس من السهولة بمكان، وبالتالي فإن حقوق المؤلف ضعيفة جداً، لنصل إلى واقع لا يشجع على النشر والبحث.

■ آخر أعمالك المنشورة حمل عنوان “الثورة الأخرى” (منشورات سيريس، 2018)، ماذا تقصد بهذا المصطلح؟
– الثورة الأخرى هي ثورة المواطنين، وليست الثورة السياسية التي تمّت سنة 2011، وهي متواصلة عبر مؤسسات الانتقال الديمقراطي. أعني ثورة مدنية تغيّر سلوك المواطنين وتجعل العلاقة بين المواطن والدولة علاقة متوازنة قائمة على احترام القوانين والمؤسسات، ومن زاوية أخرى تحترم الدولة كرامة المواطنين.

■ في علاقة مع هذا الكتاب، كيف ترى ما حدث في الانتخابات الأخيرة في تونس؟
– أقرأ الانتخابات الأخيرة باعتبارها إحداث قطيعة مع الطبقة السياسية المهيمنة، أو على الأقل توجد في الظاهر قطيعة ومحاولة للتغيير العميق للسلطة ولعلاقة السلطة بالمجتمع. لكنها من زاوية أخرى، هي محاولة تغيير مبهم ومزدوج. ينبغي أن ننتبه إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية كانت تفوق نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية، في حين أن صلاحيات الرئيس محدودة مقارنة بالحكومة التي تنبثق عن البرلمان، والتغييرات التي يمكن أن تحصل على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لا تحصل إلا من رئاسة الحكومة، وكان أحرى أن تكون المشاركة أكبر في التشريعية وليس الرئاسية، ولكن ما حدث هو أن الناس شاركوا في الانتخابات ضمن تصوّر بأن الرئيس قادر على تغيير الأوضاع، فما حصل إذن هو انتقال رمزي له أبعاده العاطفية. ما حدث يثبت بأن الرئاسة بقيت تتمتّع بمكانتها على مستوى المخيال الشعبي.

■ لو عدنا إلى كتاب “الثورة الأخرى”، لماذا اخترت أن يكون بالفرنسية، وهذا يسري على أعمال أخرى أصدرتها ومعظم مقالاتك العلمية؟


– أشير إلى أنني أكتب بالعربية وبالإنكليزية، غير أن معظم ما كتبته كان بالفرنسية لارتباطي ببحوث أوروبية. إذن ليس هناك أي تحفظ تجاه الكتابة باللغة العربية، بل إنني أشارك في المؤتمرات العربية وأقدم أبحاثاً بها. وأعتبر العربية لغة علمية ولكنها قليلة الإنتاج العلمي. وفي الحقيقة لا توجد لغة علمية وأخرى غير علمية. أهل كل لغة هم من يجعلونها علمية أو العكس. كل اللغات قابلة لأن تكون علمية، ولكن هذا متوقف على طريقة توظيفها وتطويرها. واللغة العربية لا بدّ من العمل على تطويرها أكثر.

■ بمنظور أوسع، ما هي عوائق تطوير العلوم الإنسانية في العالم العربي برأيك؟
– أعتقد أن من العوائق الأساسية غياب مراكز الأبحاث، حيث أجد أن المؤسسات المتوفرة اليوم لا تقوم بدورها لأنها غير منفتحة على الباحثين إلا بطريقة شكلية. أكثرها تقوم بملتقيات علمية وندوات ولا تقوم ببحوث علمية معمّقة، خصوصاً منها البحوث الميدانية. تبدو لي مراكز الأبحاث منشغلة بالمؤتمرات أكثر من البحث العلمي. أمّا العائق الثاني فهو أن أكثر الباحثين العرب غير مرتبطون بشبكات بحث عالمية، وبالتالي لا يُتاح لهم الاطلاع على جديد البحث العلمي.

بطاقة
باحث تونسي متخصّص في علم الاجتماع والعلوم السياسية، من مواليد 1955. من مؤلفاته: “القيروان” (2009)، و”حجاب” (2010)، و”الثورة الأخرى” (2018)، كما حقّق مذكرات الرئيس التونسي الراحل حبيب بورقيبة، وأصدر كتاباً حوارياً مع نجله. ومن المؤلفات التي أشرف أو شارك فيها: “رجل الأسئلة.. عبد القادر زغل” و”عن الإسلام وخارجه” (2007)، وهو عمل حول الأنثروبولوجي الأميركي كليفورد غيرتز، و”الفرد في المغرب العربي” (بالاشتراك مع حمادي الرديسي).




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

Copyright © All right reserved | Theme: Blog Times by Salient Themes