مدّعي "الجنائية الدولية" كريم خان بعيون أفريقية

انتخبت المحكمة الجنائيّة الدوليّة المحامي كريم خان مدّعيا عامًا للسنوات التسع المقبلة، خلفًا للغامبية فاتو بنسودا. وسيقود البريطاني المسلم، المتحدر من أصول باكستانية، مكتب الادعاء الذي يعدّ أهم أجهزة المحكمة الأربعة، إلى جانب هيئة الرئاسة والشعبة القضائية وقلم المحكمة. سلّط الإعلام الدولي الضوء على ميزاته، وأثنى على خبرته وذكائه وجرأته، وزَعَمَ تمتعه باستقلاليةٍ من شأنها أن تساعد المحكمة على تخطّي مشكلة المصداقية التي تلاحقها. ولكن الطريقة التي انتُخب بها، والانتقادات التي وجهتها له منظمات حقوقية أفريقية تحكي قصة أخرى.


على عكس سلفيه، فاتو بنسودا والأرجنتيني لوي مورينو أوكامبو، لم يحظ تعيين خان بإجماع الدول الأعضاء. ولأول مرة في تاريخها، عيّنت المحكمة لجنة دولية لتيسير عملية ترشيح وانتخاب مدّع عام يتوفر على “أخلاق رفيعة وكفاءة عالية” ويتميز بـ “خبرة عملية واسعة في مجال الادعاء أو المحاكمة في القضايا الجنائية”. تلقّت اللجنة طلبات ترشّح كاملة من 89 فردا، وبرز كريم خان أحد الأوفر حظا للفوز بالمنصب، خصوصا بعد أن ورد اسمه ضمن القائمة القصيرة للمرشحين الـ 14 الذين اختارتهم اللجنة، وأجرت معهم مقابلات قبل أن يستقر اختيارها في منتصف السنة الماضية على أربعة أسماء، اعتبرتهم “أكثر المرشّحين تأهيلا”: موريس أنياه (نيجريا)، سوزان أوكالاني (أوغندا)، ريتشارد روي (كندا)، وفرغال غاينور (أيرلندا). أثارت القائمة حفيظة بعض الدول، وتصدّرت الحكومة الكينية جبهة الرافضين لهذا الاقتراح، ما بدّد حظوظ تعيين المدّعي العام بالإجماع. اضطرت اللجنة لنشر تقييمها للمرشحين الذين استبعدتهم، واتضح أن قرارها كان مبنيا على أسسٍ موضوعية إلى حد كبير. انتقدت نقص خبرة كريم خان في ممارسة الادعاء على المستوى الدولي، وذكرت أن تجربته، في هذا المجال، تقتصر على قضايا محلية (بريطانية)، وأنه تغلب عليه صفة محامي الدفاع، على الرغم من مثوله أمام كبرى المحاكم الجنائية الدولية. لم تخُض اللجنة في تفاصيل خبرته، لكن الوقوف عند أهم القضايا التي دافع عنها يوضح أكثر ملامح شخصيته وطبيعة المشكلات التي قد يجلبها إلى المحكمة الجنائية لاحقا.


تتميز سيرة خان عن باقي المرشحين بدفاعه عن قادة أفارقة متهمين بارتكاب أبشع الجرائم


تتميز سيرة خان عن باقي المرشحين بدفاعه عن قادة أفارقة متهمين بارتكاب أبشع الجرائم، وتضم القائمة رئيس ليبيريا السابق، الدكتاتور تشارلز تايلور الذي دانته المحكمة الخاصة لسيراليون بالسجن 50 عاما بتهمة ارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية. وتولّى أيضا الدفاع عن ثلاثة قياديين في حركات متمرّدة في دارفور (بحر ادريس أبو قردة وعبد الله باندا وصالح جاموس)، متهمين بمسؤوليتهم عن هجوم مسلح على قاعدة بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في العام 2007، أودى بحياة 12 عنصرا من البعثة. أغلقت المحكمة الجنائية الدولية قضية أبو قردة لعدم وجود أدلة كافية لاستكمال محاكمته، وقُتل جاموس في الحرب في دارفور قبل انتهاء محاكمته، وأصدرت المحكمة مذكّرة توقيف بحق باندا الهارب من العدالة. وغير بعيد عن السودان، دافع خان عن سيف الإسلام، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، المتهم من المحكمة الجنائية بجرائم ضد الإنسانية جرّاء دوره في قمع انتفاضة فبراير 2011، وطالب المحكمة بالإفراج عنه وإسقاط الملاحقات، بحجّة أن موكله حوكم وقضى خمس سنوات في السجن، وفقا لنظام روما الأساسي الذي يمنع المحاكمة عن الجريمة ذاتها مرتين، فيما المحكمة ما تزال منذ مايو/ أيار 2014 بتسليمه.


ومن أهم إنجازات خان تبرئة المحكمة الجنائية موكّله جان بيير بيمبا، نائب الرئيس السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية من تهم جرائم حرب ارتكبها جنوده في إفريقيا الوسطى بين عامي 2002 و2003، بعد أن دين بالسجن 18 عاما. لكن مرافعاته أمام المحكمة الجنائية في قضيتين، تتعلقان بأعمال عنف عرقية أعقبت الانتخابات الكينية للعام 2007، كانت الأكثر جدلا في تاريخ المحكمة الجنائية، وجعلت فئة من الكينيين تصف خان “محامي الشيطان”. ترافع بدهاء وشغف عن فرانسيس موثورا، الرئيس السابق للخدمة العامة في كينيا، ونائب الرئيس الكيني الحالي وليام، ونجح في إجبار مكتب الادعاء إسقاط تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية عن موكّليه، بعد أن اختفى بعض شهود الادعاء واغتيل أحدهم وتراجع آخرون عن شهادتهم واعترفوا بكذبهم وتلقي الرشاوى.


ترشَّح خان لمنصب المدّعي العام، وهو يدرك أنه في حال استئناف أو إعادة فتح جل القضايا آنفة الذكر التي لم تغلقها المحكمة الجنائية سيضطر أن يوكّل أحد زملائه في مكتب الادّعاء لينوب عنه. وشكل هذا السيناريو أحد الانتقادات التي وجهتها اللّجنة لترشيحه. من الواضح أن المحامي البريطاني لم يُعر اهتماما لتضارب مصالحه مع مصالح عائلات الضحايا ومصلحة محكمةٍ تلاحقها أزمة مصداقية، لم تؤّمن إلا خمس إدانات مهمة من أصل 30 قضية، وتكاد تقتصر على ملاحقة الأفارقة دون غيرهم، طوال الـ 18 عاما من عمرها؛ محكمة تحتاج تطبيق نحو 400 توصية، خرج بها تقرير تحقيق لجنة خبراء السنة الماضية لتحسين أدائها، وأوصى التقرير بتوفير جو عمل يخلو من الخوف وانعدام الثقة بين موظفيها، ومجابهة ثقافة التسلط والتنمّر والتحرّش الجنسي وهدر الموارد وغيرها من سلوكياتٍ لا تليق بمحكمةٍ تتطلع إليها شعوب العالم لتحقيق العدالة.


قادت الحكومة الكينية في الكواليس حملة ناجحة من أجل انتخاب كريم خان الذي أنقذ قادتها من تهم جد ثقيلة


ومن الانتقادات الأخرى، أشارت اللجنة إلى ما وصفتها بـ “حملة تبدو منسقة من منظمات المجتمع المدني بالنيابة عن السيد خان، لترويج ترشيحه، على الرغم من الطبيعة السرية للعملية الانتخابية”. لكن الحملة الداعمة لخان قابلتها أخرى مناهضة له، إذ نشرت 22 منظمة حقوقية أفريقية، معظمها من كينيا وأوغندا وتنزانيا، رسالةً وجهتها للدول الأعضاء في المحكمة، تنتقد فيها دوره محامي دفاع في قضيتي موثورا وروتو اللتين شابهما “مستوى مقلق من العبث بالشهود وتدخل سياسي لا يطاق”، حسب رئيس المحكمة آنذاك. واتهمته الجمعيات الحقوقية بعلاقته مع الحكام الكينيين التي تجاوزت حدود المهنة، ومساهمته في تأجيج موجة عداء غير مسبوقة ضد المحكمة الجنائية التي اتهمها بأنها كانت “تهدف لتغيير النظام في كينيا”، وعدم اكتراثه لمصير أحد شهود الدفاع الذي تم اغتياله، بعد أن أعلن عن رغبته في التراجع عن شهادته. وحذّرت الرسالة، في الأخير، من أن انتخابه سيشكل بالنسبة للضحايا الكينيين عائقا أمام سعيهم إلى تحقيق العدالة في أحداث العنف العرقي الذي أودى بحياة أزيد من ألف مدني.


وبقدر ما جرّ على نفسه انتقادات من منظماتٍ أفريقية، يتمتع خان أيضا بدعم قاعدةٍ لا بأس بها من الضحايا الذين دافع عنهم، أحيانا من دون مقابل، في كمبوديا وألبانيا وكينيا وسيراليون والكاميرون، ويعتبره مناصروه محاميا ذكيا وملتزما وقادرا على إحداث فارقٍ في عمل المحكمة. لكن أكبر دعم حظي به خان كان من الحكومة الكينية التي غيرت مجرى الانتخابات لمصلحته، إذ اعترضت علنا على قائمة المرشّحين الأربعة، متهمة اللجنة بمحاولة فرض المرشّح الأيرلندي فرغال غاينور. كان من الطبيعي أن تثور ثائرتها ضد غاينور، المحامي الحقوقي الذي وقف في وجه الرئيس أوهورو كينياتا، مدافعا عن ضحايا أحداث العنف التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في بلاده. قادت الحكومة الكينية، التي تتزعم المجموعة الأفريقية المتكونة من 33 دولة عضوا في المحكمة، حملة ضد غاينور، شكّكت في مهنيته، ووصفته “الناشط” و”المرشح المفضل لمنظمات المجتمع المدني”، وطلبت المجموعة من المحكمة العودة إلى قائمة الـ 14 مرشحا، بمن فيهم كريم خان.


دافع خان عن سيف الإسلام القذافي، المتهم من المحكمة الجنائية بجرائم ضد الإنسانية جرّاء دوره في قمع انتفاضة فبراير 2011


ووجدت جهود المجموعة الأفريقية صدى لدى الدول الأوروبية التي يبدو أنها لم تحبذ استقلالية غاينور، وِرأت في دفاعه السابق عن الضحايا والشهود الفلسطينيين والأفغان خطرا على مصالحها مع إسرائيل وأميركا. لكن دولا أخرى دعمت المجموعة الأفريقية لقصور قائمة المرشحين الأربعة التي لا تطرح خياراتٍ حقيقية، وذلك أنه وفقا لقاعدة التناوب الجغرافي، فإن المرشح النيجري موريس أنياه والمرشحة الأوغندية سوزان أوكالاني يعتبران مقصيين تلقائيًا بما أن المدعية العامة تمثل القارة الأفريقية، وكان من المتفق عليه ضمنا أن المدّعي العام المقبل سيمثل الدول الغربية. أما المرشح الثالث، الكندي ريتشارد روي، فإن انتخابه يطرح مشكلة قانونية، لكون جيمس ستيوارت، نائب بنسودا الحالي، يحمل الجنسية الكندية، ولن يغادر منصبه حتى عام 2022، بينما يمنع النظام الأساسي للمحكمة أن يكون المدّعي العام من جنسية نوابه. وفي ظل انعدام حظوظ المرشحين الثلاثة، كان غاينور بالفعل الخيار الوحيد الذي طرحته اللجنة، على الرغم من أنه كان يحق لها أن تقترح ستة مرشحين بدل الأربعة، ولكن لسبب ما اقترحت قائمة قصيرة ومثيرة للجدل.


قادت الحكومة الكينية في الكواليس حملة ناجحة من أجل انتخاب كريم خان الذي أنقذ قادتها من تهم جد ثقيلة، ومثّلها أمام محكمة العدل الدولية في قضية النزاع مع صوماليا حول الحدود البحرية. احتفى مناصرو المحامي البريطاني بانتخابه، ولم يُخف خصومه استياءهم وغضبهم أيضا. وعلق المدير التنفيذي للمفوضية الكينية لحقوق الإنسان، جورج كيغورو، على الحدث بعباراتٍ شديدة اللهجة: “كريم خان شخص يثير الاستقطاب، ويُعدّ انتخابه عملا تخريبيا، وانتكاسة كبيرة لأجندة العدالة الدولية”. من المبكر إصدار حكمٍ بهذه الحدّة، فشخصية الرجل مثيرة للجدل، لأنها مركبة، جعلته يدافع عن ضحايا الإبادة في كمبوديا وعن مجرمي الحروب في أفريقيا. إنه يذكّر بالمحامي الفرنسي الراحل، جاك فيرجيس، الذي دافع عن المقاومين الجزائريين والفدائيين الفلسطينيين، وترافع عن النازي كلاوس باربي والإرهابي الدولي كارلوس، وعندما سُئل إن كان سيدافع عن هتلر، أجاب: “وأرغب أيضا في الدفاع عن بوش، شرط أن يقر أولا بأنه مذنب” (!). إن كان الدفاع من أجل الدفاع هو أيضا مبدأ كريم خان، فستكون القضية هي الضحية.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً