"مسرح الجنينة" المصري يودّع الربيع

الواقع الثقافي المصري لا يسلم من الركود. ولكن يمكننا القول، بأي حال، إن المشهد الثقافي الخاص بالكتابة أكثر نشاطاً وله سوق تجارية مزدهرة نسبياً عن مثيله الموسيقي. بعيداً عن إشكاليات الموسيقى التجارية وتعريف المصطلح والسوق، إلا أن مشاكل المشهد الموسيقي الموازي، ومن ضمنه الساحة المستقلة، في ازدياد مستمر.

العائق الأكبر أمام الفرق والساحة هو قلة فضاءات العرض (المسارح) المجهزة، ما جعلها تلجأ إلى مساحات عرض غير مجهزة، أقرب إلى شقق سكنية. واضطر عديدون إلى اختزال الشكل الموسيقي الذي يقدمه، أو تغييره، لمجرد الحضور من دون عائد مادي أو جماهيري، بل إن هذه المساحات سرعان ما تغلق لعدم تحقيقها عائداً بدورها، وفشلها كمشروع استثماري وثقافي على حد سواء.

أواخر الشهر الماضي، ازدادت هذه المشاكل تفاقماً بإعلان أحد أهم المسارح المصرية إغلاقه، وعدم تمكنه من الاستمرار لمشاكل متعلقة بالتمويل، وهو “مسرح الجنينة” الموجود في حديقة الأزهر والتابع لـ “مؤسسة المورد الثقافي”. بذلك، فقد المشهد واحداً من أهم المساحات المجهزة للعرض.

“مسرح الجنينة” الذي بدأ نشاطه منذ ما يقرب من تسع سنوات، هو مسرح نصف مكشوف يتسع لـ 500 مشاهد، تم تمويل إنشائه بمنحة من “صندوق التنمية الثقافية المحلية” في السفارة الهولندية في القاهرة، وبدعم من مؤسسة “معهد المجتمع المفتوح”.  وحصل على منحة لشراء أجهزة صوت من “صندوق التنمية الثقافية المحلية” في السفارة الهولندية.

قدم المسرح عروضه دائماً خلال الموسم الصيفي الذي يبدأه في أبريل/نيسان من كل عام بـ “مهرجان الربيع”، ليقدم قرابة الـ 60 حفلاً سنوياً، ويختتم الموسم في نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام.

وبرغم وقوعه في موقع منخفض وداخل حديقة الأزهر، إلا أنه استطاع جذب شرائح مختلفة من الجمهور الموسيقي المتخصص ومرتادي المراكز الثقافية في القاهرة ومصر، وأيضاً رواد الحديقة من الأغلبية المكونة للشعب المصري من الطبقة المتوسطة، وما تحتها التي يندر حضورها لفعاليات مشابهة خارج هذا الحيز، ولكن المسرح أضاف الحفلات المفتوحة كفقرة في برنامج تنزه الأسر في الحديقة.

كما كمنت أهمية المسرح في تقديمه مساحة مجهزة صوتياً وضوئياً بشكل احترافي، إلى جانب وجود طاقم محترف لإعداد الحفلات الموسيقية. قليلة هي الفضاءات التي تتمتّع بهذه الاحترافية في القاهرة.

إضافة إلى ذلك، تكمن أهمية مسرح الجنينة في استضافته لأغلب الفرق المصرية، إن لم يكن كلها، المستقل منها، والذي حرصت على إدارجه ضمن سيرتها الذاتية كأهم مسارح مصر، رغم عدم وضوح معايير اختيار المسرح للفرق، وضعف العائد المادي الشديد المقدم للفرق المصرية مقارنة بالفرق المستقدمة من دول أخرى.

دور المسرح كمنارة تعريفية بفنانين وفرق من دول أخرى لم يقتصر على الفرق العربية، وإنما امتد إلى فرق وبلاد وفنانين لم يعرف الوسط الموسيقي الواعي بهم، من بلدان مثل أذربيجان والتشيك، وأوزبكستان وأفغانستان. وامتد مهرجان الربيع، وهو من أهم المهرجانات الموسيقية في مصر، عبر التعاون مع جهات حكومية تابعة لوزارتي الثقافة والآثار، لتقام بها فعاليات على التوازي معه، مثل “قصر الأمير طاز” و”مسرح الإسكندرية”، مساهماً في حالة من الحراك، بعد السبات الشتوي الطويل. التساؤل الذي تطرحه هذه الخطوة: ما هو مستقبل مساحات العرض في مصر؟ تحديداً في العاصمة القاهرة، إذا لم تقدر مؤسسة مثل المورد بكل علاقاتها والدعم الذي تلقته من مؤسسات أخرى على الاستمرار.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *