مخاوف أزمة ائتمان قائمة …رغم مكاسب البنوك الأميركية ترليوني دولار من كورونا

رغم السيولة التاريخية التي جمعتها المصارف الأميركية خلال النصف الأول من العام الجاري، تثار المخاوف من تفاقم أزمة الديون المعدومة، وسط تخوفات من تفشي موجة ثانية لجائحة كورونا وعودة الإصابات والوفيات للزيادة مرة أخرى في الولايات المتحدة، واحتمال عدم قدرة الشركات والمستهلكين على تسديد القروض المصرفية.

وحسب بيانات مجلس الاحتياط الفدرالي “البنك المركزي الأميركي”، فقد ترتفع خسارة المصارف الأميركية إلى 700 مليار دولار خلال العام الجاري. 

وتشير بيانات وكالة تأمين الإيداعات الأميركية إلى أن حجم الإيداعات بالمصارف الأميركية حقق قفزة تاريخية منذ يناير/ كانون الثاني، بلغت ترليوني دولار، وهو ما يعني ارتفاعاً في حجم السيولة المتوافرة لدى المصارف تعادل هذا الرقم.

وفي إبريل/ نيسان الماضي وحده، دخلت المصارف الأميركية إيداعات بلغت قيمتها 865 مليار دولار. وهذا الحجم من الإيداعات التي حصدتها المصارف الأميركية في شهر واحد، أعلى من الإيداعات التي دخلتها في العام الماضي 2019 بأكمله.

واستفادت المصارف الأميركية من هذا الحجم الهائل من السيولة من الترليونات التي ضخها مصرف الاحتياطي الفدرالي في النظام المصرفي وأموال التحفيز التي ضختها الحكومة الأميركية خلال الشهور الماضية في الشركات الأميركية لحمايتها من الإفلاس، وسط توقف النشاط وجفاف الدخول خلال فترة إغلاق الاقتصاد الأميركي. واودعتها هذه الشركات بحساباتها المصرفية.

وكان لدى البنوك الأميركية حجم سيولة يقدَّر بنحو 1.7 ترليون دولار حتى نهاية العام الماضي 2019. وبالتالي، فإن المصارف الأميركية لديها حالياً حجم سيولة يقدَّر بنحو 3.7 ترليون دولار.

ولكن رغم هذه السيولة التاريخية، تواجه المصارف الأميركية احتمال تفجر أزمة الديون المعدومة في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع نسبة البطالة والتعثر المالي وارتفاع عدد الشركات المفلسة.

وبالتالي قد تواجه تلك المصارف أزمة أخرى تتمثل بعدم قدرة العديد من المستهلكين على تسديد قروض بطاقات الائتمان والقروض العقارية، وقد تواجه تزايد حجم القروض المشكوك في تحصيلها من قبل قطاع الشركات التي من غير المعروف حتى الآن ما إن كانت ستعود إلى التشغيل خلال شهر يوليو/ تموز المقبل أو لا في عدد من الولايات، خاصة ولاية تكساس وفلوريدا اللتين يتزايد فيهما عدد الإصابات بالفيروس التاجي.

وحسب بيانات وكالة بلومبيرغ، أمس الأول السبت، بلغ عدد الشركات التي يفوق حجمها 50 مليون دولار وسجلت للحماية من الإفلاس في الأسبوع الماضي 13 شركة، ليرتفع إجمالي عدد الشركات الأميركية التي أعلنت افلاسها خلال النصف الأول من العام الجاري 117 شركة، وهو معدل أعلى من الإفلاسات التي شهدتها الولايات المتحدة في عام 2009 الذي تلا مباشرة أزمة المال العالمية.

وحتى الآن عمدت الحكومة الأميركية إلى ضخ أموال مباشرة في جيوب العائلات والمستهلكين في أميركا، وشجعت الحكومة المصارف التجارية على تأجيل دفعات القروض العقارية وأقساط ديون بطاقات الائتمان للمواطنين، وذلك ضمن خطوات دعم للاقتصاد، وساهم هذه الإجراءات  حتى الآن في تأجيل تفجر أزمة الديون المعدومة، ولكنها لم تقضِ عليها.

ويقدّر حجم القروض الشخصية في أميركا بنحو 14.3 ترليون دولار حتى نهاية العام الماضي 2019، من بينها حوالى ترليون دولار قروض بطاقات الائتمان.

وفي أول اختبار لصحة المصارف الأميركية وقدرتها على تحمل الصدمات المالية بعد جائحة كورونا، قال مصرف الاحتياط الفدرالي إن المصارف الأميركية تبدو في صحة مالية جيدة، ولكنها قد تواجه خسائر شبيهة بالخسائر التي تكبدتها في أزمة المال العالمية في عام 2008، إذا لم يتمكن الاقتصاد من النمو والتعافي من الركود.

وقدر البنك المركزي الأميركي في تقييمه للقطاع المصرفي الصادر يوم الخميس الماضي، أن المصارف الأميركية قد تتكبد خسائر تقدر بنحو 700 مليار دولار خلال العام الجاري بسبب عدم قدرة المقترضين على السداد ونصحها بضرورة عدم دفع توزيعات للمساهمين وعدم إعادة شراء لأسهمها.

ومن المتوقع أن تعلن المصارف الأميركية اليوم الاثنين خطط التصرف في رأس المال وحجم الأموال التي سترصدها لتغطية القروض المشكوك في تحصيلها وتقديمها للبنك المركزي الأميركي.

وترى وكالة فيتش الأميركية للتقييم الائتماني في تقرير يوم السبت، أن معظم المصارف الأميركية لديها القدرة المالية على توزيع أرباح للمساهمين، على الرغم من نصائح البنك المركزي بعدم القيام بذلك.

ويوجد في الولايات المتحدة 34 مصرفاً، بينها أربعة مصارف كبرى يفوق حجم أصولها الترليون دولار. وهذه المصارف الكبرى هي مصارف “جي بي مورغان” الذي يقدَّر حجم أصوله بحوالى 2.4 ترليون دولار، ومصرف “بنك أوف أميركا”، وتقدَّر أصوله بنحو 1.8 ترليون دولار، ومصرف “ويلز فارغو” تقدر أصوله بنحو 1.712 ترليون دولار، ومصرف “سيتي بانك” بنحو 1.453 ترليون دولار.

ويأتي مباشرة بعد هذه المصارف الأربعة الكبرى، مصرفا “غولدمان ساكس” الاستثماري و”مورغان ستانلي”، وتقل موجوداتهما عن ترليون دولار، وذلك وفقاً لبيانات مصرف الاحتياط الفدرالي. وهنالك أكثر من مائة مصرف صغير في الولايات المتحدة، لكن المصارف المؤثرة منها 34 مصرفاً.

ومن بين السياسات التي نفذتها المصارف الأميركية خلال الشهور الماضية لحماية نفسها من الوقوع بأزمة ائتمان، تخليها عن الترويج لبطاقات الائتمان وتحويل رصيد ديون البطاقات، وهي عمليات كانت شائعة في الولايات المتحدة وتحصد منها المصارف رسوماً ضخمة.

لكن منذ جائحة كورونا بدأت المصارف تراجع مستويات “الكفاية المالية” لزبائنها وتقليل الحد الأقصى المسموح به في استخدام البطاقات.

ويرى محللون أن أزمة الديون المعدومة، وخاصة القروض الشخصية وقروض الإسكان، قد تضرب البنوك الأميركية في أية لحظة إن لم تعد الوظائف إلى مستوياتها السابقة خلال النصف الثاني من العام الجاري.

ورغم رضى مصرف الاحتياط الفدرالي عن السيولة النقدية المتوافرة لدى البنوك، إلا أنه يبدو قلقاً من تفاقم أزمة الديون المعدومة، وبالتالي طالب المصارف الأميركية بتقديم بيانات في نهاية العام الجاري عن قوة مراكزها المالية.

على صعيد المصارف الأوروبية التي لم تتعافَ بعد من أزمة الائتمان التي ضربتها في عام 2011، يحذر خبراء من تعرض البنوك التجارية لأزمة ائتمان قد تؤدي إلى أزمة مالية في منطقة اليورو بسبب تداعيات الجائحة على دخول الأفراد والشركات.

وكانت سلطة البنوك الأوروبية، وهي سلطة إشرافية تابعة للمفوضية الأوروبية، قد طالبت المصارف التجارية في دول الاتحاد الأوروبي بتمتين إجراءات توثيق الكفاية المالية لزبائنها، وأن تكمل عمليات المراجعة بنهاية شهر ديسمبر/ كانون الأول المقبل في حد أقصى. وتعمل السلطات النقدية في أوروبا على تنفيذ إجراءات وقائية من ارتفاع حجم القروض الخطرة.

وتعد المصارف الإيطالية حالياً من نقاط الضعف الرئيسية للمصارف بمنطقة اليورو، وهنالك مخاوف من انهيارها، وبالتالي توريط المصارف الفرنسية التي يرتفع حجم انكشافها الائتماني في السوقين الإيطالي والإسباني.

في هذا الشأن تنصح كريستين جوشنيك، عضو مجلس إدارة المركزي الأوروبي التي استقالت في الشهر الجاري، المصارف الأوروبية بضرورة تنفيذ إصلاحات جذرية تقود إلى خفض كلف التشغيل ورفع حجم الاستثمارات في التقنية.

وضمن خطط دعم القطاع المصرفي في منطقة اليورو، قال المركزي الأوروبي يوم 18 يونيو/ حزيران إنه أقرض المصارف التجارية مبالغ قيمتها 1.31 ترليون دولار ضمن برنامج القروض الميسرة لمكافحة تداعيات جائحة كورونا.

وبرنامج إعادة التمويل يمنح المصارف التجارية حق الاقتراض لمدة ثلاث سنوات بنسبة فائدة معدلها “ناقص 1%”، وهو أرخص تمويل في تاريخ الصناعة المصرفية الحديث. وينظر محللون إلى هذا البرنامج على أساس دفع أموال مجانية بطريقة غير مباشرة للمصارف في منطقة اليورو.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً